sad

يمر الإنسان بسلسلةٍ من مراحل الحزن بعد الوفاة أو فقدان عزيزٍ ما، إنَّ الصورة المفجعة لموت قريب أو عزيز مطبوعة في عقل كل إنسان تقريبًا، وتعتبر مشاعر الحزن والكآبة التي تنتاب أي إنسان في هذا الموقف طبيعية واعتيادية لأن “الموت هو غاية الحياة” كما قال أفلاطون قبل أكثر من ألفي عام تقريبًا، لكن استمرار هذه الأعراض لفترة طويلة أو زيادة شدتها عن المستوى الطبيعي قد يكون اضطرابًا نفسيًا غير طبيعي. يطلق علماء النفس على هذه الحالة اسم (اضطراب الحزن المعقد) أو (متلازمة الحزن الشديد بعد الوفاة).

متلازمة الحزن بعد الوفاة

تتميز متلازمة الحزن الشديد بأعراضها العميقة والشديدة والتي لا تتحسن عادة بمرور الوقت، تحدث هذه المتلازمة بعد وفاة شخص مُقرب، وقد تستمر لفترة طويلة بحيث تؤثر على قدرة الشخص على ممارسة أنشطته اليومية بصورة طبيعية. رغم أنَّ هذه الظاهرة قديمة قدم الإنسان نفسه، لكنَّ توصيفها الدقيق لم يحدث إلا قبل ثلاثين سنة تقريبًا على يد مجموعة من الأطباء وعلماء النفس اليابانيين، حتى أنها أصبحت تُعرف أحيانًا باسم (متلازمة تاكوتسوبو) نسبة للاسم الياباني.

مقارنة بين متلازمة الحزن بعد الوفاة الشديد والطبيعي

  • تتشابه أعراض متلازمة الحزن بعد الوفاة  الشديدة الطبيعية خلال الشهور الأولى من فقدان شخص مقرب.
  • قد يكون من المستحيل التمييز بين الحالتين في هذه الفترة، ولكن أعراض الحزن الطبيعي تبدأ في الاختفاء مع مرور الوقت.
  • في حين أن أعراض متلازمة الحزن الشديد تزداد سوءاً يومًا بعد آخر.
  • يُقدر المختصون أنَّ الأعراض يجب أن تستمر أكثر من شهر متواصل حتى نستطيع وضع التشخيص المؤكد.
  • بالإضافة للأعراض التقليدية التي توجد خلال مرحلة الحزن الطبيعي بعد الوفاة يمكن ملاحظة أعراض متنوعة في متلازمة الحزن الشديد مثل: قلق وتوتر شديد، كآبة، شعور بالذنب.
  • ظهور مشكلات أسرية وأفكار انتحارية ونوبات عنف فجائية ومحاولات إيذاء النفس مثل الاستعمال المفرط للمخدرات أو القيادة بسرعة كبيرة. 
  • تصيب متلازمة الحزن الشديد النساء أكثر من الرجال بكثير وغالبًا ما تُصيبهن في العقد الرابع والخامس من أعمارهن، وأحياناً في عمر أصغر أو أكبر لأن جميع الأعمار معرضة للإصابة بمتلازمة الحزن الشديد. 
  • من الشائع أيضًا حدوث هذا الاضطراب عند الجنود بسبب الأحداث المؤلمة التي يعانون منها خلال الحروب، خصوصًا من رؤية أو معرفة حدث يحتوي على الموت الفعلي أو التهديد به.



تستمر أعراض الحزن والاكتئاب لأكثر من شهر في متلازمة الحزن الشديد

الأعراض الشديدة لمتلازمة الحزن بعد الوفاة

تشبه متلازمة الحزن الشديد الدخول في حالة مستمرة وشديدة من الحداد التي تمنع المريض من الشفاء أو السيطرة على مشاعره بشكل طبيعي. وقد حدد علماء النفس المعايير التالية لوضع تشخيص متلازمة الحزن الشديد، ويجب أن يوجد لدى المريض ثلاثة أعراض على الأقل لمدة شهر لتأكيد التشخيص:

  • ألم وحزن شديدين بسبب خسارة شخص مقرب.
  • التركيز على ذكريات الشخص المتوفى.
  • اشتياق دائم للشخص المتوفى.
  • صعوبة في تقبل وفاة شخص مقرب أو التأقلم معها.
  • شرود وانفصال عن الواقع.
  • عدم القدرة على الاستمتاع بالحياة، وتفكير دائم في الذكريات الإيجابية التي حدثت مع الشخص المتوفى.
  • شعور بالوحدة وأن الحياة فارغة أو لا معنى لها.
  • رغبة متكررة في الموت من أجل العثور أو الانضمام إلى الشخص المتوفى.
  • أفكار متكررة حول الشخص المتوفى تؤثر بشكل جدي على المريض، على سبيل المثال: أفكار عن الشخص المتوفي أو صورته تتداخل مع أنشطة الحياة اليومية أو تؤثر عليها.
  • قد تؤدي هذه المتلازمة لظهور أعراض جسدية أيضًا: مثل ألم حاد (ذبحة) في منتصف الصدر مع ضيق التنفس وتعرق وقلق شديد وإحساس بقرب النهاية، أو آلام بطنية وهيكلية متكررة وغير مُفسرة.
  • أفكار متكررة ومثيرة للقلق حول ظروف أو عواقب الوفاة (مخاوف بشأن كيف ولماذا مات الشخص).
  • انزعاج انفعالي شديد لأي شيء يعيد ذكريات الشخص المتوفى (رؤية مكان يشبه مكان الحدث، رؤية شخص كان موجوداً ساعة وقوع الحدث، رؤية جنازة، أو أي تنبيه يذكره بظروف الوفاة) مع تجنب أو هروب من التنبيهات المرتبطة بسبب الوفاة.
  • نوبات غضب أو هيجان أو هلع، مصحوبة بسلوك عدواني، لفظي أو جسدي.


