خلاصة غابور ماتيه

الكاتب: جهاد الأماسي

برز الدكتور غابور في السنوات القليلة الأخيرة كخبير في الصدمات وعلاج الإدمان واستمرت شعبيته بالنمو بشكل كبير. إذا نظرنا إلى سيرته الذاتية نجد أنه ليس بالمعالج النفسي ولا بالطبيب النفسي؛ فمالذي يجعله من أهم المتحدثين حاليًا في مجال الصحة النفسية؟ لماذا تلتفت الأنظار نحوه؟ ماذا يمكن أن نتعلم منه؟ وهل يمكن أن يكون مخطئًا في بعض الأشياء؟ 

كانت أول مصادفة لي لغابور ماتي في فيلم Wisdom of Trauma أو حكمة الصدمات، جذبني فيه تناوله لموضوع الإدمان من زاوية إنسانية متعاطفة حنونة قد لا تكون معتادة عند وجهات نظر وطرق علاجية أخرى عقابية أو تحذيرية ولا ترى في الإدمان سوى ضعف تحكم ذاتي أو عادة سيئة يجب تركها بكل بساطة. ما يجعل من غابور شخصًا استثنائيًا يجبر الشخص على الاستماع له باهتمام هو أنه يخبرنا أن الكثير مما نظنه خاطئ، بل خاطئ إلى درجة شنيعة، وله تبعات وعواقب كثيرة علينا وعلى مجتمعنا وأبنائنا، كما أنه يطرح العديد من الآراء الجريئة وغير المتوقعة، ويجبرنا على أن نعيد التفكير في الكثير مما كنا نظن أننا نعرفه.  

سأحاول أن ألخص النقاط التي يرتكز ويركز عليها غابور في جميع محاضراته، والتي هي مترابطة ببعضها ويقود كل منها إلى الآخر. أول نقطة يتحدث عنها دائمًا هي أن النظام الطبي الحالي مبني على الفصل بين صحة الجسد وصحة النفس. أي أن الطبيب، في الأغلب حسب رأيه، لا يهتم إلا باللحم والعظم أمامه، ولا يكترث ليسأل عن النفس؛ لأن لا علاقة لها بالأمراض الجسدية كما يعتقد. 

يقول مثلًا أن الطبيب لن يسأل امرأة تشكو من آلام المفاصل ما إذا كانت تعاني من ضغوط في أيامها الأخيرة. هذا برأيه من أكبر الأخطاء التي ما زالت مطبقة في مستشفياتنا، والتي تنعكس بالتالي على ثقافتنا وما نعرفه عن الأمراض وعلاجها. بحسب كلامه فلا وجود لفاصل بين العقل والجسد، ما يؤثر في العقل ينعكس على الجسد، والعكس صحيح. والأبحاث كما يقول بدأت تتراكم في إثبات أن ازدياد معدلات الضغوط النفسية والاضطهاد العرقي والفقر متزامن مع ارتفاع نسب الأمراض المناعية والغريبة والسرطانات بين الناس. ومن أجل ذلك علينا أن ندمج بين الصحة النفسية والجسدية، وعلينا أن نزيد التوعية بهذا الشأن، فالكثير من الأمراض الجسدية أسبابها نفسية، كما العكس صحيح أحيانًا. 

النقطة الثانية هي أن النظام الغربي بثقافته وقيمه نظام مختل يتسبب بمرض الإنسان ووحدته وسحقه. يقصد ذلك بدءًا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية إلى التربوية مع الأطفال أو حتى في تعامل الشخص مع نفسه. من يستمع لغابور يلحظ في كلامه النبرة المعادية للثقافة الغربية بشكل قد يبدو متحيزًا قليلًا، حيث أنه مقابل ذلك لا يكف عن الثناء على القبائل البدائية في أفريقيا أو الأصلية في الأمريكتين؛ لأنها أقرب إلى طبيعتنا الحقيقية برأيه؛ فالغربي يستعمر ويستبد ويخرب الطبيعة ويتنافس حتى الموت، وحتى في تربيته لأطفاله مخطئ ومدمر، بينما القبائل البدائية مسالمة وتعيش في تناغم مع الطبيعة وتتعلم منها، وفي تربيتها لأبنائها تطبق الغريزة البشرية الصحيحة في الاهتمام المستمر والتواصل اللمسي والعاطفي غير المتقطع. 

