النوم الصحي

يقضي الإنسان الطبيعي نحو ثلث حياته نائمًا، ويعد النوم مهمًا للغاية في حياتنا، مثله مثل تناول الطعام والشراب والتنفس، ويعد عاملًا حيويًا في الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية قوية وفعالة. يخصّص العالم يوم 18 من شهر مارس في كل سنة يومًا عالميًا للنوم بهدف التأكيد على أهمية النوم وأثره في حياتنا. نتحدث في هذا المقال عن تأثير النوم السيئ على صحتنا النفسية والجسدية، وكيفية النوم بشكل جيد وعميق.

تأثير النوم في الصحة النفسية

ترتبط الصحة بشقيها الجسدي والنفسي مع النوم في علاقة عميقة ومعقدة. يترافق النوم السيئ (السطحي والمتقطع) مع تدهور الصحة النفسية والجسدية، وفي المقابل، تترافق الصحة النفسية والجسدية الضعيفة مع الإصابة باضطرابات النوم. إذ في كثير من الأحيان ما تكون مشاكل النوم إحدى أول أعراض الاضطرابات النفسية، خاصة اضطراب القلق والاكتئاب، وعلى العكس تزيد اضطرابات النوم باختلاف أسبابها المرضية أو الدوائية من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية المتنوعة، التي تتضمن:

الاكتئاب: 

يقدر عدد الأشخاص المصابين بالاكتئاب حول العالم بنحو 300 مليون شخص، يعاني 75% منهم من الأرق وصعوبة النوم، ومن الممكن أيضًا أن يترافق الاكتئاب عند بعض الأشخاص مع فرط النوم أثناء النهار. يوضع هذا الشخص في حلقة سلبية من أن الاكتئاب يسبب اضطراب النوم، ويفاقم اضطراب النوم من الاكتئاب.

الاضطرابات العاطفية الموسمية SAD:

يعد الاضطراب العاطفي الموسمي أحد أشكال اضطراب الاكتئاب، الذي يؤثر في بعض الأشخاص في فصلي الشتاء والخريف. يتميز اضطراب SAD بارتباط حدوثه بشدة مع اضطراب الساعة البيولوجية عند الشخص المصاب به، ومن ثم اضطراب عادات النوم واليقظة.

اضطراب القلق: يرتبط اضطراب القلق بشدة مع مشاكل النوم. إذ يفاقم القلق والخوف المستمر، اللذان يعدان من أهم أعراض اضطراب القلق، من حالة فرط اليقظة في الدماغ، ومن ثم الإصابة بالأرق وصعوبة النوم. ويتفاقم هذا الأرق بشدة عندما يبدأ المريض بالقلق من صعوبة الخلود إلى النوم، وما يترتّب عليه من تأثير سلبي في حياته عامة.

اضطراب الكرب التالي للصدمة PTSD: 

يميل مرضى اضطراب الكرب التالي للصدمة بكثرة إلى استذكار أحداث الصدمة التي اختبروها في عقلهم، ويعانون بشدة من الأحلام المزعجة والمخيفة، ويعيشون ضمن حالة من فرط القلق والتنبّه تجاه العديد من الأشياء والأشخاص من حولهم. تدفع جميع هذه الأعراض المريض إلى الإصابة بالأرق وصعوبة النوم.

اضطراب ثنائي القطب: 

تتغير عادات النوم بشدة وقوة عند مرضى اضطراب ثنائي القطب اعتمادًا على الحالة العاطفية ونوع النوبة التي يمرون بها (الهوس أو الاكتئاب). فيميلون إلى النوم بقلًة في نوبات الهوس، وتزداد رغبتهم للنوم في نوبات الاكتئاب، وأيضًا يمكن أن تستمر حالة اضطراب النوم في الفترة بين النوبات.

الفصام: 

يقع مرضى الفصام تحت خطر أكبر للإصابة باضطرابات النوم، مثل الأرق، ليس فقط نتيجة أعراض الفصام، وإنما نتيجة التأثيرات الجانبية للأدوية المستخدمة في علاج الفصام.

تأثير النوم السيئ على الصحة الجسدية

يرتبط الاستيقاظ باكرًا وقصر فترة النوم في المعتقد الشعبي مع النشاط والقوة والنجاح والتفوق. لكن الأمر أبعد ما يكون عن الحقيقة. إذ أثبتت الكثير من الدراسات المتتالية أهمية النوم العميق والكاف في تحقيق النجاحات والتمتع بالنشاط والصحة الجسدية القوية. تتضمن أهم آثار النوم السيئ على الصحة الجسدية:

اضطرابات الذاكرة: 

يؤثر النوم السطحي بصورة شديدة في الذاكرة طويلة الأمد وقصيرة الأمد أيضًا. إذ يعمل الدماغ أثناء النوم على معالجة المعلومات التي تلقاها ضمن اليوم، وتشكيل الاتصالات العصبية مع العصبونات الأخرى وحفظ الذكريات.

