تتنوع العلاجات والتدابير التي تستخدم لعلاج الاضطرابات والمشاكل النفسية وتحسين الحالة النفسية للأشخاص وتعديل السلوك غير المرغوب فيه، يلجأ الأطباء والمعالجون النفسيون للعلاج النفسي كخطوة أولى قبل التفكير بالعلاج الدوائي، ومن أهم أنواع العلاج النفسي: العلاج السلوكي والعلاج المعرفي. يتعامل العلاج السلوكي مع تصرفات الأشخاص على أنها ناتجة عن التأثيرات البيئية الخارجية، بينما يعتمد العلاج المعرفي على التأثير في عملية التفكير العقلي من أجل تغيير سلوك الشخص.

لمحة تاريخية

يُعتقد أن أول من استخدم مصطلح (العلاج بتعديل السلوك) هو إدوارد ثورندايك في أوائل القرن العشرين، لكن التطور الحقيقي لمفهوم العلاج السلوكي بدأ منذ عام 1920 حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، نمت السلوكية لتصبح المدرسة الفكرية المهيمنة في علم النفس. يقترح البعض أن شعبية علم النفس السلوكي نبعت من الرغبة في تأسيس علم النفس كعلم موضوعي وقابل للقياس.

من جهة أخرى تطور العلاج المعرفي على يد الطبيب النفسي الأمريكي آرون تي بيك، وقد شرح مفهوم العلاج النفسي المعرفي لأول مرة في ستينيات القرن الماضي، وأصبح اليوم أحد أهم الأساليب العلاجية في الطب النفسي.

الفروق الأساسية بين العلاج السلوكي والعلاج المعرفي

على الرغم من أن العلاج السلوكي والعلاج المعرفي يُستخدمان غالباً لحل نفس المشكلة، إلا أن أساليبهما مختلفة تمامًا.

العلاج المعرفي شكل من أشكال العلاج النفسي مبني على مفهوم أن طريقة تفكيرنا في الأشياء تؤثر على شعورنا عاطفيًا، إذ يركز العلاج المعرفي على التفكير والسلوك والتواصل الحالي بدلاً من التركيز على التجارب السابقة، ويهدف لحل المشكلات ويعتبر أن الأفكار هي العامل الأساسي في التغيير. على سبيل المثال، قد يشعر الشخص بالخوف من المسرح ويشعر بالرغبة في الهروب من هذا الموقف عند مواجهته، وبالتالي يحاول المعالج تعريض المريض لمواقف تشبه تجربة اعتلاء المسرح ويوفر له التدريب للتحكم في استجابته.

أما العلاج السلوكي فيصب تركيزه الأساسي على معالجة البيئة الخارجية والبيئة الفيزيولوجية للجسم لإحداث تغيير في السلوك. يركز العلاج السلوكي على مبدأ تعزيز الإيجابيات ونظام المكافأة على عكس العلاج المعرفي، حيث يعتبر العلاج السلوكي بمثابة تدريب أو تكييف لإحداث تغيير إيجابي. يستخدم العلاج السلوكي نظام المكافأة ويحاول تجاهل السلوك السلبي. فعلى سبيل المثال، إذا طلب المعالج من العميل رمي الكرة، وفشل العميل في رمي الكرة، يتم تجاهل الرفض، ويستمر المعالج في إعطاء العميل نفس الأمر حتى يمتثل العميل.

بمجرد أن يرمي العميل الكرة، يتم الثناء على المريض على استجابته الإيجابية، ويستمر العميل في الحصول على مكافأة في كل مرة يقوم فيها بنشاط معين عندما يُطلب منه ذلك.

ما هي الآليات التي يعتمد عليها كل من العلاج السلوكي والعلاج المعرفي؟

يعتبر العلاج السلوكي أن الأفعال تتأثر بالبيئة الخارجية للفرد، وقد أضاف العالم الروسي الشهير إيفان بافلوف نموذجين لأسلوب العلاج السلوكي الذي يدعى بالتكييف: التكييف الكلاسيكي والتكييف الفعال.

  • في التكييف الكلاسيكي، يمكن تدريب الشخص أو تكييفه للعمل بطريقة معينة من خلال ممارسة سلوك معين بشكل متكرر. يستخدم علم النفس السلوكي هذا المبدأ الأساسي للتكييف لإعادة تدريب الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، من خلال إعادة برمجة الاستجابات المشروطة لديهم تجاه منبهات مشروطة محددة.
  • بينما يقوم أسلوب التكييف الفعال على مبدأين، المبدأ الأول هو مكافأة السلوكيات المرغوبة والمبدأ الثاني هو أسلوب العقاب على السلوك الذي يجب كبحه.

