تعد الزراعة من أقدم الأنشطة البشرية على الإطلاق، ورغم أنها بدأت كضرورة من ضروريات الحياة لتأمين الطعام، لكن الحدائق والغابات والحقول لم تكن مجرد أماكن لزراعة النباتات فقط بل فسحة للبشر للاسترخاء والتركيز والتواصل مع الطبيعة ومع الآخرين. أما اليوم فقد أظهرت العديد من الدراسات والأبحاث أن الزراعة وأعمال البستنة يمكن أن تعزز الصحة النفسية وتدعمها وتساعد الإنسان في مختلف جوانب حياته.

الفوائد النفسية للزراعة والبستنة

يعد التفاعل مع الطبيعة أمرًا ضروريًا لتعزيز المشاعر البشرية ودعمها. ويمكن للزراعة وأعمال البستنة أن تحقق هذا التفاعل الهام بين الإنسان والطبيعة. تدعم الزراعة الصحة النفسية من خلال ما يلي:

تحسين المزاج

يشعر البشر عمومًا بالسعادة والتفاؤل عندما يكونون في محيط طبيعي مليء بالنباتات، وقد أظهر استبيان تم إجراؤه في 4 مستشفيات في منطقة خليج سان فرانسيسكو أن حوالي 79% من المرضى شعروا بأنهم أكثر استرخاءً وهدوءًا، و19% شعروا بالإيجابية و 25% شعروا بالانتعاش والقوة بعد قضاء بعض الوقت في حديقة عامة. تثير الأزهار أيضًا مشاعر إيجابية. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2005 أن النساء اللاتي تلقين زهورًا شعرن بمزاج أكثر إيجابية لمدة ثلاثة أيام، وأفاد المرضى المسنون الذين تلقوا الزهور أنهم أحسوا بمزاجية أكثر إشراقًا وتحسنت الذاكرة طويلة الأمد لديهم.

قد يحتاج الشخص فقط إلى وضع النباتات على حافة النافذة في المنزل لتساعده على خلق بيئة أكثر هدوءًا، إلا أنه من الممكن زيادة الشعور بالسعادة من خلال أعمال البستنة، فالبستنة تذكرنا بارتباطنا بالطبيعة، وتساعدنا على التركيز والاسترخاء وتخفف من أعراض الاكتئاب، بالإضافة إلى ذلك يمكن للبستنة أن تجعل الدماغ يطلق هرمونات هامة مثل السيروتونين والدوبامين، وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2007 أن العمل مع التربة يجعل المرء أكثر سعادة، لأن هناك العديد من المواد في التربة تساهم في زيادة السيروتونين والذي يساعد بدوره على تحسين المزاج وتقليل القلق.

تقليل التوتر والقلق

إن النظر إلى النباتات والتعامل معها سواءً داخل أو خارج المنزل، يعتبر نشاطًا يساعد في تقليل مستويات القلق، ويشجع على عيش اللحظة الحالية بهدوء ويلفت انتباه الحواس. وقد أجرت مجلة Physiological Anthropology دراسة على مجموعتين من المشتركين يعملون في شركة معينة، الأولى قامت بمهام العمل على الكمبيوتر في المكتب، أما الثانية فقد قامت بزراعة نباتات داخل الشركة، وبعد الانتهاء من المهام، تبادلت المجموعتين الأدوار، فوجد الباحثون أن المشاركين شعروا براحة أكبر واسترخاء بعد زراعة النباتات بدلًا من القيام بمهام الكمبيوتر، وخلصت الدراسة أنه من الممكن أن يقلل الفرد من الضغط والتوتر النفسي عبر التفاعل مع النباتات.

وقارنت دراسة أخرى نشرت في مجلة Health Psychology بين تأثير البستنة الخارجية والقراءة في الأماكن المغلقة، وأظهرت الدراسة أن كلًا من القراءة والبستنة يخفضان من مستويات الكورتيزول، إلا أن البستنة خفضت بشكل ملحوظ من مستويات التوتر وجعلت المشاركين يشعرون بمزاج إيجابي أكبر.

زيادة التركيز والانتباه

تقوي الزراعة وأعمال البستنة الانتباه وتشد الحواس، مما يساعد على التركيز والتعلم. فعلى سبيل المثال، بحثت دراسة نشرت في المجلة الأمريكية للصحة العامة عن مدى تأثير الأماكن الخضراء في الطبيعة على الأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD). وجد الباحثون أن النشاطات التي تم تنفيذها في الأماكن الخضراء قللت بشكل كبير من أعراض هذا الاضطراب مقارنةً بالأماكن الأخرى.

كما تساعد البستنة الأطفال في التحصيل الأكاديمي، من خلال تأثير أنشطة البستنة على النشاط العلمي للطفل، وقد سجل الطلاب الذين مارسوا البستنة درجات أعلى بكثير في اختبارات التحصيل العلمي من الطلاب الذين درسوا العلوم في الفصول الدراسية التقليدية.

