الاضطرابات النفسية

يشير مصطلح الاضطرابات النفسية إلى مجموعة واسعة من الحالات التي تؤثر على أداء الفرد وحياته الاجتماعية والعملية. لا يوجد تفسير حاسم لجميع الاضطرابات النفسية، وقد تشارك عدة آليات في إحداث اضطراب واحد. ولكن بشكل عام، يوجد ثلاثة تفسيرات رئيسية: العضوية والنفسية الديناميكية والسلوكية. وفي مقالنا هذا، سنذكر الأسباب العضوية للاضطرابات النفسية.

آلية حدوث الاضطرابات النفسية وطرق تفسيرها

تتضمن الاضطرابات النفسية الشائعة: الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب واضطرابات القلق والخرف والفصام والتوحد. تظهر الاضطرابات النفسية المختلفة بأعراض وعلامات متنوعة. وبشكل عام، تؤثر هذه الاضطرابات على الأفكار والتصورات والعواطف والسلوك والعلاقات مع الآخرين.

تشمل التفسيرات العضوية للاضطرابات النفسية عادةً أسباب وراثية وكيميائية حيوية ومرضية عصبية. تعتمد دراسة الأسباب الجينية للاضطرابات النفسية على التحاليل المخبرية للجينوم البشري والتحليل الإحصائي لتكرار حدوث اضطراب معين بين الأفراد الذين يتشاركون في جيناتهم، أي أفراد الأسرة الواحدة وخاصةً التوائم. قارنت بعض الدراسات بين تواتر حدوث اضطراب نفسي لدى أقارب المريض ومعدل الحدوث لدى عموم السكان، ووجدت أن معدلات الحدوث لدى الأقارب أعلى، ما اقترح وجود عامل وراثي محتمل. في الدراسات التي أجريت على التوائم، قارن الباحثون بين تواتر حدوث الاضطراب لدى التوائم المتماثلة مع تواتره لدى التوائم المختلفة، ولاحظوا ارتفاعه بين التوائم المتماثلة، ما أشار لوجود مكون وراثي أيضًا.

الأسباب الوراثية للاضطرابات النفسية

أظهرت دراسات كهذه دورًا واضحًا للعوامل الوراثية في إحداث الفصام أو الشيزوفرينيا. فعند اكتشاف إصابة أحد الوالدين بهذا الاضطراب، يكون احتمال إصابة أطفال هذا الشخص بالفصام أعلى بنحو 10 مرات على الأقل مقارنةً بأطفال عموم الناس. وإذا كان كلا الوالدين مصابًا بالفصام، فإن احتمالية إصابة أطفالهما بهذا الاضطراب تتراوح من 35 إلى 65%. وفي التوائم المختلفة، إذا أصيب أحدهما بالفصام، فقد يطور الآخر الاضطراب بنسبة 12%، بينما في التوائم المتماثلة، إذا أصيب أحدهما به، سيكون احتمال تطوير الآخر له 40 إلى 50% على الأقل. مع ذلك، يبدو أن العوامل الوراثية تلعب دورًا أقل أهمية في إحداث الاضطرابات الذهانية والنفسية الأخرى.

أظهرت دراسات أخرى دورًا محتملًا للعوامل الوراثية في إحداث العديد من اضطرابات المزاج وبعض اضطرابات القلق. كذلك، أشارت الأبحاث إلى وجود العشرات من الاختلافات الجينية في بعض الاضطرابات النفسية، كالاضطرابات القهرية والاضطرابات النمائية العصبية باكرة البدء واضطرابات المزاج والذهان. تملك العديد من تلك الاختلافات تأثيرًا كبيرًا على الاضطرابات في هذه الفئات، وتعتبر أهدافًا علاجية واعدة.

إذا كان الاضطراب النفسي ناتجًا عن خلل كيميائي حيوي، فيجب أن يُظهر فحص الدماغ في الموقع الذي يحدث فيه الخلل شذوذات كيميائية عصبية. من الناحية العملية، يرتبط هذا النهج بصعوبات عملية ومنهجية وأخلاقية؛ إذ لا يمكن الوصول بسهولة إلى دماغ الإنسان الحي للفحص المباشر، ويخضع الدماغ الميت لتغيرات كيميائية لا يمكن الحكم عليها، ومن الصعب دراسة الاضطرابات النفسية البشرية باستخدام الحيوانات كنموذج؛ لعدم إصابة هذه الحيوانات بالمرض أو عدم قدرتنا على اكتشافه لديهم. على الرغم من هذه المشاكل، أحرز الباحثون تقدمًا في كشف الأسباب الكيميائية الحيوية لاضطرابات المزاج والفصام وبعض أنواع الخرف.

