الأسرة والصحة النفسية

الأسرة والصحة النفسية بُعدان يرتبطان بعلاقةٍ وثيقة في حياة الفرد، إذ تلعب العلاقات الأسرية دورًا هامًا في التأثير على سلوك الفرد وصحته النفسية، إذ أظهرت دراسات عديدة أن للعلاقات الاجتماعية (والأسرية بشكل خاص)، تأثيراتٌ كبيرة قصيرة وطويلة الأمد على صحة الفرد النفسية، اعتمادًا على طبيعة هذه العلاقات، فإما أن تغني وتعزز هذه الصحة أو تؤثر عليها سلبًا.

الأسرة والصحة النفسية : دور الأسرة في التطور النفسي والسلوكي للفرد

هناك علاقة وثيقة بين الأسرة والصحة النفسية لا جدل في ذلك؛ إذ تؤثر الأسرة في النمو النفسي السوي للفرد، وتؤثر على شخصيته وظيفيًا وديناميكيًا فهي تؤثر على نموه العقلي والانفعالي والاجتماعي:

  • تعتبر الأسرة المضطربة بيئة نفسية سيئة للنمو لأنها تكون بمثابة مرتع خصب للانحرافات السلوكية والاضطرابات النفسية الاجتماعية.
  • تعد البيئة الأسرية المستقرة والداعمة بيئة نفسية ملائمة لنمو جسدي ونفسي طبيعي الطفل.
  • إن الخبرات الأسرية التي يتعرض لها الطفل في السنوات الأولى من عمره تؤثر تأثيرًا هامًا على نموه النفسي.
  • تلعب الأسرة المستقرة دورًا في تنمية قدرات الفرد من خلال تكوين الخبرات البناءة واحترام الآخرين وتعليم التوافق الشخصي وتكوين الاتجاهات النفسية السليمة.

العلاقة بين الأسرة والصحة النفسية وتأثيرها الإيجابي

يتجلى الأثر الإيجابي في العلاقة بين الأسرة والصحة النفسية عندما تكون العلاقات الأسرية مستقرة وداعمة لأفرادها، قد يبدي الشخص الذي يعاني من مشاكل أو اضطرابات صحية نفسية المنشأ استجابةً أكبر للمعالجة، فالرفقة والدعم العاطفي وحتى الدعم المادي غالبًا ما تُحدث تأثيرًا إيجابيًا على الشخص الذي يواجه مشكلة صحية نفسية المنشأ، وفي الوقت الذي يحتاج فيه بعض المرضى الذين يعانون من مشاكل صحية نفسية المنشأ دعمًا عائليًا مكثفًا، قد يحتاج آخرون ببساطة لمجرد المساعدة في تأمين وسيلة نقل للوصول يوميًا إلى مكان المعالجة أو لرفقة متواصلة من يوم لآخر كحال الناس العاديين في أوقات الشدة.

تأثير العائلة السلبي على الصحة النفسية

تؤكد الدراسات بشكل متزايد أنه يمكن للعلاقات الأسرية السلبية أن تزيد التوتر وتؤثر على الصحة النفسية ويمكنها أن تؤدي إلى أعراض جسدية أيضًا. إذ أثبتت الأبحاث أنه يمكن للعائلات التي لا توفر دعمًا نفسيًا كافيًا أن تساهم في تدهور الصحة النفسية للفرد أو تزيد المرض النفسي سوءًا، إن معظم العناية التي يعتمد عليها مرضى الاضطرابات النفسية تكون مقدمة من العائلة بشكلٍ أساسي، لذلك حين يتنكر أفراد العائلة لهذا الدعم ستتأثر عملية التعافي سلبًا، ومن أبرز ما يُظهر الوجه السلبي للعلاقة بين الأسرة والصحة النفسية ما يلي:

العنف الأسري

  • يمكن للعنف الجسدي أو النفسي أن يؤثر سلبًا على الصحة النفسية للفرد، فعندما يُعنَّف الطفل قد تحدث مشكلة صحية نفسية المنشأ تتطلب تدبيرًا طويل الأمد قد يستمر مدى الحياة.
  • اعتمادًا على شدة العنف ومقدار استمراريته ووجود مشكلة صحية جسدية أو نفسية المنشأ لدى الشخص المُعنَّف، قد يكون الاضطراب النفسي الحادث عميقًا ويتطلب سنواتٍ طويلة من المعالجة، وذلك ضمن العلاقة السلبية بين الأسرة والصحة النفسية
  • تؤكد الدراسات أن الشخص الذي تعرض لعنف من قبل أحد أفراد العائلة قد يحتاج علاجًا مستمرًا حتى عندما تبدو أعراضه الصحية النفسية تحت السيطرة، ولا تزال التأثيرات طويلة الأمد للعنف الذي يتعرض له الأطفال موضع دراسة حتى الآن.

التوتر المزمن

العلاقة بين الأسرة والصحة النفسية
  • يمكن للتوتر المزمن أن يؤثر بشكل سلبي على الصحة النفسية والجسدية على حدٍ سواء، وبمرور الوقت يمكن لهذا التوتر أن يتسبب في تطور اضطرابات صحية نفسية المنشأ مثل القلق والاكتئاب.
  • يمثل التوتر المزمن الناجم عن العائلة مصدر قلق استثنائي، إذ أنه يترك الفرد أمام خيارات قليلة لمواجهة هذه الشدة، وتأطير العلاقة بين الأسرة والصحة النفسية عن قُرب.
  • يمكن مواجهة هذا التوتر المزمن إذا كان لدى أفراد العائلة الإرادة الحقيقية لطلب استشارة لعلاج هذا الاضطراب.
  • أما استمرار هذا التوتر المزمن قد يضطر الفرد لتلقي معالجة فردية بهدف تعلم الطريقة الأمثل للتعامل مع هذه الظروف العائلية.

