قد يبدو التعبير عن القلق والإحباط أمرًا اعتياديًا وغير ضار، ولكن عندما يصبح التعبير عن هذه المشاعر روتينًا يوميًا فقد يسبب بعض العواقب المؤذية للشخص نفسه وللمحيطين به، لقد أظهرت الدراسات أن أغلب الناس يشتكون على الأقل لدقيقة واحدة خلال أي محادثة عادية، فالتذمر أمر مغرٍ لأنه يمنحك شعورًا جيدًا، لكنه مثل الكثير من الأشياء التي تعطي شعورًا بالسعادة ليس صحيًا، ولا أحد يحب التعامل مع أشخاص كثيري الشكوى والتذمر.

عندما يتكرر سلوك معين (كالتذمر)، فإن المشابك التي تصل بين الخلايا العصبية تسهل مرور المعلومات من وإلى الدماغ، وهذا بدوره يسهل عملية تكرار هذا السلوك في المستقبل، حتى يصبح الشخص غير مدرك أنه يقوم بهذا السلوك، ويصبح جزءًا مألوفًا من حياته اليومية. لقد اتضح أن كثرة الشكوى والتذمر لا تؤدي فقط إلى نفور الآخرين، إلا أنها في الحقيقة قد تسبب خسائر شخصية كبيرة بطرق أخرى أيضًا، وعلى الرغم أن التذمر يسيء لمزاج وسعادة الآخرين المحيطين بالشخص المتذمر، لكنه أيضًا يمكن أن يكون له تأثير كبير على الوظائف الدماغية، بالإضافة إلى تأثيره الضار على الجسم أيضًا.

أسباب التذمر وآثاره السلبية

يبدأ الناس بالتذمر عندما يصل انزعاجهم تجاه شيء ما إلى حد معين يدعى العتبة الحرجة، ويحدث ذلك عندما لا يستطيع هؤلاء تحمل شعورهم بالانزعاج، وكما يميل الناس لتحديد طريقة معينة يستخدموها لتخفيف التناقض بين الحالة النموذجية لموقف ما في رأيهم وحقيقة الموقف الذي يتعرضون إليه في ذلك الوقت، وقد يحدث التعبير عن الانزعاج على شكل تذمر عندما يكون الشخص قد اكتسب هذا السلوك (التذمر) كطريقة لتخفيف التناقض سابق الذكر.

يمكن للتذمر أن يخفف الشعور بالضيق، وقد يلعب دورًا في تقليل شعور الانزعاج لدى الناس، ويؤثر على انطباع الآخرين تجاههم، بالإضافة إلى أنه يساعد الأشخاص على مقارنة أنفسهم بالآخرين، إلا أن كثرة التذمر قد تسبب العديد من التأثيرات السلبية على صحة الفرد وعلى الآخرين المحيطين به، ومن الطرق المختلفة التي يمكن لكثرة التذمر والسلبية أن تؤثر فيها على صحة الفرد وعلى من حوله:

يزيد احتمالية التفكير السلبي

كلما تذمر المرء أكثر، كلما زادت احتمالية أنه سيفكر بطريقة سلبية لاحقًا، لأن الدماغ لا يرغب عمومًا في العمل بجهد أكبر مما يجب عليه فعله، وعند تكرار سلوكيات معينة -مثل التذمر- تتشابك الخلايا العصبية مع بعضها البعض لتسهل عملية نقل المعلومات، وفي كل مرة يفكر فيها الشخص بنفس الطريقة، ترسل إحدى خلايا المشبك إشارات كيميائية تسرع من عملية نقل المعلومات، بمعنى آخر: إن التفكير السلبي يؤدي لإنتاج المزيد من الأفكار السلبية.

قد يسبب تأثيرات هامة على الذاكرة

أظهرت دراسة أجريت في جامعة ستانفورد أن التذمر المستمر ينقص من حجم تلفيف الحصين في الدماغ، وهو المسؤول عن الذاكرة والوظائف الإدراكية، ويؤدي صغر حجمه إلى تدهور الذاكرة والقدرة على التكيف مع المواقف الجديدة، بالإضافة للعديد من الوظائف المعرفية الأخرى، وقد يحدث هذا التأثير بعد أيام قليلة من الإجهاد الذي يؤدي إلى ضرر طويل الأمد على الدماغ.

