يحدث الشفاء من مرض نفسي عندما يتمكن الأفراد من استعادة صحتهم النفسية وعافيتهم الكاملة واستئناف أنشطتهم السابقة. ومع ذلك، يمكن لبعض أو كل أعراض المرض النفسي أن تعود للظهور مسببة ما يعرف بالانتكاس (عودة الحالة المرضية بعد الشفاء). يكون احتمال الانتكاس مرتفعًا للغاية في حالة الأمراض النفسية الشديدة مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب والتي تتطلب رعاية مدى الحياة، أما بالنسبة للاضطرابات الأخرى فإن احتمال الانتكاس وتأثيره يعتمد على طبيعة الحالة وشدتها.

بالنسبة للأمراض النفسية الشائعة مثل الاكتئاب، قد يعني الانتكاس فقدان الإنتاجية وانخفاض الحافز أو التفاعل الاجتماعي، أما بالنسبة للاضطرابات النفسية الشديدة، فيمكن أن يؤدي الانتكاس انخفاضًا حادًا في الوظائف اليومية أو الانسحاب الاجتماعي أو التعرض للأوهام والهلوسة، ويتطلب ذلك -إن حدث- علاجًا فعالًا ومستمرًا.

ما هو الانتكاس ولماذا يحدث؟

يمكن تعريف الانتكاس بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للطب النفسي الذي أصدرته الجمعية الأمريكية للطب النفسي بأنه تراجع حالة الاستقرار التي حدثت بعد الشفاء، وعادةً ما يحدث على مراحل. تختلف شدة الحالة من شخص لآخر، وعادةً ما يكون لكل شخص نمط انتكاس معين، مما يساعد الشخص الذي عانى من الانتكاس سابقًا ولو لمرة واحدة أن يتوقع حدوثه في المرات اللاحقة، وهو الأمر الذي يسهّل على الأطباء ومقدمي الرعاية الصحية علاج الحالة بشكل أفضل ويساعد الشخص نفسه على طلب المساعدة في الوقت المناسب.

من أهم أسباب الانتكاس تغيير الدواء الموصوف من الطبيب أو تغيير في الجرعة أو التوقف المفاجئ عن تناول الدواء، ويتظاهر ذلك في البداية بمجموعة من العلامات الأولية التي قد تشير إلى تطور حالة مرضية جديدة، ومن الضروري التحدث إلى طبيبك النفسي للاستفسار بدقة عن دوائك وجرعته ومواعيده والالتزام بها بدقة، والتواصل معه فورًا إذا لاحظت أي تغيير في حالتك عند وصف دواء جديد أو تعديل أدويتك، أما بالنسبة للطبيب أو المعالج النفسي، فعادة ما يراقب بدقة جميع التغيرات التي تحدث عند تعديل الدواء أو جرعته ويتعامل مع كل حالة بالطريقة المناسبة. يمكن أن يحدث الانتكاس أيضًا بسبب الإجهاد الناتج عن أحداث الحياة اليومية وضغوطها مثل العمل والزواج والحمل والولادة وغيرها، وقد تحرضه بعض التحديات مثل فقدان الوظيفة أو وفاة أحد أفراد الأسرة.

أهم العلامات التي تشير لحدوث الانتكاس

يمكن أن تشير بعض المواقف والسلوكيات إلى الانتكاس، أو تدل على إمكانية حدوثه في وقت قريب، ويمكن ملاحظة هذه العلامات التحذيرية قبل بضعة أيام أو أسابيع من حدوث الانتكاس وذلك من قبل الشخص المصاب أو أسرته أو القائمين على رعايته، وتشمل هذه العلامات تغيرات في أفكار الشخص وسلوكه وحالته العامة، ولأن هذه المظاهر تختلف من شخص لآخر يمكن للمريض نفسه من خلال معرفته وإدراكه لسلوكياته أن يطور استراتيجيات خاصة للتعامل معها، مما يساعده على تقليل خطر الانتكاس ما أمكن، وتشمل أهم العلامات التي تشير لحدوث الانتكاس:

  • التوقف عن تناول الدواء أو عدم تناول الدواء بدقة كما أوصى الطبيب.
  • تعاطي المخدرات أو الكحول.
  • التعرض لضغوط شديدة أو إرهاق مستمر.
  • الشعور بالتوتر أو الانفعال الدائم.
  • علاقات أسرية وعاطفية واجتماعية غير مستقرة.
  • الشعور الدائم بالوحدة والانفصال عن الواقع.
  • تغيرات في الشهية أو اضطرابات تناول الطعام.
  • الشعور بعدم الارتياح وعدم القدرة على الاسترخاء.
  • اهمال الاهتمام بالمظهر العام والنظافة الشخصية.
  • ضعف التركيز والنسيان المستمر.
  • آلام وأوجاع غير مُفسرة.

