تؤثر الاضطرابات النفسية على مختلف جوانب الحياة وتتداخل مع قدرة الفرد على العمل والتواصل مع العائلة والمجتمع والبيئة المحيطة، ولهذه الاضطرابات العديد من الأسباب والعوامل المؤهبة مثل نمط الحياة وتجاربها المختلفة، مثل التعرض لضغط نفسي شديد لفترة زمنية طويلة أو سوء معاملة أثناء مرحلة الطفولة والمراهقة. تتفاعل هذه العوامل والأسباب مع استعداد الفرد الجيني أو البيولوجي، فمثلًا تلعب إصابة الدماغ الرضية أو تعرض الأم للفيروسات أو المواد الكيميائية السامة أثناء الحمل دورًا هامًا في ذلك، ومن العوامل الأخرى التي يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بالأمراض النفسية، الإصابة بحالة طبية خطيرة أو مرض مزمن مثل داء السكري أو القصور الكلوي أو السرطان.

تصنيف الأمراض والاضطرابات النفسية

أكدت الدراسات خطأ الاعتقادات السابقة التي كانت تقترح أن الاضطرابات النفسية شائعة في أماكن أو أعراق معينة، إذ يمكن أن تحدث الأمراض النفسية بمعدلات متشابهة في جميع أنحاء العالم، ويمكن أن تؤثر على أي شخص بغض النظر عن عمره أو جنسه أو عرقه وتحدث في مختلف الثقافات وفي جميع الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وعلى الرغم من أن المرض النفسي قد يحدث في أي عمر، لكن غالبية الاضطرابات النفسية تبدأ في أوائل العشرينيات. تبين الإحصائيات أن واحدًا من كل ستة أفراد يعاني من اضطراب نفسي. ومع ذلك، فإن ربع الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية فقط يتلقون العلاج النفسي المناسب. ,يوفر الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الإصدار الخامس (DSM-5)، الذي نشرته الجمعية الأمريكية للطب النفسي معايير قياسية لتصنيف الاضطرابات النفسية، إذ يصنف الاضطرابات النفسية إلى فئات.

هناك أكثر من 20 فئة، وأكثرها شيوعًا:

  • اضطرابات المزاج (مثل الاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب).
  • اضطرابات القلق.
  • اضطرابات الشخصية (مثل الشخصية المعادية للمجتمع).
  • الاضطرابات الذهانية (مثل الفصام).
  • اضطرابات الأكل (مثل القهم العصبي).
  • الاضطرابات المرتبطة بالصدمات (مثل اضطراب ما بعد الصدمة).

أعراض عامة للاضطرابات النفسية

تختلف أعراض الاضطرابات النفسية بناءً على نوع الاضطراب ودرجته، ولكن الأعراض المزاجية والسلوكية هي غالبًا أشيع هذه الأعراض، ويمكن أن تسبب بعض الاضطرابات النفسية أعراضًا جسدية أيضًا. يمكن أن تسبب الاضطرابات النفسية مجموعة متنوعة من الأعراض مثل:

  • هياج وعدوانية.
  • تعب ووهن عام وخمول.
  • قلق مستمر.
  • تقلبات حادة في الحالة المزاجية.
  • اضطرابات في الإدراك أو التفكير قد تصل أحيانًا للهلوسة والأوهام.
  • تغيرات مزاجية مستمرة أو مفاجئة يمكن أن تتداخل مع الحياة اليومية.
  • انسحاب وعزلة اجتماعية.
  • ترتبط الاضطرابات النفسية بأعراض جسدية أيضًا من أهمها:
  • خمول وشعور بالضيق.
  • اضطرابات النوم.
  • تغيرات في الوزن والشهية.
  • آلام جسدية غير مُفسرة.

أظهرت دراسات إحصائية أن اضطرابات النوم المرتبطة بالأمراض النفسية تؤدي لصرف ما يقرب من 50 مليون وصفة طبية لأدوية النوم سنويًا، بالإضافة لذلك يتعامل العديد من الأفراد مع مخاوفهم عن طريق الإفراط في تناول الطعام أو التدخين.

ما هي درجات الاضطرابات النفسية؟

تتظاهر الأمراض النفسية بأشكال عديدة، بعضها خفيف ولا يؤثر إلا بشكل محدود على الحياة اليومية، وبعضها شديد لدرجة أن المريض يحتاج إلى قبول ورعاية طبية في المستشفى، وبناءً على هذه التأثيرات صُنفت درجات الأمراض والاضطرابات النفسية إلى خفيفة ومتوسطة وشديدة وفق ما يلي:

  • الدرجة الخفيفة: عندما يكون لدى الشخص عدد قليل من الأعراض مع تأثير محدود على حياته اليومية.
  • الدرجة المتوسطة: عندما يكون لدى الشخص أعراض أكثر، ويمكن أن تجعل حياته اليومية أصعب من المعتاد.
  • الدرجة الشديدة: عندما يكون لدى الشخص العديد من الأعراض التي يمكن أن تجعل حياته اليومية صعبة للغاية.

يختلف نهج الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) في تحديد الشدة باختلاف الاضطرابات. تعتمد شدة اضطرابٍ ما على عدد الأعراض، أو مستوى الضعف الوظيفي الناجم عن الأعراض، فمثلًا بالنسبة لفقدان الشهية العصبي (القهم العصبي)، يتم تحديد شدته وفقًا لمؤشر كتلة الجسم BMI، أما بالنسبة لفرط الشهية يتم تحديد شدته من خلال عدد مرات الأكل بنهم في الأسبوع.