يزيد من مستويات الكورتيزول (هرمون الشدة)

عند التذمر، يزداد مستوى الكورتيزول المعروف أيضًا بهرمون الشدة، وتسبب المستويات العالية المزمنة من الكورتيزول العديد من المشاكل الصحية، والتي تتضمن تزايد خطر الإصابة بالاكتئاب والمشاكل الهضمية واضطرابات النوم وارتفاع ضغط الدم وحتى زيادة خطر الإصابة بالأمراض القلبية والوعائية.

إن التذمر المستمر لا يؤثر فقط على صحة الشخص في الوقت الحالي، بل إنه قد يكون ضارًا على المدى البعيد أيضًا، حيث وجدت إحدى الدراسات المنشورة في مجلة “سجلات الطب النفسي العام” أن المتفائلين يعيشون حياةً أطول من المتشائمين، مع خطر أقل للوفاة بجميع الأسباب بنسبة 55% وخطر أقل للوفاة بقصور القلب بنسبة 23%.

التذمر يؤثر على الأشخاص المحيطين أيضًا

لا أحد يريد أن يتواجد حول أشخاص مزعجين، ولكن عند الاستمرار بالتذمر سيبدأ الأشخاص المحيطون بالشخص المتذمر بالتأقلم واكتساب هذه العادة السلبية أيضًا، فالاستماع لشخص يشتكي يجعل المستمع أكثر قابلية ليصبح سلبيًا أيضًا، وهو الأمر الذي قد يزيد الرغبة بإطلاق جميع هذه الأفكار السلبية بشكل مستمر.

حلول وتوصيات هامة لتخفيف الشكوى والتذمر

هناك أمران يمكن اللجوء إليهما عند شعورك بالحاجة للشكوى والتذمر:

الأول هو زرع صفة الشكر والامتنان في النفس، فعند الشعور بالحاجة للتذمر، يجب تحويل الانتباه إلى شيء يشعرك بالامتنان، وأخذ وقت كافٍ في التفكير في الأشياء التي تجعل الشخص ممتنًا، لأن هذه الطريقة تنقص من مستوى هرمون الشدة (الكورتيزول) بنسبة 23%. أشارت دراسة في جامعة كاليفورنيا أن الناس الذين يعملون يوميًا لزرع سلوك الامتنان في أنفسهم شعروا بتحسن في المزاج والطاقة وقللوا بشكل جوهري من القلق، وهو الأمر الذي يؤدي لانخفاض مستويات الكورتيزول في الدم.

الأمر الثاني الذي يمكن فعله -فقط عندما يكون الأمر يستحق حقًا الشكوى حوله- هو التذمر بطريقة تتمحور حول الحل، والتفكير بالأمر على أن التذمر هنا غاية وليس وسيلة. ويمكن للشكوى بطريقة تتمحور حول الحل أن تتصف بالتالي:

  • قبل أن يشتكي المرء، يجب أن يعلم ما هي النتيجة التي يبحث عنها، إذا لم يستطع أن يحدد الهدف فهذا يعني أنه سوف يتذمر فقط من أجل التذمر، وهذا النوع من التذمر يجب أن يتجاهله الشخص قبل أن يبدأ.
  • البدء بشيء إيجابي، قد يبدو من غير المعقول أن يبدأ التذمر بمجاملة، ولكن البدء بشيء إيجابي يحول دون جعل الشخص الآخر متحفظًا حول ما يريد الحديث حوله. على سبيل المثال: قبل البدء بالتذمر حول خدمة عملاءٍ سيئة يمكن أن يقول الشخص شيئًا مثل “لقد كنتُ زبونًا لديكم لوقت طويل وقد كنت دائمًا معجبًا بخدمتكم ولكن…”.
  • تحديد الأمر الذي يزعج الشخص، عندما يشتكي الشخص، فمن غير الجيد أن يبدأ بالبحث عن كل شيء يزعجه منذ 20 سنة، بل يجب تحديد المشكلة الحالية قدر الإمكان.
  • الانتهاء بأمر إيجابي، إن إنهاء الشكوى بطريقة مثل “لن أقوم بالتسوق من هنا مجددًا” سيجعل الشخص المستمع غير مهتم بالاستجابة إلى الشكوى، لأن هذا يدعى فقط تفريغًا للمشاعر السلبية أو الشكوى دون مغزى، بدلًا من ذلك فإن تحديد المغزى من الشكوى وكذلك الأمر بالشيء الذي يرجوه الشخص كنتيجة لهذه الشكاية.

تذكر دائمًا أنه قد يكون من الجيد تجاوز المشاعر السلبية، ولكن إذا كان ولا بد من التعبير عنها يجب التأكد من أنك تقوم بذلك من خلال طريقة منتجة وذات فائدة.

المصادر: 12

تطبيق لبيه