يشمل مفهوم الصحة النفسية كل ما يتعلق برفاهيتنا العاطفية والنفسية والاجتماعية. تؤثر الصحة النفسية على طريقة تفكيرنا وشعورنا وتصرفاتنا، كما تساعد في تحديد كيفية تعاملنا مع التوتر، والتواصل مع الآخرين، واتخاذ القرارات الصحيحة. تعتبر الصحة النفسية مهمة في كل مرحلة من مراحل الحياة، من الطفولة والمراهقة وحتى البلوغ والشيخوخة.

يخلط كثيرون بين الاضطرابات العقلية والاضطرابات النفسية، ورغم وجود أسباب وأعراض مشتركة بين النوعين أهمها تأثيرهما الكبير على الوظائف المعرفية والحالة المزاجية للفرد، لكنهما مرضان مختلفان ولكلٍّ منهما مفهومه الخاص، فالأمراض النفسية تنشأ عن خلل في التفكير والمزاج ينعكس على سلوك الفرد وتؤدي إلى تغيرات حادة في الحالة المزاجية، بينما تتميز الأمراض العقلية بسيطرة الأوهام والهلوسات على المريض وتتطلب علاجًا أسرع وأكثر فعالية.

من جهة أخرى هناك خلط بين اضطرابات الصحة النفسية والمرض النفسي، وعلى الرغم من أن كلا المصطلحين غالبًا ما يستخدمان بشكل مترادف، إلا أن اضطرابات الصحة النفسية والمرض النفسي ليسا متشابهين، إذ يمكن لأي شخص أن يعاني من ضعف أو اضطراب في الصحة النفسية دون أن يكون مصابًا بمرض نفسـي فعليًا، وبالمثل، يمكن للشخص المصاب بمرض نفسـي أن يمر بفترات تتحسن فيها صحته الجسدية والنفسية والاجتماعية. لا تقلُّ أهمية الصحة النفسية، فعلى سبيل المثال، إن الاكتئاب يترافق مع خطر عالٍ للإصابة بأنواع عديدة من مشاكل الصحة الجسدية، أو قد يكون نتيجة هامة للعديد من الأمراض الجسدية المزمنة مثل مرض السكري وأمراض القلب والسكتة الدماغية والقصور الكلوي المزمن.

ما هو مدى شيوع الأمراض النفسية والأمراض العقلية؟

من المثير للاهتمام أن نعلم أنَّ الاضطرابات المتعلقة بالصحة النفسية منتشرة جدًا، ففي عام 2014 قدّرت إحصائيات منظمة الصحة العالمة أن واحدًا من كل خمسة بالغين يعاني من مشكلة تتعلق بالصحة النفسية، وواحد من كل 10 شباب يعاني من حالة اكتئاب شديد، وواحد من كل 25 شخصًا مصابًا بمرض عقلي فعلي، مثل الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب أو الاكتئاب الشديد.

الانتحار هو السبب الرئيسي العاشر للوفاة في الولايات المتحدة، وهو مسؤول عن وفاة أكثر من 41 ألف أمريكي كل عام، أي أكثر من ضعف عدد الأرواح التي تُزهق في جرائم القتل. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة في المنطقة العربية، لكن الباحثين يعتقدون أن معدلات شيوع هذه الأمراض أقل فيها مقارنة بغيرها من دول العالم.

أسباب الأمراض النفسية والعقلية

لا يوجد سبب واحد للمرض النفسـي، بل عدد من العوامل التي تساهم في زيادة خطر الإصابة بأمراض نفسية، مثل:

  • تجارب الحياة السلبية كالصدمات أو سوء المعاملة في مرحلة الطفولة (إساءة معاملة الأطفال، والاعتداء الجنسي، ومشاهدة العنف، وما إلى ذلك…).
  • الأمراض المزمنة مثل السرطان وداء السكري.
  • عوامل بيولوجية أو اضطرابات كيميائية في الدماغ.
  • تعاطي الكحول أو المخدرات.
  • الشعور بالوحدة أو العزلة.

ومن الأسئلة المهمة أيضًا، هل توجد علامات أو سلوكيات معينة قد تشير لوجود اضطراب في الصحة النفسية؟ في الواقع نعم، ويجب الانتباه لها على الصعيد الشخصي أو الجماعي، مثل:

  • تغيرات الأكل والنوم.
  • العزلة والابتعاد عن الناس والأنشطة المعتادة.
  • الشعور بالتعب والوهن العام.
  • فقدان الاهتمام بالأشياء.
  • الآلام والأوجاع غير المفسرة.
  • الشعور بالعجز واليأس.
  • الشعور بالارتباك أو النسيان أو القلق أو الغضب أو الانزعاج أو الخوف على نحو غير عادي ومبالغ فيه.
  • خلافات مستمرة مع العائلة والأصدقاء.
  • تقلبات مزاجية حادة تسبب مشاكل في العلاقات الاجتماعية.
  • وجود أفكار وذكريات مستمرة لا يمكن تجاوزها والتخلص منها.
  • أوهام وهلوسات.
  • التفكير في إيذاء النفس أو الآخرين.
  • عدم القدرة على أداء المهام اليومية مثل رعاية أطفالك أو الذهاب إلى العمل أو المدرسة.

