الرياضة والصحة النفسية

للرياضة فوائد هامة على الجهاز القلبي الوعائي والعضلات والرئتين بالإضافة لعلاج البدانة والوقاية من السرطان والداء السكري، وتلعب الرياضة دورًا هامًا في الصحة النفسية لا تقل أهميته عن الدور الجسدي والفيزيولوجي، ونتحدث في هذا المقال عن الرياضة والصحة النفسية.

هل الرياضة هي الحل للضغوط النفسية في عالمنا؟

يعاني البشر اليوم من ضغوط نفسية هائلة خلقتها ظروف الحياة المعاصرة من عمل وتعليم وعلاقات اجتماعية معقدة، وتشير العديد من الأبحاث إلى أنَّ أكثر من 25% من البشر اليوم يعانون من ضغوطٍ نفسية متنوعة، فهل تقدم الرياضة الحل للتغلب على هذه الضغوط وتجاوزها؟

يبدو أنَّ ذلك ممكن بحسب العديد الدراسات التي أظهرت أنَّ ممارسة الرياضة بانتظام قد تقدم حلولاً فعالة لمواجهة ضغوط الحياة اليومية، ومنها دراسة واسعة النطاق أجريت في مركز العلوم العصبية في جامعة نيويورك أظهرت أن التمارين الرياضية المنتظمة تخفف من علامات الاكتئاب الشديد، وتقلل تأثيراته الجانبية على الصحة النفسية.

تعتمد صحة الإنسان على الموازنة بين العقل والجسد

الرياضة والصحة النفسية – كيف تؤثر الرياضة على الصحة النفسية؟

يعتقد العلماء أنَّ ممارسة الرياضة بانتظام تساعد على تنظيم التنبيهات العصبية في الدماغ، ما يساهم في تحسين التركيز والانتباه وزيادة الوظائف الإدراكية، وتساعد في الحصول على قدر كافٍ من النوم الصحي، وتعزز الصحة العامة للمخ وتنظم نشاطه. ينعكس كل ذلك على مزاج الشخص وصحته النفسية العامة.

وفيما يلي بعض الطرق التي توضح كيفية تأثير الرياضة على الدماغ والصحة النفسية:

مكافحة شيخوخة الدماغ

يترك التقدم بالعمر تأثيرات هامة على الدماغ، فيقلل حجم منطقة الحصين في الدماغ، ويسبب ضعفًا في الذاكرة ونقصًا في التركيز والانتباه، ويبدو أن ممارسة الرياضة بانتظام تقلل من تأثيرات التقدم بالعمر على الدماغ وتبطئ شيخوخته وتحسن النشاط المعرفي والإدراكي عند كبار السن.

تحسين المزاج

تترك الرياضة تأثيرًا مباشرًا وسريعًا على مستوى هرمونات معينة في الجسم، مثل: الدوبامين، والسيروتونين، ومن المعروف أنَّ هذه الهرمونات تلعب دورًا أساسيًا في تحسين المزاج، وتزيد مستوى السعادة عند الإنسان (يُطلق عليها أحيانًا اسم هرمونات السعادة).

تحسين نوعية ومدة النوم

توصي العديد من الهيئات والمؤسسات الطبية المعنية بالصحة النفسية ممارسة 150 دقيقة على الأقل من التمارين الرياضية أسبوعيًا من أجل تحسين نوعية ومدة النوم وذلك من خلال إنقاص مستويات التوتر والقلق، ولذلك غالباً ما ينصح خبراء الصحة النفسية الأشخاص المصابين بالأرق بممارسة التمارين الرياضية بانتظام لتغيير نمط الحياة والحصول على حياة صحية وسعيدة.

تقليل مستويات القلق والتوتر

تقلل ممارسة الرياضة مستويات القلق والشدة النفسية، وتحسن طريقة تعامل الشخص مع صعوبات الحياة واتخاذ القرارات المناسبة لمواجهة ضغوط الحياة اليومية. أظهرت دراسات عديدة أن ممارسة الرياضة بانتظام يجنب الأشخاص الذين يتعرضون لضغوطات كبيرة أو يعانون من القلق والتوتر اللجوء إلى الممارسات الخاطئة كالكحول والمخدرات والتدخين.

تعزيز النشاط الإبداعي

تعزز العديد من التمارين الرياضية الخفيفة والمعتدلة مثل الرقص والباليه والمشي التفكير الإبداعي بفضل تحسين الحالة المزاجية العامة، وقد أظهرت دراسة نشرت في المجلة البريطانية للطب الرياضي فوائد ملحوظة للرياضة على النشاط الإبداعي، لكن هذا الموضوع لا يزال يحتاج مزيدًا من الأبحاث والأدلة للوصول إلى استنتاجات نهائية حاسمة.

الوقاية من الأمراض العصبية التنكسية

أكدت دراسات عديدة – أجريت في الولايات المتحدة وبريطانيا والصين – أنَّ ممارسة الرياضة يوميًا يقلل من خطر الأمراض العصبية التنكسية مثل الخرف والزهايمر وداء باركنسون. لا تزال الآلية الدقيقة وراء حدوث ذلك غير معروفة بدقة، ولكن يبدو أنَّ الرياضة تحسن تدفق الدم إلى الدماغ، ما يساعد في الحفاظ على صحة الخلايا العصبية وسلامتها.   