ما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها عند الشعور بحدوث الانتكاس؟

يمكن لمقدمي الرعاية التعرف على التغيرات المحددة في الأفكار والسلوك والحالة العاطفية للشخص الذي من المحتمل أنه يتعرض للانتكاس: هل هم أكثر انزعاجًا من المعتاد؟ هل هناك أي تغيير جذري في أنماط النوم؟ إذا كان الشخص المصاب يعتمد كليًا على مقدمي الرعاية، فمن المهم لكليهما مناقشة نوبة الانتكاس، ووضع خطة مناسبة للعلاج.

يبدأ العلاج بمتابعة الأدوية، سواء كان ذلك يتعلق بتغيير الجرعة أو تغيير الدواء نفسه، ومساعدة الشخص المصاب على ملاحظة التغييرات التي ترافق النوبة المرضية، والانتباه إلى الأحداث والتغيرات الكبيرة في حياة الشخص، سواء الإيجابية منها أو السلبية، إذ يمكن من خلال معرفة هذه الأحداث الهامة تحديد الأحداث الكبيرة في حياته، حتى الإيجابية منها ما يساعده في وضع خطة مناسبة لعلاج الانتكاس في حال حصوله، وفي كافة الأحوال يجب على المصاب إذا لاحظ أيًا من العلامات المنذرة بحدوث الانتكاس الاتصال بالطبيب فورًا، مع اتباع عدد من الاستراتيجيات التي من شأنها أن تحد من تطور الانتكاس، ومن أهمها:

  • الحصول على دعم اجتماعي وعائلي.
  • التعرف على الحالة وتحديد الأعراض بدقة.
  • المشاركة في العلاجات والإجراءات الداعمة ومناقشة الطبيب حولها.
  • الالتزام بالأدوية التي يصفها الطبيب، وتناولها بانتظام ودقة في مواعيدها المحددة.
  • تجنب الضغوط والإجهاد المستمر.

هل يمكن للمصاب أن يكسر حلقة الانتكاس؟

نعم، ومن المهم أن يكون الشخص نفسه مستعدًا لذلك، ففي بعض الأمراض النفسية الشديدة مثل الفصام قد لا تلاحظ دائمًا العلامات التحذيرية، وبالتالي فإن الدقة في العلاج والمراقبة لاتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المثالي ضرورية جدًا في العلاج وكسر حلقة الانتكاس بأمان وسرعة.

تتمثل إحدى أهم الإستراتيجيات في العمل مع فريق العلاج الخاص في الأوقات التي يشعر فيها المصاب بحالة جيدة لوضع خطة مناسبة، وبهذه الطريقة يمكن مشاركة المريض بخياراته العلاجية، واحترام تفضيلات المريض واحتياجاته في الأوقات التي قد لا يتمكن فيها من التعبير عن حالته بدقة. ويجب أن يتم تدريب المريض بشكل جيد حول العلامات التي تشير لحدوث الانتكاس، وما يجب القيام به عندما تظهر هذه العلامات، ومن الضروري أيضًا التأكيد على أن يكون لدى المريض معلومات مفصلة عن أدويته وجرعاتها.

خطوات هامة يجب اتخاذها عند الشعور بعلامات الانتكاس

إذا لاحظت أي علامات تحذيرية أو شعرت بعودة الأعراض. تحدث إلى طبيبك أو معالجك النفسي على الفور. يمكن لطبيبك مراجعة أدويتك والتأكد من جرعتها ومواعيد تناولها. وقد يوصيك بخيارات علاجية أخرى إذا لزم الأمر، ويقدم لك استراتيجيات جديدة ويساعدك في الحصول على خدمات داعمة.

هل يمكن الشفاء من جديد بعد الانتكاس؟

بالتأكيد، لكن عادةً ما يستغرق التعافي بعد نوبة الانتكاس وقتًا أطول ويكون أكثر صعوبة ويتطلب دعمًا وصبرًا من مقدمي الرعاية والشخص المصاب نفسه. إذا لم يتعافى الشخص المصاب بالاضطراب النفسي بشكل كافٍ، يمكن أن تحدث الانتكاس دون أي سبب أو تحريض ولذلك يجب دومًا طمأنة المريض ودعمه في مثل هذه الحالات.

وأخيرًا: الإصرار والروح القتالية أمر هام لتحقيق الشفاء التام من الأمراض والاضطرابات النفسية

إن الجهود المبذولة هنا ليست موجهة فقط نحو علاج المرض أو الاضطراب النفسي كالاكتئاب والقلق، ولكن الأهم من ذلك خلق قدرة لمواجهة التحديات اليومية والاندماج مع المحيط الاجتماعي. يبدو أن كل من العوامل الخارجية والداخلية والبيئية على نفس القدر من الأهمية ومترابطة في عملية التعافي من الأمراض النفسية.

قد يكون الكفاح من أجل الشفاء من المرض النفسي أكثر تعقيدًا وقد يتطلب جهودًا لا تقل عن تلك المبذولة لعلاج الأمراض الجسدية المزمنة، بالإضافة لذلك، لا بد من دعم مستمر من العائلة والمجتمع والفريق الطبي المشرف على الحالة.

مصادر: 123

تطبيق لبيه
مشاركة المقالة