في العالم الغربي العوائل نووية مشتتة، بل في أحيان كثيرة تكون عوائل تعولها أمهات عزباوات، وهو ما يجعل عبء التربية ثقيلًا وصعبًا، ونتائج التقصير فيه وخيمة، بينما في القبائل البدائية والشعوب غير المتقدمة يعيش الناس في جماعات وعوائل ممتدة يغطي فيها شخص تقصير شخص آخر، ويكون فيها تعاون وتناغم مستمر بينهم.

النقطة الثالثة التي تعتمد عليها طريقة علاجه هي أن الإنسان برأيه يولد في الغالب صحيحا معافى، والبيئة السامة وطريقة التربية الخاطئة هما ما يمرضانه. ما يقصده بالمرض هنا هو أن نتعلم ألا نكون أنفسنا الأصيلة، أن نتعلم كبت مشاعرنا لظننا أنها غير مرغوبة، أننا غير مهمين، وهو ما يؤدي إلى الأمراض المناعية والسرطانات كما يقول. لذلك فإن حل المشاكل النفسية من اكتئاب وإدمان وغيرها، والمشاكل الجسدية من أمراض مختلفة، يكون في تحسين الظروف المعيشية والكثير من الحب والتقبل، لأن يحقق الشخص نفسه الأصيلة ويعبر عنها دون كبت. أما على صعيد التشافي الشخصي؛ فعلى المرء أن يحاول تحقيق ذاته الأصيلة، ويكون ذلك بألا يتجاهل مشاعره، أي ألا يتجاهل ما يقوله له جسده. 

فلو خاف عليه ألا يكبت خوفه؛ لأن للمشاعر طاقات قد تضر الجسم، والمشاعر موجودة حتى توصل لنا رسائل، حتى نستمع لها ونتيح لها المجال. أن يكون المرء نفسه أي أن يكون متمكنًا من رسم حدود، أن يعرف متى يقول لا، ألا يعتاد على المجاملة، ألا يحاول إرضاء من حوله على حساب نفسه، أن يقول لم يعجبني عما لم يعجبه، أن يقول رأيه دون خوف، وألا يضطر لأن يكذب. 

يتبع الإدمان بالنسبة له نفس منطق الانفصال عن النفس الأصيلة، حيث يتعرض الطفل لصدمة في صغره، والتي غالبا ما يفكر الناس بأنها حدث معين كاغتصاب أو تحرش أو غيرها، بينما يكون الأمر في كثير من الأحيان صدمة عدم حصول الطفل على ما يحتاجه، كحنان أو حب أو اهتمام أو لمس وحضن أو غيرها، مما يجعله ينفصل عن نفسه ويعيش ألم ذلك. الإدمان هو دائما برأيه هرب من الألم ومحاولة تسكينه، ولا علاج للإدمان إلا بالوصول إلى الصدمة ومداواتها، وإعادة اتصال المرء بنفسه الأصيلة المنسية. 

إذا أردنا أن نختصر جميع كلام غابور في تسلسل أسباب ونتائج فهو كالتالي: ثقافة غربية لا تفهم الإنسان نتج عنها تقدم طبي يفصل بين الجسد والعقل ويعالج النتيجة ولا ينظر إلى السبب. كما أنها فاشلة في التربية، تجعل الطفل يتعلم كيف يكبت مشاعره ولا يكون نفسه الأصيلة. فصل الطب يسبب النظر إلى المكان الخطأ لعلاج الأمراض، والتربية الخاطئة تسبب الانفصال عن النفس الأصيلة وكبت المشاعر، مما يسبب بدوره الأمراض والإدمان. ولحل الاثنين نحتاج لأن نعود إلى غريزتنا البشرية وحكمتنا القديمة المدفونة في عدم الفصل بين الجسد والنفس، وفي الاهتمام بصغارنا بحب غامر غير مشروط، وفي العلاقات الاجتماعية الداعمة والمحبة، وفي التوصل إلى أنفسنا الأصيلة والتصرف وفقها وإخراجها إلى النور. 