تحسين الإدراك

أثبتت أكثر من تجربة سريرية أن التمارين الرياضية المنتظمة تترك تغيرات وظيفية وهيكلية في الدماغ تؤدي في نهاية المطاف لتحسين الوظائف الإدراكية والمعرفية.

تقوية الذاكرة وتعزيزها

تعمل التمارين الرياضية على تنشيط مناطق معينة في الدماغ كالحُصين وقشر المخ، وهي المناطق المسؤولة عن الذاكرة المؤقتة والدائمة، وهو الأمر الذي يقوي الذاكرة وينشطها ويساهم في تعزيز الصحة النفسية بشكلٍ عام، وفق دراسات عديدة نشرت في المركز الوطني الأمريكي للتكنولوجيا الحيوية.

تحسين التركيز

أجريت دراسة مشتركة بين عدد من الجامعات الأمريكية شملت عددًا من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-25 سنة، وتبين أن ممارسة الرياضة بانتظام تعزز كفاءة التفكير وتزيد الدقة والتركيز بفضل تنشيط الفعالية الدماغية (خصوصًا قشر المخ).  

تعزيز الثقة بالنفس

تمنحك الرياضة ولا سيما الرياضات الجماعية (مثل كرة القدم وكرة السلة) شعوراً بالإنجاز والفخر والسعادة، والسبب الرئيسي في ذلك أنها تخلق شعورًا بأن الشخص يفعل شيئًا مهمًا في حياته أو يحقق إنجازات فعلية، وهو الأمر الذي يعزز الثقة بالنفس ويزيد تقدير الذات، وكل ذلك ينعكس على الصحة النفسية العامة.

تؤثر الرياضة على أماكن عديدة في الدماغ أهمها قشرة المخ ومنطقة الحصين
تؤثر الرياضة على أماكن عديدة في الدماغ أهمها قشرة المخ ومنطقة الحصين

تأثير الرياضة على الصحة النفسية عند الأطفال

اللعب والرياضة ضروريان لبناء شخصية الطفل وجسده على حدٍّ سواء. تنمي الرياضة قدرات الطفل الجسدية والعقلية والاجتماعية وتحسن نفسيته بشكلٍ عام. تساعد الرياضة الطفل على إدراك العالم الخارجي المحيط به، وتنمي مهاراته، وتزيد روح التعاون والفريق لديه، خصوصًا الألعاب الجماعية.

يعتقد العديد من الباحثين أن ممارسة الأطفال للرياضة بشكل منتظم يقلل معدل حدوث التوحد والاضطرابات النفسية المرتبطة به، كما أن الألعاب التي تتضمن الاستكشاف والتجميع والتركيب وغيرها من الألعاب التي تميز مرحلة الطفولة المتأخرة تغني حياة الطفل العقلية وتنشط دماغه وتزيد تركيزه وانتباهه، خصوصًا أنَّ هذه الألعاب تتضمن العديد من التحديات التي يواجهها الطفل أثناء اللعب، ما يحفز نشاطه الدماغي لمحاولة خلق حلول للتغلب على هذه التحديات.

أظهرت العديد من الدراسات أنَّ الأطفال والمراهقين الذين لا يمارسون الرياضة بانتظام يعانون من خمول وكسل ذهني بسبب نقص تدفق الدم إلى الدماغ، ما يترك تأثيرًا سلبيًا هامًا على الوظائف الفكرية والإدراكية والمعرفية لدى الأطفال، وقد يقلل ذلك من تركيز الطفل وقدرته على الاستيعاب والتفكير السريع، ويؤثر على صحة الطفل النفسية بشكل عام.

الرياضة كعلاج للاضطرابات النفسية

لاتقتصر فوائد الرياضة على الأشخاص الأصحاء جسديًا فقط، بل ثبت أن لها فوائد عديدة عند ذوي الاحتياجات الخاصة والأشخاص الذين يعانون من عجز حركي أو حسي أو فكري، وقد أكدت عدد من الدراسات أن ممارسة الرياضة بانتظام تشكل علاجًا فعالاً للعديد من الاضطرابات النفسية عند هؤلاء الأشخاص، فهي تخفف من التوتر والشدة النفسية لديهم، وتزيد من التركيز والانتباه والفعالية الدماغية، وتسهل انخراط هؤلاء الأشخاص في محيطهم ومجتمعاتهم بسرعة.  

أظهرت دراسة أجريت في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية أن ممارسة الرياضة بانتظام يقلل من معدلات الاكتئاب والقلق والتوتر عند ذوي الاحتياجات الخاصة، شملت الدراسة 112 مريضًا وحدث تحسن ملحوظ في الصحة النفسية والنشاط النفسي العام عند أكثر من 75% منهم، وأظهرت دراسة أخرى أجريت في جامعة كامبريدج البريطانية أن التمارين الرياضية تنقص معدلات الانتحار بشكلٍ كبير عند الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة تسبب عجزًا حركيًا أو حسيًا أو عقليًا.

مشاركة المقالة