يتم تحديد درجة اضطرابات التعلم حسب قدرة الشخص على التعلم بشكل فردي وطبيعة التعليم الإضافي اللازمة من أجل اكتساب المعلومات الأساسية، بينما يُصنف كل من الاكتئاب والهوس على أنه خفيف أو متوسط أو شديد​​، وفقًا لعدد الأعراض ومستوى الضيق الناتج عن شدة الأعراض. لتوضيح مفهوم درجات الاضطراب النفسي وطرق تصنيفه لنأخذ الاكتئاب كمثال:

درجات الاكتئاب وتصنيفاته:

الاكتئاب الخفيف:

يشمل الاكتئاب الخفيف أكثر من مجرد الشعور بالحزن المؤقت. يمكن أن تستمر الأعراض لعدة أيام وتكون شدتها بما يكفي للتأثير في الحياة اليومية.

 قد يسبب الاكتئاب الخفيف الأعراض التالية:

  • تهيج أو غضب.
  • الشعور بالذنب واليأس.
  • نقص تقدير الذات.
  • فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت ممتعة سابقًا.
  • صعوبات ومشاكل في التركيز أثناء العمل.
  • نقص الحافز.
  • عدم الاهتمام بالتواصل الاجتماعي.
  • آلام متعددة بدون وجود سبب مباشر وواضح.
  • تعب وإرهاق مستمر.
  • أرق.
  • تغيرات في الشهية.
  • تغيرات في الوزن.

إذا استمرت الأعراض معظم ساعات اليوم، بمتوسط ​​أربعة أيام في الأسبوع، فمن المرجح أن يتم تشخيص اضطراب اكتئابي مستمر. يشار إلى هذه الحالة أيضًا باسم “اضطراب مزاج مزمن”. على الرغم من أن الاكتئاب الخفيف يمكن ملاحظته، إلا أنه من الصعب تشخيصه، لأنه يمكن إخفاء الأعراض وتجنب مناقشتها مع الطبيب بسهولة، وعلى الرغم من الصعوبات في التشخيص، لكن الاكتئاب الخفيف هو الأسهل علاجًا، إذ يمكن لبعض التغييرات في نمط الحياة أن تساهم في زيادة مستويات السيروتونين في الدماغ، والتي تساعد في معالجة أعراض الاكتئاب. تشمل التغييرات المفيدة في نمط الحياة ما يلي:

  • ممارسة الرياضة يوميًا.
  • الحصول على قدر كافٍ من النوم.
  • نظام غذائي متوازن غني بالفواكه والخضروات.
  • ممارسة أنشطة تقلل التوتر، مثل كتابة اليوميات والقراءة والاستماع إلى الموسيقى.

يمكن استخدام مضادات الاكتئاب تحت إشراف الطبيب في بعض الحالات. ومع ذلك، يميل الاكتئاب الخفيف إلى الاستجابة بشكل أفضل لتغييرات نمط الحياة والعلاج النفسي من استجابته للأدوية، لكن إهمال الاكتئاب الخفيف يمكن أن يؤدي إلى تطوره إلى أشكال أكثر حدةً.

الاكتئاب المتوسط:

الاكتئاب المعتدل هو المستوى التالي من الحالات الخفيفة. يشترك الاكتئاب المعتدل والخفيف في أعراض عديدة، بالإضافة إلى ذلك، قد يسبب الاكتئاب المعتدل ما يلي:

  • نقص تقدير الذات.
  • انخفاض الإنتاجية.
  • زيادة الحساسية.
  • قلق مفرط.

يتمثل الاختلاف الأساسي بأن أعراض الاكتئاب المعتدل شديدة بما يكفي لتسبب مشاكل في المنزل والعمل، وقد يسبب صعوبات كبيرة في الحياة الاجتماعية. من الأسهل تشخيص الاكتئاب المعتدل مقارنةً بالحالات الخفيفة لأن الأعراض تؤثر بشكل كبير على الحياة اليومية. يمكن وصف مضادات الاكتئاب، ولكن قد تستغرق هذه الأدوية ما يصل إلى ستة أسابيع لبدء تأثيرها. يُستخدم العلاج السلوكي المعرفي (CBT) أيضًا لعلاج بعض حالات الاكتئاب المعتدل.

الاكتئاب الشديد:

تستمر نوبات الاكتئاب الشديد ​​ستة أشهر أو أكثر. وفي بعض الأحيان يمكن أن يختفي الاكتئاب الشديد بعد فترة ولكنه غالبًا ما ينكس.

التشخيص مهم بشكل خاص في حالات الاكتئاب الحاد، وقد تسبب الأشكال الشديدة للاكتئاب ما يلي:

  • أوهام وهلوسات.
  • اضطراب شديد في المشاعر.
  • أفكار وسلوكيات انتحارية.

يتطلب الاكتئاب الشديد علاجًا طبيًا في أسرع وقت ممكن، ومن المرجح أن يوصي الطبيب باستخدام مضادات الاكتئاب وبعض أشكال العلاج النفسي. وبالتالي يمكن علاج الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط ​​بشكل فعال من خلال العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج النفسي. بينما توصف مضادات الاكتئاب للاكتئاب المتوسط إلى الشديد، ولكنها ليست خط العلاج الأول لحالات الاكتئاب المتوسط. يظهر من خلال المثال السابق أن لتحديد درجة الاضطرابات النفسية أهمية سريرية كبيرة، إذ تؤثر على القرارات المتعلقة ببدء العلاج، ونوع العلاج وشدته، وما إذا كان يجب الاستمرار في العلاج أو إيقافه.

المصادر: 123

تطبيق لبيه
مشاركة المقالة