قد تؤدي متلازمة الحزن الشديد إلى انفصال المريض عن واقعه بشكل كامل

النظريات التي تفسر متلازمة الحزن الشديد بعد الوفاة

تتعدد وجهات النظر في تفسير متلازمة الحزن الشديد بعد الوفاة، وقد صاغ علماء النفس في القرن العشرين عددًا من النظريات التي تفسر هذه الحالة، أهمها:

السبب العضوي (البيولوجي)

وجد واضعوا هذه النظرية أن الشخص الذي عاش في أسرة أفرادها يشكون من أمراض جسدية، تكون قابليته أو شدة تأثره النفسي بالأحداث المفاجئة والصادمة مرتفعة جدًا مقارنة بالأشخاص الذين لا يعيشون في ظل هكذا ظروف. ومن الطبيعي أن يؤهب ذلك إصابته بمتلازمة الحزن بعد الوفاة الشديدة بعد وفاة شخص عزيز.

السبب النفسي

تقترح هذه النظرية أن حدث الوفاة يمكن أن يجعل الفرد مرتبكًا ويسبب له الفزع و الإنهاك. ولأن ردود الفعل قد تكون مؤلمة يلجأ الفرد إلى كبت الأفكار الخاصة بذكريات الوفاة وأسبابها عمداً. غير أن حالة الإنكار هذه لا تحل المشكلة، لأن الشخص لا يكون قادراً على أن يجعل المعلومات الخاصة بالوفاة تتكامل مع معلوماته الأخرى وتشكل جزءاً من الإحساس بذاته، وهو ما يخلق حالة من الحزن والاكتئاب المستمر غير المسيطر عليه.

السبب السلوكي

من المعروف عن العلماء السلوكيين أنهم يهملون العوامل الوراثية. والسمات الاستعدادية والخبرات اللاشعورية التي تفسر الاضطرابات النفسية. ويؤكدون على أهمية العوامل البيئية والتعلم المكتسب والسلوك اليومي، فعلى سبيل المثال :المرأة التي تُوفي زوجها بحادث سير بسيارتهما الخاصة قد تظهر حزناً كبيراً إذا قادت هذه السيارة مستقبلاً، وربما يجري هذا التعميم أيضًا على السيارات الأخرى أيضًا.

السبب المعرفي

تقوم هذه النظرية على افتراض أن الاضطرابات النفسية ناتجة عن تفكير غير عقلاني بخصوص الذات وأحداث الحياة بشكل عام، فالتفكير المنطقي يقترح أن الموت لا يُعتبر ضد الحياة كما يعتقد البعض ولكنه تكملة لها، فالشخص الحكيم لا يتفاجئ بالموت بل يدرك بأنه حقيقة ويستعد لتقبل وفاة أي شخص من محيطه في أي وقت؛ بالتالي لا يصاب بمتلازمة الحزن بعد الوفاة إطلاقًا.


الدعم الأسري والاجتماعي قد يساعد في تجاوز الحزن بعد الوفاة بسرعة وفعالية

العوامل الاجتماعية ومتلازمة الحزن الشديد بعد الوفاة

يرى الباحثون أنّ أحد العوامل التي تُساعد في تحديد احتمال تعرض الشخص الذي عانى من وفاة عزيز من متلازمة الحزن الشديد، هو مدى حصول هذا الفرد على الدعم الاجتماعي، إنَّ اختلاف طرق التعامل مع مشاعر الحزن شيء طبيعي، ولكن الحزن الذي نتحدث عنه هنا ليس حزناً عادياً نخرج بعده بطاقةٍ على مواصلة الحياة، ولكن حزن مغلف بكآبة وأحاسيس يأس واختناق. هناك مجموعة من النشاطات التي يوحي وجودها في حياة الشخص أنه من الممكن أن يُعدل أو يخفف مشاعر الحزن الشديد:

  • التدريب على التصرف وفق مقتضيات الموقف، بحيث يخرج من أي موقف صعب منتصراً أو دون خسائر كبيرة.
  • التدريب على الاسترخاء كطريقة في مقاومة مشاعر الحزن.
  • المشاركة في الأنشطة الاجتماعية الإيجابية (كالاجتماع بمن نحب ومداعبة الأطفال والبقاء بقرب الوالدين أو المقربين)
  • طلب المساندة من أفراد العائلة أو الأصدقاء أو أي جمعيات تهتم بمشاكل الحزن وكيفية التعامل معه وكذلك الطبيب أو الأخصائي النفسي.
  • تبني أفكار إيجابية نافعة تُحسن من قدرة الإنسان على التوافق مع كل الظروف.
  • ممارسة الرياضة لأنها ترفع مستوى هرمون إندورفين الذي يحسن المزاج.

إن الموت هو الطريق الذي سوف نسلكه جميعًا، ويجب أن يعلم أي شخص أن الحزن على الفقيد لا يتعارض مع استدعاء ما يبهجه من الذكريات معه ومع الامتنان لوجوده العاطفي الدائم في وعيه، وإن قبول مشاعره هذه يساعده على قبول فقده وعلى استعادة التوازن النفسي بأسرع وقت ممكن تجنبًا للدخولِ بمتلازمة الحزن بعد الوفاة وتفاديها.

المصادر: 1 ، 2

مشاركة المقالة