قد لا تكون الأبحاث الطبية والنفسية توافق جميع ما يقوله غابور، إلا أن النتائج الأولية تدعم رأيه، كما أن عدم توفر الدليل بعد لا يعني أنه خاطئ؛ ففي كثير من الأحيان تقود الخبرة الشخصية والملاحظة الطريق أولا، ثم تتبعها الأبحاث والدراسات. للرجل في كل الأحوال آراء ثورية واقتراحات تستحق التجربة والاهتمام، لكن حتى لم نأخذ منه إلا نصيحة أن نكون أنفسنا الأصيلة لكفانا. 

المراجع: 

  1. https://link.springer.com/article/10.1007/s10865-019-00120-6
  2. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3341916/
  3.  جابور ماتّيه والحقيقة الصادمة عن انفصال الذات وكيفية حدوث الصدمة
  4. https://drgabormate.com/culture-good-health/
222
للحصول على آخر المقالات

انضم إلى قائمتنا البريدية واحصل على آخر العروض وأحدث المقالات والأخبار

شارك المقال
انطباعك عن محتوى المقال
مفيد جدا
1
مفيد
2
عادي
-
لم أستفد
-
كيف تحسن مهارة اتخاذ القرارات لديك؟
المقال التالي

كيف تحسن مهارة اتخاذ القرارات لديك؟

ما أسباب الشعور الدائم بالحزن وكيف نتخلص منه؟
المقال السابق

ما أسباب الشعور الدائم بالحزن وكيف نتخلص منه؟

كاتب المقال
جهاد الأماسي المقالات : 3
مقالات ذات صلة
لماذا أشعر بالحزن بلا سبب ؟
لماذا أشعر بالحزن بلا سبب ؟
الوسواس القهري في الدين وأهم أسبابه وطرق علاجه
الوسواس القهري في الدين وأهم أسبابه وطرق علاجه
كيف أتخلص من التفكير الزائد والتشتت؟
كيف أتخلص من التفكير الزائد والتشتت؟
هل يمكن أن يحدث التوحد عند الكبار؟ وكيف يعالج؟
هل يمكن أن يحدث التوحد عند الكبار؟ وكيف يعالج؟
علاج المخاوف الوسواسية
علاج المخاوف الوسواسية
كيف تتخلص من إدمان العادة السرية؟
كيف تتخلص من إدمان العادة السرية؟
مشاهدة الأفلام الإباحية وأثرها على الصحة النفسية
مشاهدة الأفلام الإباحية وأثرها على الصحة النفسية
علاج الرهاب الاجتماعي وكيفية التخلص منه
علاج الرهاب الاجتماعي وكيفية التخلص منه
الشعور بالنقص
الشعور بالنقص
كيف تتخلص من جلد الذات؟ وكيف تتعامل معه بطريقة صحيحة؟
كيف تتخلص من جلد الذات؟ وكيف تتعامل معه بطريقة صحيحة؟
أهم طرق علاج المخاوف المرضية وأعراضها وأسباب الإصابة بها
أهم طرق علاج المخاوف المرضية وأعراضها وأسباب الإصابة بها
أطباء نفسيين معتمدين من وزارة الصحة السعودية عبر تطبيق لبيه
أطباء نفسيين معتمدين من وزارة الصحة السعودية عبر تطبيق لبيه
الرياضة وعلاقتها بالصحة النفسية
الرياضة وعلاقتها بالصحة النفسية
علاج الخوف والقلق بالأدوية والجلسات النفسية وأهم أسباب المشكلة
علاج الخوف والقلق بالأدوية والجلسات النفسية وأهم أسباب المشكلة
علامات هامة تشير إلى أنك تعاني من اليأس والإحباط، إياك أن تهملها
علامات هامة تشير إلى أنك تعاني من اليأس والإحباط، إياك أن تهملها