علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية

لكي نفهم علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية علينا أن نلقي الضوء أولاً على أحدث النظريات العلمية التي تفسر أسباب الأمراض النفسية وتشرحها. تطورت هذه النظريات بشكل كبير خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحدثت تغيرات جذرية فيها، وقد أدت مجمل هذه التطورات إلى ربطٍ أكبر بين الأمراض النفسية والعوامل البيولوجية العضوية في الجسم.

الصحة النفسية والصحة الجسدية وجهان لعملة واحدة

ينص دستور منظمة الصحة العالمية على أن الصحة هي حالة من السلامة الكاملة جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا، وليست مجرد انعدام المرض أو العجز، وبحسب هذا التعريف تعتبر الصحة النفسية جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من صحة الإنسان ككل.

يعتقد علماء النفس المعاصرون أن الصحة النفسية تتجاوز مفهوم خلو الشخص من الاضطرابات النفسية المعروفة إلى حالة من العافية التي يمكن للفرد أن يُكرس فيها كل قدراته للعيش والعمل بفعالية والإسهام بدوره الطبيعي في العائلة والمجتمع.

الصحة النفسية والجسدية

تؤحذ الاعتبارات أدناه عند الحديث عن علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية ومنها مايلي:

  • الصحة النفسية نسبية: فكما أننا لا نستطيع أن نزعم أن هناك أشخاصًا يتمتعون بصحة جسدية مطلقة، كذلك لا نستطيع أن نتخيل شخصاً يتمتع بصحة نفسية مطلقة.
  • التقلبات المزاجية: حتى أكثر الناس تمتعًا بصحة نفسية جيدة، يكونون معرضين للتقلبات المزاجية، ويمكن أن تحدث التقلبات المزاجية نتيجة تغيرات عصبية أو هرمونية يشعر المرء بنتائجها دون أن يدرك حقيقة الأسباب الكامنة وراءها، ومن جهة أخرى يمكن أن تؤثر الحالات النفسية بدورها على الجسم، فالأرق والتعب يعملان على حدوث تلك التقلبات المزاجية أيضًا.
  • الأحداث المفاجئة والصحة النفسية: إن ما قد يتعرض له المرء من أحداث لم يكن يتوقعها – سواء كانت سعيدة أو حزينة – يمكن أن تُعرض صحته النفسية للخطر أو تترك تأثيرات هامة عليه رغم أنه لا يعاني من أي أمراض جسدية.
  • الإصابة بالأمراض الخبيثة: إن الإصابة بأحد الأمراض التي يصعب علاجها وعلى رأسها الأمراض الخبيثة تترك المريض عرضة للاكتئاب والقلق والعديد من التغيرات النفسية السلبية.

علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية

تلعب الصحة النفسية دورًا كبيرًا في الصحة العامة، ويمكن للصحة النفسية الجيدة أن تشكل عاملاً وقائيًا تجاه العديد من الأمراض الجسدية. أظهرت عدة دراسات سريرية أن الصحة النفسية الممتازة يمكن أن تقلل من مخاطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية أو تخفف المضاعفات الناتجة عنها، ومن ناحية أخرى يمكن أن تؤدي الصحة النفسية السيئة إلى تدهور الصحة الجسدية أو تفاقم العديد من الأمراض، ومن أبرز جوانب علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية مايلي:

  • ربطت أبحاث عديدة بين الاكتئاب والعديد من الأمراض المزمنة مثل السرطان والربو وأمراض القلب والأوعية والتهاب المفاصل والداء السكري.
  • قد تكون هرمونات الشدة (الأدرينالين والنورأدرينالين والكورتيزونات) هي المسؤول الأول عن هذا الارتباط،
  • ربط الفصام بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي، ويمكن للاضطرابات  النفسية أيضًا أن تصعب  علاج بعض الأمراض المزمنة.
  • وقد لُوحظ أن معدل الوفيات بسبب السرطان وأمراض القلب أعلى عند الأشخاص المصابين بالاكتئاب أو غيره من اضطرابات نفسية. بالإضافة لذلك فمن المرجح أن يعاني الأشخاص المصابون باضطرابات نفسية من مشاكل في النوم، مثل الأرق أو توقف التنفس أثناء النوم.
  • قد أظهرت دراسة أمريكية أجريت في جامعة هارفارد أن حوالي 50% – 80% من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية يعانون أيضًا من مشاكل في النوم، في حين أن 10% فقط من الأشخاص الطبيعيين يعانون من مشاكل النوم، ويدرج ذلك تحت بندِ علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية أيضًا.
  • تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أكثر عرضة للتدخين من أولئك الذين لا يعانون من اضطرابات نفسية.
  • من بين المدخنين من المرجح أن يدخن الأشخاص المصابون بأمراض عقلية عددًا أكبر من السجائر.
  • يكون لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب مستويات أقل من الدوبامين، يؤثر الدوبامين على المشاعر الإيجابية في الدماغ، وقد يحفز النيكوتين الموجود في السجائر زيادة إنتاج الدوبامين في الجسم.
  • ربما يكون هذا هو السبب الذي يدفع هؤلاء الأشخاص لاستخدام التدخين كطريقة لتخفيف أعراض الاكتئاب، ومع ذلك يوفر النيكوتين راحة مؤقتة فقط، ويولد ذلك شعورًا بالحاجة المتكررة للتدخين، ما يؤدي إلى إدمان محتمل.

