تعد الاضطرابات النفسية اضطرابات معقدة ومتنوعة للغاية، تتشابه فيما بينها بالأعراض والتظاهرات، وتدخل الكثير من العوامل، التي تتعلق بالبيئة المحيطة، وشخصية الفرد، والطبيعية الحيوية الوراثية الخاصة به في تطور هذه الاضطرابات وحدوثها. ويمكن أن تتطور إلى حالات مهددة للحياة تدفع بالشخص نحو الانتحار أو أذية نفسه في حال إهمالها وعدم متابعتها وعلاجها.

ونتيجة للتعقيد والتشعب الذي تتصف به الاضطرابات النفسية، يستغرق علاجها الكثير من الوقت، والمتابعة المتخصصة من قبل أطباء أخصائيين، وتطبيق علاجات نوعية ودوائية خاصة، لا يمكن للشخص بمفرده تطبيقها. نستعرض في هذا المقال تعريف الاضطرابات النفسية، وأنواعها، وأسبابها، والأهمية الحيوية للأطباء النفسيين في علاج الاضطراب النفسية.

ما هي الاضطرابات النفسية؟

يشير مصطلح الاضطرابات النفسية Psychological Disorders إلى مجموعة التغيرات العاطفية، والفكرية والسلوكية والمزاجية التي تصيب شخصًا ما، وتؤثر في رؤيته للواقع المحيط به، وفي التعامل مع الأشخاص المقربين منه والتواصل معهم. تظهر أعراض الاضطرابات النفسية على الشخص المصاب بها إما بشكل مستمر طوال الوقت، أو على صورة نوبات متعددة ناكسة، أو على صورة نوبة مفردة تظهر كل فترة معينة تحرّضها عوامل معينة.

تتنوع الاضطرابات النفسية كثيرًا من حيث شدة الأعراض، وأمد استمرارها، وتأثيرها على حياة الشخص المصاب بها وحياة الآخرين المحيطين به، وأيضًا على درجة مشاركته الفعالة في المجتمع والعمل.

قدرت دراسة لمنظمة الصحة العالمية في عام 2017 وجود ما يقارب 792 مليون شخص حول العالم مصاب بأحد الاضطرابات النفسية. تتضمن أشيع الاضطرابات النفسية انتشارًا حول العالم:

  • اضطراب الاكتئاب، الذي يعد أشيع الاضطرابات النفسية انتشارًا بتعداد إصابة يبلغ 294 مليون شخص حول العالم.
  • اضطراب القلق، الذي يصيب 284 مليون شخص.
  • اضطراب ثنائي القطب، الذي يصيب 46 مليون شخص.
  • الفصام، الذي يصيب 20 مليون شخص.
  • اضطرابات تناول الطعام، التي تصيب 16 مليون شخص.

أسباب الاضطرابات النفسية

تصيب الاضطرابات النفسية الفرد نتيجة تراكم تأثير مجموعة متنوعة من العوامل البيئية المحيطة به، والنفسية الخاصة، والحيوية الوراثية التي يمتلكها، ولا تنتج عن عامل واحد بسيط فقط. تتضمن أهم أسباب الاضطرابات النفسية:

