حازت العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية على اهتمام كبير في السنوات الأخيرة، وناقشت العديد من الأبحاث تأثير الالتزام بحميات غذائية معينة على الحالة النفسية والعلاقة بينهما، خاصة اضطرابات القلق والاكتئاب باعتبارها أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا، وتمحورت هذه الأبحاث حول سؤال هام: هل يوجد حقًا تأثير سلبي للحميات القاسية على الصحة النفسية؟

كيف تتنوع الحميات أو الأنظمة الغذائية بين عموم السكان؟

هناك نموذجان رئيسيان من الأنظمة الغذائية، النظام المتوسطي الغني بالفواكه والخضروات والمكسرات والبقوليات، والذي يترافق مع استهلاك معتدل للدواجن والبيض ومنتجات الألبان، واستهلاك محدود للحوم الحمراء، والنظام الغذائي الغربي الفقير بالفيتامينات والمعادن والدهون الصحية والألياف والمعتمد بشكل رئيسي على الأطعمة الغنية بالسكاكر المصنعة والدهون المعدلة.

لقد وجد الباحثون من خلال دراسات عديدة أجريت على عموم السكان أن النظام الغذائي المتوسطي يترافق مع معدلات أقل للإصابة أو تفاقم إصابة سابقة باضطرابات القلق والاكتئاب، مقابل معدلات أعلى لذلك عند المعتمدين بشكل رئيسي على النظام الغذائي الغربي.

كيف يؤثر النظام الغذائي على الحالة النفسية؟

رغم أن العلاقة بين النظم الغذائية والحالة النفسية لا تزال معقدة، إلا أن العديد من الدراسات كشفت عن وجود صلة بين بعض الأنظمة الغذائية وتأثيرها على الصحة النفسية، وحسب المجلة الأوروبية للعلوم الدوائية العصبية النفسية فإن للنظم الغذائية السيئة دور هام في تفاقم اضطرابات المزاج، ولعل أهم الأمثلة على ذلك هو تأثير نقص فيتامين B12 على الطاقة وضعف الذاكرة والاكتئاب.

إن التفاعل بين الجهاز الهضمي والدماغ هو أحد أكثر القضايا المناقشة في الطب النفسـي البيولوجي، وقد اكتسب أهمية كبيرة في العقد الماضي من خلال العديد من الدراسات التي أجريت وأدت في النهاية إلى ظهور مجال الطب النفسي التغذوي كمجال علمي مستقل يهتم بدراسة تأثيرات النظام الغذائي على الصحة النفسية، وبسبب وجود العديد من الاستفسارات حول كيفية ارتباط التغذية والصحة النفسية، فإننا بحاجة لاستعراض مختصر لنتائج بعض هذه الدراسات في مجال الطب النفسي التغذوي الجديد، ومنها:

  • نشرت المجلة الأمريكية للطب النفسي في 2010 تحليلًا للعادات الغذائية لـ 1046 امرأة تتراوح أعمارهن بين 20 و93 عامًا بيّنَ أن المشاركات اللواتي اتبعن نظامًا غذائيًا متوسطيًا يركز على الخضار والفواكه والأسماك واللحوم والحبوب الكاملة، كانوا أقل عرضة للإصابة باضطرابات الاكتئاب من اللواتي اتبعن نظامًا غذائيًا غربيًا غنيًا بالحبوب المكررة والسكر والأطعمة المقلية والأطعمة المصنعة. 
  • أما مجلة البدانة Obesity فقد نشرت في عام 2005 تحليلًا للعادات الغذائية لـ 17881 رجلًا أميركيًا يتمتعون بصحة جيدة تتراوح أعمارهم بين 40 و 84 عامًا على مدار 13 عامًا، وقد بيّن هذا التحليل أن الرجال الذين أدخلوا الحبوب الكاملة في وجبات الإفطار كانوا أقل عرضة لزيادة الوزن بشكل ملحوظ من الرجال الذين تناولوا الحبوب المكررة، وحيث أن الحبوب الكاملة تحتوي على ألياف وبروتينات أكثر من الحبوب المكررة، ولها تأثير أكثر اعتدالًا على مستويات السكر في الدم، فهي تعزز التحكم في الشهية. من ناحية أخرى، فإن تناول الكربوهيدرات المصنعة أو المعالجة مثل الموجودة في رقائق البطاطس والبسكويت يفسح المجال للعكس تمامًا.
  • في عام 2007 أشارت مجلة The Lancet في مقال لها يركز على الأطفال أن تلوين الطعام الاصطناعي قد يكون مرتبطًا باضطرابات فرط النشاط لديهم.

ما سبق ليس إلا أمثلة بسيطة من دراسات عديدة أكدت أنه يمكن لنظام غذائي ثابت من الوجبات غير الصحية أن يسلب بعض العناصر الغذائية التي يحتاجها الجهاز العصبي خاصة ليعمل بشكل صحيح. على سبيل المثال، تعتبر الأحماض الدهنية أوميجا 3 الموجودة في أطعمة مثل السلمون والجوز وزيت الزيتون ضرورية للحفاظ على النشاط الدماغي في أفضل حالاته، ووفقًا لمقال نُشر عام 2010 في مجلة المراجعات الطبيعية للعلوم العصبية فإن تناول كميات كبيرة من الدهون المتحولة الموجودة في العديد من الأطعمة السريعة يمكن أن يؤثر سلبًا على عمل الخلايا العصبية الطبيعي.

