التعلق-المرضي-والتعلق-الآمن-عند-البالغين

تعتمد النظريات التي تدرس التعلق عند البالغين على الدراسات التي أجريت على الأطفال بشكل أساسي، ويُعتقد عمومًا أن حدوث التعلق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمرحلة الطفولة، ويعتبر انعكاسًا لتعلم الطفل حاجته للآخرين، رغم كل ذلك توجد اختلافات هامة في موضوع التعلق عند الأطفال وعند البالغين.

الفرق بين التعلق عند الأطفال والتعلق عند البالغين

أظهرت دراسات Hazan and Shaver أن الاختلاف الرئيسي بين تعلق البالغين وتعلق الأطفال هو الأمان أولاً، إذ وجدت الدراسات أنه في العلاقات الرومانسية بين البالغين يوجد نسبة لا بأس بها يصفون علاقاتهم بأنها غير آمنه أو على الأقل تتضمن نوعًا من القلق، في حين أن الأمان هو الشرط الأساسي للتعلق عند الأطفال. ومن الاختلافات الأخرى أن الطفل في تعلقه مع الشخص الذي يعتني به يكون متأكدًا أنه سيجده دائمًا عند الحاجة إليه، وهذا ما لا يحصل في علاقات البالغين، وليس شرطًا ضروريًا فيها.

أما الأمر الأهم أنه في التعلق عند الأطفال يوجد طرف كالأب أو الأم أو كليهما معًا يتوقع منه أن يلعب دور المسؤول في العلاقة، وهو ما يصعب إيجاده دومًا في علاقات البالغين التي تعتمد على الطرفين معًا.

هناك ارتباط وثيق بين حوادث الطفولة والتعلق عند البالغين

شروط التعلق عند البالغين

يستند التعلق عند البالغين لمتطلبات وشروط عديدة ضرورية لنجاح العلاقات الرومانسية طويلة الأمد التي يطمح إليها الشركاء، وقد وضعت دراسة van IJzendoorn & Sagi ثلاث نقاط أساسية للتعلق عند البالغين:

  • القرب: مقدار ما يشعر به الأشخاص من عاطفة عندما يكونون بالقرب من الشخص الذي يشكل موضوع التعلق.
  • الاعتماد: مقدار الراحة التي يشعر بها الشخص عند اعتماده على الشريك أو الشخص الذي يشكل موضوع التعلق.
  • القلق: مقدار الخوف الذي يشعر به الشخص من رفض الآخر له أو بعده عنه.

وعلى نقيض ذلك فإن مضادات التعلق تم اختصارها من خلال دراسة  Mikulincer & Shaver بعنوانين عريضين هما الإبعاد والقلق:

الإبعاد

تعني النظرة السلبية للآخر ورفض التقرب منهم، وتتظاهر باستراتيجيات يقوم بها الشخص كالاعتماد الزائد على الذات، ورفض الاحتياجات التي تتأمن بحدوث العلاقة، تشتيت الانتباه عن أي حديث يدور عن العلاقات، وقد وجد أن الإبعاد سببه غالبًا الألم الناتج عن تجربة سابقة خلاصتها أن فشل العلاقة وانتهائها سيقود لاكتئاب ومعاناة.

قلق التعلق

وفيه تكون النظرة سلبية تجاه الذات، بسبب الخوف من الرفض وتتظاهر بأن الشخص يشعر أنه بحاجة لتغيير نفسه لينال القبول، وقد تتظاهر بتصرفات مبالغ بها لنيل الانتباه والاهتمام، ومنشأ هذه الحالة يعود لحوادث في الماضي أيضًا، إذ يتعلم الشخص أن التعبير المبالغ به عن الحاجة و جذب الانتباه سيؤمن التفات الآخرين إليه.

أظهرت دراسات حديث أن هذين العاملين (الإبعاد والقلق) كلما تواجدا في العلاقة كلما كان رضا الشريكين الرومانسيين عن علاقتهما أقل، ولوحظ أن الإبعاد هو الأشد تأثيرًا بشكل سلبي على العلاقة، إذ يعمد الطرف الذي يعاني من الإبعاد لمحاولات مستمرة يجعل العلاقة الرومانسية أقل أهمية من باقي أمور الحياة كالعمل مثلاً، ولوحظ أيضًا أنه ورغم أن القلق له تأثير سلبي أيضًا على العلاقة من حيث خوف الشخص بألا يكون جديراً بالآخر و بالتالي سيبادر بتصرفات مبالغ بها لإظهار الحاجة للمساعدة لضمان الآخر، لأن الآخر إن استطاع تأمين هذه الاحتياجات ستزداد نسبة السعادة في العلاقة وتمسك الشخص بموضوع التعلق القادر على استيعاب احتياجاته و الصبر عليها.