  • العوامل الوراثية: أثبتت الكثير من الدراسات وجود علاقة وطيدة بين بعض الاضطرابات النفسية (مثل، الاكتئاب، واضطراب الكرب التالي للصدمة PTSD، والقلق) والجينات التي نرثها عن والدينا. إذ يعد امتلاك الشخص تاريخًا عائليًا من المرض النفسي عامل خطورة جدي ليطور الاضطراب النفسي ذاته أو غيره.
  • الأذية الدماغية والاضطرابات العصبية: ترتبط الأذيات العصبية الولادية والمكتسبة في بعض أجزاء الدماغ، والاضطرابات الكيميائية الحيوية في النواقل العصبية بين الخلايا الدماغية مع زيادة خطر حدوث بعض الاضطرابات النفسية. أيضًا ترتبط الإصابة ببعض الأخماج التي تسبب أذية عصبية عند الشخص المصاب مع زيادة خطر حدوث الاضطرابات النفسية، إذ ترتبط الإصابة بالاضطراب العصبي النفسي المناعي الذاتي الطفلي PANADS الناجم عن الإصابة بخمج جراثيم المكورات العنقودية الذهبية مع زيادة خطر الإصابة باضطراب الوسواس القهري OCD عند الأطفال.
  • الأذيات الجنينية في فترة ما قبل الولادة: يرتبط تعرض الجنين في فترة ما قبل الولادة للرضوض والشدة (مثل، نقص أكسجة الدماغ) مع زيادة خطر الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية مثل اضطرابات طيف التوحد.
  • العوامل النفسية الشخصية: يعد اختبار الشخص بعض الصدمات النفسية (مثل، الاعتداء الجسدي، أو الجنسي، أو العاطفي، أو الاستغلال، أو فقدان شخص مقرب جدًا) في فترة الطفولة خصوصًا أو في أي مرحلة من العمر عاملًا أساسيًا في تطور بعض الاضطرابات النفسية (مثل، اضطراب الكرب التالي للصدمة، والاكتئاب، والقلق).
  • العوامل البيئية: تلعب البيئة التي يعيش فيها الشخص دورًا محوريًا في الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية، إذ يعد امتلاك علاقات عائلية مضطربة، أو المرور بتجربة انفصال صعبة، أو وفاة شخص مقرب، أو امتلاك معايير مجتمعية غير واقعية (مثل التي تتعلق بالجمال، وشكل الجسد)، أو التغير المستمر في مكان العمل والدراسة، والشعور بالوحدة والتواصل الضعيف مع الأشخاص المحيطين والارتباط العاطفي الهش من أهم العوامل البيئية التي ترتبط بخطر الإصابة بالاضطرابات النفسية.

علاج الاضطرابات النفسية

يعد الدعم الذي تقدمه العائلة والأصدقاء في المنزل جزءًا لا يتجزأ من العلاج الذي يحتاجه المريض النفسي. لكن يبقى تشخيص الاضطرابات النفسية، وتقدير خطورتها، وتحديد أسبابها، ووضع خطة العلاج المناسبة لها، وتطبيقها ومتابعتها أمرًا يقوم به الطبيب النفسي المختص عبر إجراء الفحص الجسدي للمريض، والفحوص المخبرية النوعية، والتقييم النفسي المناسب. تتنوع العلاجات المستخدمة في تدبير الاضطرابات النفسية، من العلاجات الدوائية، والعلاجات النفسية، والعلاجات المحفزة للدماغ، بالإضافة إلى البرامج العلاجية الخاصة التي تستخدم مع الحالات الشديدة في المراكز العلاجية المتخصصة.

  • العلاج الدوائي: يعد العلاج الدوائي حجر الأساس في تدبير الاضطرابات النفسية، ولا يشفي العلاج الدوائي لوحده الحالة الطبية التي يعانيها المريض، إنما يكون الهدف منه تخفيف الأعراض والسيطرة عليها عند المريض بما يحسن نوعية الحياة، أيضًا تساعد الأدوية النفسية على تعزيز تأثير العلاجات الأخرى خاصة العلاج النفسي. تحتاج الأدوية النفسية إلى وصفة طبية يستطيع الطبيب النفسي وحده وصفها، وأيضًا تتحدد الأدوية الموصوفة بنوع الحالة الطبية التي يعانيها المريض، ودرجة استجابة جسده لهذه الأدوية. تتضمن أهم الأدوية النفسية الأدوية المضادة للاكتئاب، والمضادة للقلق، والمضادة للذهان، ومعدلات المزاج.
  •  العلاج النفسي Psychotherapy: يعتمد العلاج النفسي على التواصل الفعّال بين الطبيب النفسي والمريض في العيادة الخاصة، ويهدف إلى تحليل الحالة الطبية التي يعانيها المريض، ومساعدته على فهم أفكاره، ومشاعره، وسلوكياته ومعالجتها حتى يتصالح معها. يتضمن العلاج النفسي أيضًا تعليم المريض تقنيات وسلوكيات تساعده على ضبط مشاعره ومخاوفه وأفكاره في أوقات الشدة. يتفرع العلاج النفسي إلى أنواع عديدة، يساعد كل منها المريض بأسلوب معين، تتضمن أهم الأنواع: العلاج المعرفي السلوكي CBT، والعلاج السلوكي الجدلي DBT، والتحليل النفسي.

العلاجات المحفزة للدماغ: تستخدم العلاجات المحفزة للدماغ في الحالات الشديدة من الاكتئاب وبعض الاضطرابات النفسية الأخرى التي لم تستجب للعلاج الدوائي أو العلاج النفسي. وتتضمن أهم الأنواع العلاج بالتخليج الكهربائي، والتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة المتكرر، والتحفيز العميق للدماغ، وتنبيه العصب المبهم.

تطبيق لبيه