تأثير الحميات الغذائية القاسية على الحالة النفسية

حتى الآن، لم يتم إثبات حقيقة أن عادات الأكل تؤدي إلى ظهور اضطرابات قلق ومزاج، لكنها تؤدي إلى تفاقم نوبات أو أعراض موجودة مسبقًا، تتأثر الحالة المزاجية باتباع نظام غذائي مقيد لفقدان الوزن. بالمقابل، يرى العديد من المتخصصين في علم النفس وجود صلة قوية بين احترام الذات والتغذية، حيث أن عادات الأكل غير الصحية تعيق وظائف المخ وتؤدي إلى انخفاض احترام الذات نتيجة التفكير السلبي تجاه شكل الجسم، وإن صورة الجسم السيئة هي نتيجة ثانوية شائعة للإفراط في تناول الطعام خاصة عندما تسبب زيادة أو نقصانًا غير مرغوب فيهما في الوزن. 

تعتمد معظم الأنظمة الغذائية القاسية على تناول عدد قليل جدًا من السعرات الحرارية أو السكريات، هذا الأمر يؤدي بالضرورة إلى زيادة التوتر حيث أن السكريات ضرورية لوظيفة الدماغ السليمة وإنتاج المواد الكيميائية التي تسبب الشعور بالرضا مثل السيروتونين. السيروتونين هو ناقل عصبي يساعد على تنظيم النوم والشهية، والتوسط في الحالة المزاجية، وتثبيط الألم. بشكل مشابه، تتعارض النظم الغذائية القاسية مع النواقل العصبية المسؤولة عن السعادة ومشاعر الرفاهية. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي الاستهلاك القليل جدًا من الحمض الأميني “التربتوفان” إلى زيادة الشعور بالاكتئاب والغضب.

بالمقابل، يمكن أن يسبب الإفراط في تناول الأطعمة الدهنية كما في الأنظمة الغذائية التي تهدف لزيادة الوزن، إلى آثار سلبية صحية مثل حرقة المعدة مما يزيد من خطر قلة النوم، وهو بحد ذاته عامل آخر مرتبط بالحالات المزاجية الاكتئابية والقلق والتوتر. وبحلقة مفرغة، تؤدي الضغوط النفسية والانفعالات إلى إطلاق هرمون الشدة في الجسم، الكورتيزول، الذي يرفع بدوره سكر الدم إلى عتبات قد تكون مرضية، وإن هذا الارتفاع الشديد في سكر الدم يعطل بدوره العديد من العمليات العصبية مؤديًا إلى تفاقم حالة الاضطراب والقلق.

أجريت دراسة في جامعة كوليدج في لندن على 1979 شخصًا يعانون من زيادة الوزن أو السمنة للتحقيق في آثار فقدان الوزن على كل من الصحة البدنية والعقلية. مما لا يثير الدهشة، يؤدي فقدان الوزن إلى فوائد جسدية كبيرة، فقد أظهر أولئك المشاركون في الدراسة الذين فقدوا 5% أو أكثر من وزن الجسم الأصلي على مدى أربع سنوات انخفاضًا في ضغط الدم وانخفاضًا في الدهون الثلاثية في الدم، وكلاهما يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب. مع ذلك، كان هؤلاء المشاركون أكثر عرضة بنسبة 52% لحدوث اضطرابات مزاجية اكتئابية مقارنة بأولئك الذين بقوا في نطاق 5% من وزنهم الأصلي. وعلى الرغم من أن الدراسة لا تثبت أن اتباع نظام غذائي يسبب الاكتئاب، إلا أنها تظهر أن فقدان الوزن لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الصحة العقلية، كما يفترض الكثير من الناس.

بالمقابل، وفي دراسة أخرى، تم إخضاع 67 شخصًا مصابًا بالاكتئاب بشكل عشوائي لجلسات استشارات غذائية فردية مع أخصائي تغذية، أو جلسات دعم اجتماعي، وقد وجد أن 8% فقط من المجموعة الذين خضعوا لجلسات دعم اجتماعي حققوا هدأة من أعراض الاضطراب، في حين أن ما يقارب ثلث المجموعة الذين خضعوا لجلسات الاستشارات الغذائية حققوا الهدأة.

في الختام:

اكتسبت العلاقات بين التغذية والصحة العقلية اهتمامًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، وفي الواقع، من الواضح وجود ترابط ما قوي بين الأنظمة الغذائية والحالة النفسية، وإن اتباع الأنظمة الغذائية القاسية سواء بهدف إنقاص الوزن أو زيادته إنما هو مرتبط حتمًا بطريقة أو بأخرى بالحالة النفسية للشخص التي تتمحور عادة على عدم قبول الذات، الأمر الذي يتفاقم بعدم الحصول على النتيجة المطلوبة، بالإضافة إلى تأثيرات الأطعمة الخاصة بالنظام الغذائي المتبع.تبقى طبيعة هذه العلاقات الغذائية النفسية معقدة وبحاجة إلى الكثير من التفسيرات، ولكن يمكن القول حقًا إن ما نأكله يؤثر على شعورنا، لذلك يجب أن يجعلنا الطعام نشعر بالرضا.

تطبيق لبيه