دور الأدوية في علاج أسباب الاضطرابات النفسية

أثبتت بعض الأدوية فائدتها في بعض الاضطرابات النفسية. يُعتقد أن الأدوية المضادة للاكتئاب والذهان والقلق تحقق نتائجها العلاجية بآليات متنوعة، سواء كان ذلك عبر التثبيط الانتقائي لبعض النواقل العصبية في الدماغ أو تفكيكها أو عبر تعزيز مستويات أو تأثيرات نواقل أخرى. تعرف النواقل العصبية على أنها مجموعة من العوامل الكيميائية التي تطلقها الخلايا العصبية لتحفيز الخلايا العصبية المجاورة، وبالتالي السماح للإشارة بالمرور من خلية إلى أخرى عبر الجهاز العصبي. تلعب النواقل العصبية دورًا رئيسيًا في نقل الإشارة العصبية عبر الشق المشبكي الموجود بين الخلايا العصبية. تنطلق هذه النواقل العصبية استجابةً للنشاط الكهربائي للخلية. يعتبر النورإيبينفرين والدوبامين والأسيتيل كولين والسيروتونين من النواقل العصبية الرئيسية. تثير بعض النواقل العصبية أو تنشط الخلايا العصبية، بينما يعمل البعض الآخر على تثبيطها. يُعتقد أن التركيزات المنخفضة أو العالية الشاذة من النواقل العصبية في مواقع معينة من الدماغ تغير الأنشطة المشبكية للخلايا العصبية، ما يؤدي في النهاية إلى اضطرابات المزاج أو العاطفة أو التفكير الموجودة في الاضطرابات النفسية المختلفة.

في الماضي، كشفت دراسات ما بعد الوفاة للدماغ معلومات استندت إليها النقلة النوعية في فهم مسببات الاضطرابات العصبية وبعض الاضطرابات النفسية، ما أدى إلى الافتراض الذي توصل إليه الطبيب النفسي الألماني فيلهلم غريسنغر: «كل الاضطرابات النفسية هي أمراض دماغية». فبعد تطبيق مبادئ علم الأمراض على الشلل الجزئي المنتشر في المستشفيات النفسية في أواخر القرن التاسع عشر، اكتشف الأطباء أنه ليس سوى شكل من أشكال الزهري العصبي، الذي يحدث نتيجة الإصابة ببكتيريا اللولبية الشاحبة.

أذيات الدماغ وعلاقتها بالاضطرابات النفسية

أعطى فحص أدمغة المرضى الذين يعانون من أشكال أخرى من الخرف معلومات مفيدة تتعلق بالأسباب الأخرى لهذه المتلازمة، كمرض آلزهايمر وتصلب الشرايين مثلًا. ساعدت معرفة التشوهات في مناطق معينة من الدماغ في فهم اختلال بعض الوظائف العقلية، كاضطرابات الذاكرة واضطرابات الكلام.

قد يؤدي تلف مناطق مختلفة من الدماغ إلى ظهور بعض الأعراض النفسية معينة. فقد يتجلى الضرر الذي يصيب الفص الجبهي للدماغ في اضطرابات السلوك، كفقدان الوازع وعدم اللباقة والتحدث المفرط. وقد تؤدي آفات الفص الجداري إلى صعوبات في الكلام واللغة أو في إدراك المسافة. قد تؤدي آفات الفص الصدغي إلى عدم الاستقرار العاطفي أو السلوك العدواني أو صعوبة تعلم معلومات جديدة. وقد يحدث الهذيان بشكل ثانوي للعديد من الحالات الجسدية الأخرى؛ كالتسمم ببعض الأدوية أو انسحابها، الاضطرابات الأيضية (كما في قصور الكبد أو انخفاض نسبة السكر في الدم)، الحالات الإنتانية كما في الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا، إصابات الرأس، أورام الدماغ، الصرع وسوء التغذية كنقص بعض الفيتامينات والمعادن. وما تزال الدراسات تبحث في أسباب العديد من الاضطرابات النفسية، ولغاية اليوم، لا يوجد سبب حاسم لكل مرض. تساعد معرفة الأسباب العضوية على تطوير علاجات مستهدفة لذلك؛ إن كان السبب قابلًا للعكس كليًا أو جزئيًا؛ كما في اضطراب مستويات النواقل العصبية مثلًا.

تطبيق لبيه