دور الأسرة في مرحلة الطفولة

  • يعتبر المجتمع (والأسرة خصوصًا) من أهم العوامل التي تؤثر في المجال الصحي النفسي.
  • يقصد بالمجال النفسي للطفل مجموعة الحقائق والمؤثرات التي يعيها ويدركها وتؤثر في سلوكه حين يصدر عنه السلوك.
  • يظهر دور الأسرة والصحة النفسية معًا من الناحية الانفعالية فإن الفرد منذ طفولته تتطور لديه مع نموه انفعالات مختلفة
  • يكتسب سلوكه أساليب معينة من المجتمع الذي يحيط به.، فهو يتعلم ضبط الانفعالات.
  • يصل إلى الاستقلال الانفعالي ويهيئ الجو النفسي الصحي المناسب للحياة السعيدة ويحقق الصحة النفسية بكافة الوسائل.
  • يجد الطفل في علاقاته مع مجتمعه نفسه أمام وسائل عديدة؛ منها علاقته مع الأفراد الآخرين في المجتمع، وعليه أن يشترك في كثير من أوجه السلوك.
  • علينا أن نعلم أن السلوك مكتسب ومتعلم من المجتمع الذي يعيش فيه الطفل وليس وراثيًا، وسلوك الطفل أيضًا مرتبط بمثيرات ومواقف من مجتمعه.

دور المجتمع في الصحة النفسية للفرد

  • للسلوك خصائص انفعالية نفسية، وهنالك أيضًا وظائف مكتسبة من المجتمع، إذ يحدد المجتمع طرق السلوك ويفسرها وينظم العمليات الانفعالية للطفل.
  • ينعكس تأثير المجتمع في سلوك الفرد وفي أقواله وانفعالاته وتفاعله مع الآخرين.
  • يهيئ للطفل القدرة على اتخاذ القرارات في المواقف النفسية المتعددة التي تواجهه.
  • قد تكون الثقافة من أهم العوامل التي يؤثر المجتمع من خلالها على الصحة النفسية للطفل، لأنها تمثل مجموع ما يتعلمه الطفل.
  • تضم الثقافة الدين والتراث واللغة والعادات والقيم والتاريخ والجغرافيا والاتجاهات والعلاقات والمعتقدات والأفكار وغيرها، لذلك تظهر علاقة الأسرة والصحة النفسية
  • تؤثر للمؤسسات الإعلامية في المجتمع إيجابيًا أحيانًا، وسلبيًا في أحيان أخرى، فالأسرة بالزواج والإنجاب؛ تتحول إلى أهم عوامل التنشئة الاجتماعية النفسية للطفل.
  • تعد الأسرة هي الممثل الأول للثقافة وأقوى الجماعات تأثيرًا على سلوك الطفل.
  • وللأسرة وظيفة اجتماعية بالغة الأهمية، فهي المدرسة الاجتماعية الأولى للطفل، لأنها تقوم بتكوين شخصية الطفل وتوجهه للسلوك الصحيح.
  • اعتبر العالم وولر في عام 1938 أن الأسرة وحده تفاعلية، وأنها نسق مغلق من التفاعل الاجتماعي؛ لأن تلعب أدوارًا عديدة في عملية التنشئة الاجتماعية، منها:

  1. أن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل، وهنا تتجلى العلاقة بين الأسرة والصحة النفسية
  2. هي المسؤولة عن تنشئته وتُعتبر النموذج الأمثل للجماعة الأولية التي يتفاعل الطفل فيها مع جميع الأعضاء.
  3. للوالدين تأثير كبير بالطفل؛ حيث يؤثران في تكييفه ونموه النفسي والاجتماعي السائد في الأسرة المتكونة من الوالدين والأخوة والأخوات.
  4. الأجواء المنزلية متعددة الأنماط، لأنها تختلف بين الأسر، فبعض البيوت تبدو أماكن طبيعية لرعاية الأطفال نفسيًا بينما تبدو الأخرى على النقيض تمامًا.

الأسرة والصحة النفسية : دور الأسرة في مرحلة المراهقة

  • تعتبر المراهقة مرحلة انتقالية من الطفولة إلى البلوغ، وتلعب دورًا أساسيًا في تكوين شخصية الفرد الدائمة.
  • يكون لدى المراهقين رغبة قوية بالاستقلال، لذلك يعانون غالبًا من صراع حول مسألة الاعتماد على الأهل.
  • قد يعاني المراهقون من سلوكيات غير مناسبة أو مدمرة للذات، وهنا يأتي دور الأسرة.
  • أشارت دراسة إحصائية أسترالية إلى أن الأهل يُعتبرون واحدًا من ثلاثة مصادر أساسية يلجأ إليها المراهق لمواجهة الاضطرابات النفسية والسلوكية في هذه المرحلة.

ختامًا … بات من المؤكد اليوم أن الأسرة تلعب دورًا بارزًا في الصحة النفسية للفرد وفي نموه النفسي الطبيعي، وإذا عانيت من أي مشاكل أسرية أثرت على صحتك النفسية بشكل ملحوظ فإن مراجعة طبيبك النفسي قد يساعدك على مواجهة هذه العقبات، خصوصًا وأن العلاج النفسي الأسري (الجماعي) أصبح اليوم شائعًا وتزايدت الأدلة والدراسات العلمية التي تدعمه وتؤكد على أهميته، وفي ذلك توضيح عميق للعلاقة بين الأسرة والصحة النفسية للفرد

المصدر: 1 ، 2

مشاركة المقالة