أخيرًا قد يكون من الصعب على الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية الاعتناء بصحتهم الجسدية، وقد يكون من الصعب عليهم أيضًا طلب الرعاية الصحية أو تناول الوصفات الطبية بانتظام أو ممارسة التمارين الرياضية الكافية، وفي الختام قد أصبحت علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية واضحة.

تأثير الأمراض الجسدية على الصحة النفسية

للصحة الجسدية أيضًا تأثير هام على الصحة النفسية، وغالبًا ما تترك الأمراض الجسدية الخطيرة والأمراض المزمنة تغييرات كبيرة على نفسية المرضى، ومن أهم هذه الأمراض:

  • ·السرطان.
  • القصور الكلوي.
  • الداء السكري.
  • أمراض المناعة الذاتية.
  • أمراض القلب والأوعية.
  • الربو.
  • الأمراض الجلدية.

يعاني الأفراد المصابون بالأمراض الجلدية كالصدفية وحب الشباب مثلاً من ضغوط عاطفية ونفسية تؤثر سلبًا على صحتهم العامة ونوعية حياتهم. يحدث التوتر والاكتئاب بشكل رئيسي من القلق والوصمة والرفض، وقد يعاني هؤلاء من صعوبات في إقامة علاقات عاطفية في مرحلة المراهقة خصوصًا.

يمكن أن يؤدي تشخيص الإصابة بالسرطان أو الإصابة بنوبة قلبية أيضًا إلى الشعور بالاكتئاب والقلق، إذ يعاني حوالي ثلث الأشخاص الذين أصيبوا بهذه الحالات الطبية الخطيرة من أعراض الاكتئاب، مثل الحالة المزاجية السيئة ومشاكل النوم وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية أو صعوبات في التواصل مع المحيط.

نصائح هامة للعناية بالصحة الجسدية والنفسية

إذا كنت ترغب في تحسين صحتك العامة، يجب أن تهتم بتوطي علاقة الصحة الجسدية والصحة النفسية على حدٍّ سواء، وفيما يلي بعض الطرق للاعتناء بنفسك جسديًا وعقليًا:

  • مارس التمارين الرياضية بانتظام، فالرياضة مهمة للحفاظ على اللياقة البدنية، ويمكن أن تساعد أيضًا في تحسين المزاج. قد يؤدي المشي لمدة 10 دقائق يوميًا إلى زيادة التركيز العقلي، ما يجعلك نشيطًا، وفي مزاج جيد.
  • اتباع نظام غذائي سليم، ويمكن لنظام غذائي غني بالفواكه والخضروات وقليل من السكريات أو الدهون الصناعية أن يجعلك تشعر بتحسن جسدي وعقلي. يمكن العمل مع اختصاصي تغذية مؤهل لمساعدتك على وضع خطة لنظام غذائي ملائم لاحتياجاتك.
  • تجنب الكحول والمخدرات، وعلى الرغم من أن الكحول والتدخين قد يجعلانك تشعر بتحسن على المدى القصير، إلا أنهما قد يؤثران سلبًا على كل من صحتك الجسدية والعقلية.
  • الحصول على قسط كاف من النوم. يجب على الإنسان الطبيعي أن ينام ليلاً من سبع إلى تسع ساعات، ويمكن أيضًا لقيلولة مدتها 30 دقيقة خلال النهار أن تشعرك بمزيد من اليقظة والراحة.
  • جرب تقنيات الاسترخاء. يمكن أن يساعدك التأمل والتنفس العميق على الاسترخاء وتركيز أفكارك عندما تشعر بالتوتر.
  • حاول التركيز على المشاعر الإيجابية ونسيان الأحداث السلبية.
  • اطلب المساعدة من الآخرين، فيمكن أن يساعدك التحدث مع الأصدقاء أو أفراد الأسرة على تقليل التوتر، ويمكن قول الشيء نفسه عن الحديث مع أخصائي الرعاية الصحية.

الصحة النفسية والجسدية وجهان لعملة واحدة، ويؤثر كل منهما على الآخر بشكل كبير، كما أن العلاجات التي تستخدم لعلاج أحدهما قد تترك تأثيرًا إيجابيًا على الجانب الآخرن كلُّ ذلك يدفعنا لتخصيص جهد ووقت أكبر لفهم العلاقة بين الصحة الجسدية والنفسية والعلاجات الأفضل لهما معًا.

المصادر: 1 ، 2

مشاركة المقالة