تعزيز احترام الذات

تدني احترام الذات هو حالة شائعة بين المراهقين والشباب، ومن الطبيعي أن يقارن المراهقين أنفسهم بالآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمكن للأطفال والشباب الاستفادة من فترات راحة من التكنولوجيا وغيرها، والبستنة هي إحدى الطرق التي تولد الإثارة حول التواصل مع الطبيعة والعالم الخارجي.

عندما يعتني الأطفال بالنباتات ويشاهدونها تنمو، يلاحظون التحولات التي تطرأ على النبات، وقد يساعدهم هذا على فهم التغيرات التي تطرأ على أجسادهم خلال مرحلة البلوغ، ويمكن للبستنة أن تساعد الأطفال على التعايش مع مشاكلهم النفسية والجسدية من خلال مساهمتهم بالمجتمع بطريقة مفعمة المحبة والاهتمام. فالزراعة هي إحدى طرق اكتساب الشعور بقيمة الذات بغض النظر عن الضغوط الاجتماعية. وأخيرًا، يستطيع الأطفال الاستمتاع بمذاق الخضار التي زرعوها أو رؤية الزهور الملونة في حديقتهم ما يعزز من ثقتهم بنفسهم وقدراتهم.

الفوائد الصحية للنباتات والزراعة

تعزز النباتات من الصحة الجسدية بطرق مختلفة، على سبيل المثال، يمكن المساعدة في تنقية الهواء وإضافة الهدوء إلى الجو العام من خلال إضافة نبتة واحدة إلى الغرفة، وفيما يلي مجموعة من أهم الفوائد والإيجابيات الصحية للنباتات والزراعة:

تنقية الهواء وتحسين جودته

تساعد النباتات التي توضع في المكتب أو الفصل الدراسي أو المنزل على تنقية الهواء. يقضي أغلب سكان المدن معظم أوقاتهم في غرف مغلقة حيث يكون الهواء مشبعًا بثنائي أكسيد الكربون وغيره من الملوثات، وقد يؤدي ذلك للعديد من الأعراض كالصداع والدوار وفقدان التركيز وتهيج الحلق. حدد العلماء أكثر من 300 مركب عضوي متطاير سام يوجد في الهواء الداخلي وتساعد النباتات في التخلص منه.

تحفز الزراعة على ممارسة التمارين الرياضية

معظم الأطفال والبالغين اليوم لا يمارسون الرياضة بما يكفي، ويمكن أن يؤدي الكسل وقلة النشاط إلى مجموعة من المشاكل الصحية الجسدية والنفسية من الاكتئاب إلى أمراض القلب. توصي إرشادات الجمعية الأمريكية لأمراض القلب الأطفال والمراهقين بالقيام بممارسة 60 دقيقة أو أكثر من التمارين المعتدلة إلى الشديدة يوميًا، ويجب على البالغين ممارسة التمارين المتوسطة لمدة 150 دقيقة على الأقل أسبوعيًا، ومن خلال ممارسة الرياضة يقلل البالغون والأطفال من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسرطان والسكري والقلق والاكتئاب.

الزراعة وأنشطتها المختلفة طريقة ممتعة وسهلة لدمج التمارين الرياضية مع الروتين اليومي للبالغين والأطفال، فعادةً ما يستمتع الطفل بالعمل في التربة والتعلم من النباتات، وهو يقوم بالتمارين من غير أن يلاحظها من خلال الحفر أو نقل التربة أو ري النباتات في ضوء الشمس والهواء الطلق. كما يمكن للبستنة أن تساعد على تطوير المهارات الحركية والقوة العامة للطفل، بالإضافة إلى محاربة السمنة لدى الأطفال.

تشجع على الأكل الصحي والغذاء المتوازن

قد يكون من الصعب تناول الكمية الموصى بها من الفواكه والخضروات كل يوم، خاصةً بالنسبة للأشخاص الذين لا يفضلون مذاق هذه الأطعمة. تشجع الزراعة الناس على إضافة الأطعمة الصحية إلى وجباتهم الغذائية والتخلص من عادات الأكل السيئة. يمكن للأطفال والآباء أن يختاروا الأطعمة التي يريدون زراعتها، فمذاق الطعام المزروع في المنزل أفضل وأشهى بسبب الوقت والجهد اللازمين لزراعتها وحصادها. فعلى سبيل المثال، يمكن للأطفال بسهولة زراعة الطماطم الكرزية الشهية والكوسا والفجل والبطاطا، وغالبًا ما يشعر الطفل بالحماس لأكل ما زرع.

إن لممارسة الزراعة والأنشطة المتعلقة بالبستنة فوائد جسدية ونفسية عديدة، فهي تحارب القلق والاكتئاب وتعزز الصحة النفسية وتدعمها وتساعدك على التخلص من التوتر والضغوط الناتجة عن العمل والدراسة، بالإضافة لفوائدها الصحية الأخرى وتأثيراتها الإيجابية على مختلف جوانب الحياة.

المصادر: 123

تطبيق لبيه
مشاركة المقالة