حقائق وخرافات عن الصحة النفسية والصحة العقلية

خرافة: لا يعاني الأطفال عادة من مشاكل نفسية

الحقيقة: حتى الأطفال الصغار جدًا قد تظهر عليهم علامات منذرة مبكرة لمخاوف تتعلق بالصحة النفسية. غالبًا ما تكون مشكلات الصحة النفسية هذه قابلة للتشخيص سريريًا، ويمكن أن تكون نتاجًا لتفاعل العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، حوالي نصف اضطرابات الصحة النفسية تظهر علاماتها الأولى قبل أن يبلغ الشخص 14 عامًا، وتبدأ معظم اضطرابات الصحة النفسية قبل سن 24، ولسوء الحظ، يتلقى أقل من 20% من الأطفال والمراهقين الذين يعانون من مشاكل صحية نفسية العلاج الذي يحتاجونه، ولكن يمكن أن يساعد دعم الصحة النفسية المبكر الطفل قبل أن تتداخل المشاكل مع احتياجات النمو الأخرى.

خرافة: الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية أو العقلية يتسمون بالعنف ولا يمكن التنبؤ بأفعالهم

الحقيقة: الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية ليسوا أكثر عنفًا من أي شخص آخر. معظم المصابين بمرض نفسـي ليسوا عنيفين بل إن 3% -5% فقط من أعمال العنف يمكن أن تُنسب إلى الأفراد الذين يعانون من مرض نفسـي خطير. بالمقابل، إن الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية حادة هم أكثر عرضة للوقوع ضحية للجرائم العنيفة بأكثر من 10 مرات من عامة الناس.

خرافة: الأشخاص الذين لديهم اضطرابات تتعلق بالصحة النفسية والعقلية، لا يمكنهم تحمل ضغوط الاحتفاظ بوظيفة أو عمل

الحقيقة: الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية لديهم نفس إنتاجية الموظفين الآخرين، لهم حضورهم الجيد ويلتزمون بالمواعيد. من المحتمل أنك تعرف شخصًا يعاني من مشكلة في الصحة النفسية ولا تدرك ذلك، لأن العديد من الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية هم أعضاء نشيطون ومنتجون للغاية في مجتمعاتنا.

خرافة: لا أمل للأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية بمجرد إصابة صديق أو أحد أفراد الأسرة بمشكلات صحية نفسية، فلن يتعافى أبدًا

الحقيقة: تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة النفسية يتحسنون وأن الكثير منهم يتعافون تمامًا. يشير التعافي إلى العملية التي يتمكن فيها الأشخاص من العيش والعمل والتعلم والمشاركة بشكل كامل في مجتمعاتهم. هناك علاجات وخدمات وأنظمة دعم مجتمعية أكثر من أي وقت مضى.

خرافة: العلاج السلوكي والمساعدة الذاتية مضيعة للوقت، لماذا تهتم عندما يمكنك علاج مرضك بالدواء؟

الحقيقة: يختلف علاج مشاكل الصحة النفسية باختلاف الفرد ونوع المرض، ويمكن أن يشمل العلاج الأدوية أو العلاج السلوكي أو كليهما معًا.

خرافة: لا يمكنني فعل أي شيء لشخص يعاني من مشكلة في الصحة النفسية أو العقلية

الحقيقة: يمكن للأصدقاء والأقرباء إحداث فرق هام في العلاج النفسي. فقط 44% من البالغين الذين يعانون من مشاكل صحية نفسية وأقل من 20% من الأطفال والمراهقين يتلقون العلاج اللازم. يمكن أن يكون الأصدقاء والعائلة مؤثرات مهمة لمساعدة شخصٍ ما في الحصول على العلاج والخدمات التي يحتاجها من خلال:

  • التواصل معهم وإخبارهم بأنك متاح للمساعدة.
  • مساعدتهم في الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.
  • تعلم ومشاركة الحقائق حول الصحة النفسية، خاصة إذا سمعت شيئًا غير صحيح.
  • عاملهم باحترام، تمامًا كما تفعل مع أي شخص آخر.
  • رفض تعريفهم من خلال تشخيصهم أو استخدام تسميات مثل “مجنون”.

خرافة: الوقاية لا تفيد. من المستحيل منع حدوث الأمراض النفسية

الحقيقة: تركز الوقاية من الاضطرابات النفسية والعاطفية والسلوكية على معالجة عوامل الخطر المعروفة مثل التعرض للصدمات التي يمكن أن تؤثر على فرص إصابة الأطفال والشباب بمشكلات صحية نفسية.

كيف تحافظ على صحتك النفسية والعقلية؟

قم بممارسة الأشياء التي تشعرك بالسعادة والمتعة كالرياضة والخروج مع الأصدقاء وممارسة هوايات الطبخ والرقص وغيرها، وابتعد عما يشعرك بالملل والتعاسة.

عزز من نظرتك الإيجابية لنفسك من خلال:

  • ركز على النقاط الإيجابية وعلى الأشياء التي تجيد استخدامها بشكل أفضل.
  • ادعم علاقاتك الإيجابية بأصدقائك وابتعد عن الأشخاص السلبيين.
  • كن ممتنًا لنفسك.
  • تعلم رفض ما لا تحبه وما لا ترغب به.
  • اتبع نظامًا غذائيًا صحيًا.
  • احصل على قدر كاف من النوم، وأكثِر من ممارسة التمارين الرياضية.

 من المهم أن نتذكر أن الصحة النفسية والصحة العقلية لأي شخص قد تتغير بمرور الوقت وذلك اعتمادًا على العديد من العوامل، فعندما تتجاوز الواجبات المفروضة على الشخص موارده وقدراته على التكيف، كالعمل لساعات طويلة، أو الاعتناء المفرط بأحد الأقارب، أو الضائقات الاقتصادية والمجتمعية، جميعها يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية بشكل هام.

مصادر: 123

تطبيق لبيه