أما من ناحية أخرى، وبما أن العلاج المعرفي يعتمد على أن الأفعال تستند إلى العمليات العقلية والتفكير المنطقي والذاكرة والأفكار التحفيزية والأفكار الإيجابية والسلبية. يركز العلاج المعرفي على مساعدة المرضى في تحقيق هدف معين، مثل تغيير:

  • طريقة التعامل مع المشاعر.
  • طريقة تفكيرهم.
  • الطريقة التي يتصرفون بها.
  • كيفية تعاملهم مع الأمراض والمشاكل الطبية والجسدية.

يعاني العديد من المصابين بالاكتئاب أو القلق أو الاضطرابات السلوكية من هذه المشكلات بسبب حدث من الممكن أنه حدث لهم خلال فترة النضج أو في مرحلة ما من حياتهم. ويركز العلاج المعرفي كثيراً على سبب شعور المريض بطريقة معينة ثم على حث الشخص على تغيير مشاعره.

الفرق بين مقاربة العلاج السلوكي والعلاج المعرفي لمرضى الاكتئاب

يعتمد العلاج السلوكي على نهج علاجي نفسي منظم ومختصر يهدف إلى زيادة المشاركة في الأنشطة التكيفية (التي غالبًا ما تكون مرتبطة بتجربة ممتعة أو مفيدة)، وتقليل المشاركة في الأنشطة التي تزيد الاكتئاب أو تزيد من خطر الإصابة به، وحل المشكلات التي تمنع الحصول على شعور الإنجاز. الفكرة الرئيسية وراء العلاج السلوكي كعلاج للاكتئاب هي السماح للمرضى الذين يعانون من أعراض الاكتئاب بتعلم كيفية التعامل مع سلبياتهم وزيادة الوعي الذاتي من خلال إعادة صياغة الأهداف الشخصية إلى أهداف قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى. بعبارة أخرى، يعد العلاج السلوكي نوعاً من التدخل العلاجي الذي يركز على التغيرات السلوكية في الحياة اليومية للمريض. قد تتضمن تدخلات العلاج السلوكي مساعدة المريض على التخطيط للمزيد من الأنشطة التي كان يستمتع بها سابقًا، أو مساعدته على تطوير مهاراته الاجتماعية، أو مجرد جعله يتابع عواطفه وأنشطته بشكل عام.

أما العلاج المعرفي فهو عملية علاجية تمكّن المرضى من تصحيح المعتقدات الذاتية الخاطئة التي يمكن أن تؤدي إلى مزاج وسلوكيات سلبية. الافتراض الأساسي هو أن الفكر يسبق الحالة المزاجية، لذلك فإن تعلم تحويل الأفكار السلبية إلى أفكار إيجابية صحية سيحسن مزاج الشخص ومفهومه الذاتي وسلوكه وحالته الجسدية.

أظهرت الدراسات أن العلاج المعرفي هو علاج فعال للاكتئاب ويمكن مقارنته في فعاليته بمضادات الاكتئاب والعلاج النفسي الشخصي والعلاج الديناميكي النفسي. تم تطوير العلاج المعرفي باعتباره خروجًا عن الأساليب العلاجية التقليدية للأمراض النفسية، إذ لاحظ آرون بيك (مؤسس العلاج المعرفي) أثناء العمل مع المرضى أن الحالة المزاجية والسلوكيات السلبية كانت عادةً نتيجة أفكار ومعتقدات مغلوطة، وليس عن قوى اللاوعي كما تقترح نظرية فرويد.

ما هي الأمراض التي يمكن أن يعالجها العلاج السلوكي والمعرفي؟

يُستخدم العلاج السلوكي لعلاج التوحد واضطراب الشخصية الحدية ونوبات الغضب وفي حالات إزالة الحساسية للمنبهات التي تثير نوبات الهلع، وقد أعطى نتائج ناجحة للغاية في هذه المجالات.

بينما يستخدم العلاج المعرفي لعلاج:

  • الاكتئاب.
  • الميول الانتحارية.
  • اضطراب القلق العام وثنائي القطب.
  • الفصام.
  • اضطرابات الشهية.
  • متلازمة فرط النشاط وعوز الانتباه.
  • بعض الاضطرابات النفسية الأخرى.

كما استُخدم العلاج المعرفي في علاج بعض الاضطرابات غير النفسية مثل:

  • متلازمة الأمعاء الهيوجة (تشنج القولون).
  • الأرق.
  • الصداع المتكرر.

باختصار، يرى المعالج السلوكي الدماغ البشري على أنه صندوق أسود لا يمكن دراسته، بينما يركز العلاج المعرفي على فهم سلسلة العمليات العقلية التي تحدث بعد التعرض للمنبه ولكن قبل حدوث الاستجابة، وبالتالي من المهم الحصول على العلاج المناسب من أجل وضع خطة علاج أسرع وأكثر فعالية. من المهم الحصول على التفاصيل الحيوية للمشكلة بغض النظر عن طبيعتها نفسية أم عاطفية أم سلوكية من أجل تقييم فائدة العلاج المعرفي والعلاج السلوكي وأيها سيكون أكثر فعالية.

مصادر: 12345

تطبيق لبيه
مشاركة المقالة