الأمر الآخر الذي تمت ملاحظته أنه عند خسارة الشخص الذي يتبع أسلوب الإبعاد لعلاقته فإنه يميل للتقليل من هذه الخسارة و يحاول عدم إظهار تأثره، وعلى عكس الشخص الذي يعاني من قلق التعلق، إذ أن خسارته للعلاقة يقوده بسهولة للاكتئاب والمعاناة. وعلى صعيد إنجاب الأطفال فإن كلا النمطين يتجنبان الحصول على أطفال وفي حال وجود أطفال فإن كلا النمطين يبتعد عن الأطفال، وبالتالي يخلق دوامة جديدة من مشاكل التعلق للأطفال الذين لن ينالوا العناية الكافية والاهتمام اللازم لنشوء موضوع تعلق خاص بهم تجاه الأب أو الأم في حال معاناة أحدهما من قلق التعلق أو الإبعاد، والغريب أنه كما عاش الاشخاص الذين يعانون من قلق التعلق فإن تعاملهم مع أطفالهم يوجه الأطفال نحو القيام بأفعال مماثلة من محاولات جلب الانتباه والتعاطف الزائد كي يُشعروا أهلهم بهم.

أخيراً فإن التعلق في مرحلة الطفولة يترك آثاره للتعلق في مرحلة البلوغ، إذ أن من عاش مرحلة تعلق سعيدة في طفولته يلاحظ أنه أفضل في تكوين علاقة رومنسية آمنة وطويلة الأمد، في حين أن الأطفال الذين عاشوا مرحلة من انعدام الأمن في الطفولة لغياب موضوع التعلق المناسب يكونون أكثر عرضة لحوادث الطلاق أو الإساءة لأطفالهم ولكن للعوامل الأخرى خاصة الشخصية ومقدار خضوع الشخص لعلاج نفسي أو لخضوع الزوجين لعلاج جماعي أو التجارب الشخصية التي صقلت حياة الفرد قد تؤدي بطفل عاش تجربة سيئة من التعلق بطفولته إلى إنسان ناجح في علاقته الرومانسية في المستقبل.

أنماط التعلق عند البالغين

تطورت النظريات التي تدرس موضوع التعلق عند البالغين في ثمانينات القرن الماضي على يد العالمين شيفر وهازان، وتم تحديد أربعة أنواع من التعلق عند البالغين (مشابهة تقريبًا لأنماط التعلق عند الأطفال):

  • تعلق آمن.
  • تعلق مضطرب غير آمن.
  • تعلق انطوائي غير آمن.
  • تعلق غير منتظم.

يمكن القول أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين التعلق عند البالغين والتعلق عند الأطفال، ويعتقد الباحثون أن التعلق غير المنتظم هو النمط الأكثر أهمية لأنه يشكل تقريبًا 80% من أنماط التعلق غير الآمن، في حين يشكل التعلق الآمن 15% فقط من أنماط التعلق عند البالغين والأطفال.

يجب الإشارة أيضًا إلى الميزات التالية في التعلق عند البالغين، إذ يميل البالغون مع علاقات تعلق آمن إلى تكوين أفكار إيجابية عن أنفسهم وعن العلاقة عمومًا، ويشعرون بالراحة والسعادة عند تحقيق التوازن بين نجاح العلاقة وحميميتها وبين الاستقلالية الشخصية عن الشريك، أما الأشخاص البالغون الذين يدخلون في علاقات تعلق مضطرب (غير آمن) فيميلون إلى محاولة تحقيق مستويات أعلى من الحميمية والاستجابة الكاملة من الشريك، ما يقود في النهاية إلى الاعتماد الكلي على الشريك، وإظهار درجات عالية من التعبير العاطفي والقلق والاندفاع.

درس باحثون جانبين رئيسيين في نظرية التعلق عند البالغين، وهما تنظيم واستقرار نماذج العمل الذهني التي تعتمد عليها أنماط التعلق المختلفة، والتي اكتشفها علماء النفس الاجتماعيين المهتمين بنظرية التعلق العاطفي لدراسة مقدار تأثير التعلق على سير العلاقات. يبدو أن تنظيم نماذج العمل الذهني أكثر أهمية لدراسة الحالة العقلية يتعلق بالتعلق، وعلى كل حال ما تزال هذه الدراسات في بدايتها، وهي بحاجة لمزيد من الأبحاث لتحديد العوامل والمؤثرات التي تحكم موضوع التعلق عند البالغين.

مصادر: 1 2

مشاركة المقالة