اضطرابات التركيز والتفكير: 

يترافق النوم السيئ مع صعوبة التركيز وانخفاض القدرة الإبداعية والقدرة على حل المشكلات بما يؤثر بصورة سلبية على القدرة الإنتاجية في العمل. هذا بالإضافة إلى أن صعوبة التركيز والشعور المستمر بالنعاس يزيد من خطر الإصابة بالحوادث والأذية الجسدية.

ضعف الجهاز المناعي: 

يضعف النوم الفقير الجهاز المناعي، وقدرته على حماية الجسم من الأخماج الجرثومية والفيروسية المتنوعة، ويفاقم من شدتها. بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان والأورام الخبيثة.

ارتفاع الضغط الدموي: 

من المعروف أن ارتفاع الضغط الدموي يزيد من خطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية، واختلاطاتها. وعلى الجانب الآخر، يزيد النوم القليل، خاصة الذي يقل من خمس ساعات في اليوم، من ارتفاع الضغط الدموي واختلاطاته.

البدانة وكسب الوزن: 

يسبب النوم السطحي اضطرابًا في الهرمونات التي تضبط حالة الجوع والشبع. وتزداد الرغبة في تناول الطعام، وخاصة الأطعمة السريعة والمعالجة والغنية بالسكريات عند النوم الفقير والقصير. وكل هذا يزيد من خطر البدانة والأمراض القلبية الوعائية وداء السكري.

الإصابة بداء السكري: 

يسبب النوم الضعيف اضطرابًا في إفراز الجسم لهرمون الإنسولين، المسؤول عن ضبط سكر الدم، ويزداد خطر الإصابة بداء السكري من النمط الثاني وارتفاع مستوى سكر الدم.

اضطراب التوازن: 

يزيد النوم السيئ من خطر السقوط والأذية الجسدية، خاصة عند المسنين والمصابين بهشاشة العظام، بسبب تأثيره على التوازن والتنسيق والقوة العضلية.

نصائح عملية للحفاظ على نوم جيد

بالنظر إلى التأثيرات السلبية العديدة التي يتركها النوم السطحي والمتقطع على الصحة الجسدية والنفسية، إليك أهم النصائح للتمتع بنوم جيد وعميق:

  • التعرض لضوء الشمس في الصباح. إذ يساعد على ضبط الساعة البيولوجية في الدماغ، وضبط حالة النعاس والنشاط.
  • إنقاص التعرض للضوء الأزرق في المساء، الصادر عن الأجهزة الإلكترونية. إذ يعطي الضوء الأزرق الدماغ انطباعًا خاطئًا بأنه ما زال ضمن فترة النهار.
  • عدم استهلاك المشروبات الحاوية على الكافيين في المساء.
  • يفضل أن تكون القيلولة قصيرة تقع ضمن فترة الظهيرة، ويقع بينها وبين فترة النوم الأساسية كمية كافية من الوقت حتى الشعور بالنعاس مرة أخرى.
  • الالتزام بوقت محدد للنوم والاستيقاظ، بما يساعد على تنظيم الساعة البيولوجية، مع التأكيد على أهمية النوم لفترة كافية بين 8 – 9 ساعات.
  • أخذ حمام ساخن ودافئ قبل النوم، بما يساعد على الاسترخاء والتخلص من التوتر والتشنج العضلي.
  • تناول مكملات الميلاتونين التي تساعد على الشعور بالنعاس في حالات اضطراب النوم الشديدة.
  • تعديل بيئة الغرفة وجعلها أكثر عتامة وهدوءًا، بالإضافة إلى إبقاء جميع الأدوات الإلكترونية خارجها وبعيدة عن السرير.
  • تجنب تناول وجبات غذائية دسمة وكبيرة قبل النوم، نتيجة تأثيرها في إفراز هرمون النمو والميلاتونين، والاكتفاء بوجبات خفيفة وصغيرة.

يمكن لهذه التوصيات أن تعزز الصحة النفسية والجسدية ودعمهما، بالإضافة لذلك يمكن للنوم الصحي أن يشكل خطوة رئيسية في علاج مختلف الاضطرابات والمشاكل النفسية.

تطبيق لبيه