الاستشارة النفسية المبكرة

تحدث الكثيرون منذ القدم وخلال فترات متباعدة من الحضارة البشرية عن النفس البشرية والروح والعقل وتمنطقوا وتفلسفوا، فصدقهم البعض وكذبهم آخرون. ومع بداية القرن العشرين ترافقت تلك المحاولات مع تقدم الثورة العلمية والصناعيّة التي عملت على تأطير تلك الأفكار في إطارِ المنهج العلمي الدقيق، الذي أصبح معيارًا دقيقًا يحدد مدى قوة الأفكار وفعاليتها، كما تزايد الاهتمام بشكل كبير بالصّحة النفسية وأهمية الاستشارة النفسية المبكرة، بعد أن أثبتت الدراسات العلمية الموثقة مدى تأثير الصحة النفسية في تطور الدول والمجتمعات.

العدول عن الاستشارة النفسية المبكرة 

ككلّ الأفكار الخاطئة التي تنتشر مثل النار في الهشيم أصبحت تلك الفكرة مستقرة في أعماق الجمهور العربي، فهنالك الكثير من الأحكام المُسبقة التي تنطلق تلقائيًّا تجاه أولئك الذين يعانون من أزمات نفسية حتى لو كانت عابرة، فيُساء تقدير المواقف في أكثر الأحيان، ويعامل أولئك الأشخاص على أنهم غير مسؤولين وضعفاء أو غير واقعيين أو مُصابين بأحد أنواع السحر أو المس. نتيجة لذلك يعدل المريض في الكثير من الحالات عن زيارة الطبيب، ويلجأ بناء على الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها إلى السَّحرة والشيوخ والدجالين الذين عادة ما يزيدون سوء الحالة بشكل كبير.

كل تلك الأسباب إضافة إلى الظروف الاجتماعية والحياتية، وتكاليف الرعاية الصحية المرتفعة، والانخفاض الكبير في عدد مقدمي الرعاية النفسية أمام الأعداد الكبيرة للمرضى والأشخاص الذين يحتاجون لزيارة الطبيب أو الاستشاري، ما يحول دون تلقي محتاجي الرعاية للمساعدة التي يحتاجونها وقلة فرصهم في الحصول على الاستشارة النفسية المبكرة التي تقيّم وضعهم وتقودهم في رحلة التعافي.

والجدير بالذكر أن انخفاض عدد مقدمي الرعاية النفسية بشكل كبير، يجعل من المستحيل تطبيق بعض أساليب العلاج التي قد تحتاج إلى خطة عمل ووقت طويل، بل يجب أن تترافق مع أوضاع اجتماعية داعمة ومناسبة مثل: العلاج بالتحليل النفسي والعلاج المعرفي السلوكي، ما يضطر مقدم الرعاية إلى فرض العلاج الدوائي في غالبية الحالات، كونه يحتاج لوقت أقل مقارنة بأنواع العلاج الأخرى، وهذا يفقد الناس ثقتها بمقدمي الرعاية باعتبار أن الوصمة التي تلحق بالأدوية النفسية في المجتمع العربي لا تقل وطأة عن تلك التي تتعلق بالمرض بحد ذاته.

كما أنّ أولئك الذين يقررون أخيرًا اللجوء إلى المساعدة المختصّة، يكونون متأخرين إلى الحد الذي يجعل التدخل النفسي أكثر صعوبة، ورحلة التعافي أطول وتحتاج لصبر أكثر، وهذا ما يعود بنا إلى أهمية الاستشارة النفسية المبكرة، وضرورتها لتسهيل التدخل النفسي وجعل رحلة التعافي أوضح وأكثر بساطة. 

إحصائيات وزارة الصحة السعودية حول عدد مراكز تقديم خدمات الصحة النفسية

يبلغ عدد مستشفيات الصحة النفسية في المملكة 21 مستشفى، سعتها السريرية 4046 سريرًا، بالإضافة إلى 99 عيادة نفسية، و14 مستشفى متخصصًا تحت الإنشاء، وتعمل الوزارة على تنفيذ مبادرة لتهيئة المرافق الصحية في مستشفياتها لإنشاء أجنحة نوم للمرضى النفسيين في المستشفيات العامة والتخصصية ذات السعة السريرية أكثر من 100 سرير، بحدود 10% من السعة السريرية.

علامات تدل على الحاجة للعلاج النفسي

تتنوع العلامات والأعراض الدالة على حاجة المرء للعلاج النفسي، ومنها:

  • الشعور غير المبرر بالحزن.
  • التفكير المشوش.
  • ضعف القدرة على التركيز.
  • تغيرات مزاجية شديدة.
  • الشعور بالذنب.
  • الاعتذار من المناسبات الاجتماعية. 
  • الأوهام والانفصال عن الواقع.
  • تغيرات في عادات الأكل.
  • تعاطي الكحول والمخدرات.
  • الميل الشديد للغضب والعنف.
  • آلام في المعدة أو الظهر دون سبب مُبرر.

أهمية  الاستشارة المبكرة في علاج ومنع تطور الاضطراب النفسي 

دائمًا ما يؤكد استشاريو الصحة النفسية على أن الاستشارة النفسية المبكرة من قِبل الأخصائيين وأطباء الصحة النفسية، هي الخطوة الأكثر أهمية في طريق العلاج، حيث أنها تُجنب الشخص الدخول في متاهات المرض النفسي، الذي عادةً ما يتطور بشكل متسارع مع الزمن، لذا من المهم تحديد الوقت الذي يجب على الشخص أن يبادر فيه بزيارة الطبيب.

 لسوء الحظ فإنّ الأمراض النفسية متنوعة بشكل كبير وذات طبيعة مركبة و متفاوتة، ما يحول أمام وضع معايير بالغة الدقة، لتحديد توقيت الاستشارة النفسية المبكرة المناسب، ما استدعى من المختصين وعلماء النفس وضع معايير عامة قادرة على منح صاحبها إشارات واضحة بضرورة تلقي المساعدة الأخصائية.

على الرغم من أنّ الكثير من الحالات قد لا تكون على قدر كبير من السّوء وقد لا تستوجب تدخلًا دوائيًّا أو علاجًا نفسيًّا، إلا أنه من الجدير بالذكر أن “درهم وقاية خير من قنطار علاج”، علاوة على أن تعقيدات الحياة البشرية والضغوطات الكبيرة التي يعانيها الناس، خاصة في المنطقة العربية التي تتطلب الحصول على الاستشارة النفسية بشكل دوري لتحسين نوعية الحياة والمساعدة في التغلب على عقباتها.

من هنا تأتي أهمية مساهمة الحكومات والهيئات والمنظمات المتخصصة بالصحة النفسية، في التوعية المستمرّة بأهمية الاستشارة النفسية المبكرة ودورها كحجر أساس في عملية الحفاظ على صحّة الفرد النفسيّة، و بالتالي بناء مجتمع أكثر صحة وأقل مشاكل.

المصادر: 1234

تطبيق لبيه