Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

الذاكرة المشوهة وتأثيرها على الحالة النفسية للفرد

عندما يستعيد الفرد الذكريات، أو يتذكر حدثًا من الماضي، تزداد حالته النفسية سوءًا، وليس بسبب الحدث نفسه، بل بسبب ذاكرة الفرد التي تعيد صياغة الحدث من الماضي بطريقة خاطئة، أو ربما تُصوِّر الموقف بطريقة خاطئة، ويرجع هذا لوجود الذاكرة المشوهة، وهنا لا يستطيع الفرد تمييز الحقيقة من الخيال، مما يترتب عليه أضرار نفسية جسيمة.

ما هي الذاكرة المشوهة؟

الذاكرة المشوهة، أو كما تُعرف بالذاكرة الكاذبة، هي ظاهرة تحدث عندما يتذكّر الفرد حدثًا أو تفاصيل بطريقة تختلف عن الواقع، أو حتى يتذكّر أمورًا لم تحدث أصلًا، لكنه يعتقد بأنها حقيقية.
وهنا لا يكون الخطأ في حالة الذاكرة أو استرجاع المعلومات، بل الخطأ في استرجاع معلومات خاطئة أو إدخال معلومات مغلوطة، فتُحوَّل الذكرى الأصلية بشكل مشوّه.
وعندما تُضاف معلومات خاطئة بعد وقوع الحدث، تُسمّى هذه الظاهرة بـ تأثير المعلومات الخاطئة، وهنا يدخل العقل في مرحلة من الإنكار وعدم التمييز بين الواقع الحقيقي وما تم روايته وتخزينه في الذاكرة.

ويُستخدم مصطلح متلازمة الذاكرة الكاذبة أحيانًا للإشارة إلى حالات معقدة يُعتقد فيها أن الشخص يعيش ذكريات خاطئة كواقع ويتعامل معها ومع حدوثها على أنه واقع مفروض.
وهناك عدة عمليات ذهنية تؤدي إلى تشويه الذاكرة أو تكوين ذكريات خاطئة، وربما تكون نتاج عوامل خارجية يتعرض لها الفرد، ولكن تُرسَّخ في ذهنه الأحداث بصورة خاطئة، مثل:
الإدخالات المضللة بعد الحدث: عندما يتم رواية أي حدث بصورة خاطئة لموقف كان الفرد متواجدًا فيه، يبدأ العقل بدمج الأفكار مع تشوش الذاكرة عن الحدث، وهنا تصبح الذكرى في حالة تشوش وتُروى بطريقة خاطئة.

الخلط في المصدر: عندما لا يستطيع الفرد الوصول لأصل المصدر الذي يسترجع منه الذكرى، ومن أين بدأت وكيف نشأت، يحدث تشوش في الاسترجاع.
التداخل: عند سماع معلومات جديدة أو إعادة صياغة الحدث بصورة مختلفة، يحدث تداخل داخل العقل بين الذكرى الأصلية وما يتم روايته في المستقبل.
التأثير العاطفي: المشاعر القوية (خوف، صدمة، حزن) قد تجعل التذكر أكثر تحيّزًا، أو تدفع الشخص لإضافة تفاصيل خاطئة لتعويض المشاعر عند الاسترجاع.

كيف تؤثر الأخبار الكاذبة على بناء الذاكرة المشوهة؟

عند البحث عن تفسيرات من أجل الذاكرة المشوهة وكيف تنشأ، كانت الأخبار الكاذبة هي الوسيلة الأسرع في تحفيز الذاكرة المشوهة، فهي عبارة عن معلومات خاطئة أو أحداث ليس لها وجود في الواقع، ولكن تتشابه مع الذكرى الأصلية، فتحدث تشوّهًا في العقل والاسترجاع.
بمعنى أن تتداخل الذكريات الجديدة مع ما نتذكّره عن أحداث معينة، فتُغيّر الذكرى أو تُضيف إليها تفاصيل لم تكن موجودة أصلًا، ومن شأنها أن تؤثر سلبًا أو إيجابًا على الفرد عند استرجاع المعلومات.

وبعض الأبحاث النفسية تشير إلى أن إعادة التصحيح، أو إقناع العقل بأن ما تم روايته ليس أحداثًا صحيحة، قد يصبح أمرًا في غاية الصعوبة بعد دخول الأحداث الجديدة في الذاكرة وإثارة اقتناع الفرد بأن ذلك هو ما حدث.

الأثر النفسي والاجتماعي للذاكرة المشوهة على الفرد

إن الذاكرة المشوهة تؤدي إلى تدمير الحالة النفسية للفرد، فهي تجعله في موضع الفاقد للهوية، ولا يستطيع تمييز الحقيقة من الكذب، وربما تتطور لدى الكثير من الأفراد وتتطلب التدخل العلاجي اللازم.

ومن أبرز التأثيرات التي تظهر على الفرد:

القلق والاكتئاب: عندما يؤمن الفرد بأن ذكريات مؤلمة حدثت بالفعل بالرغم من عدم صحتها، تسيطر عليه مشاعر الحزن والقلق التي تتطور إلى أعراض اكتئاب مزمنة مع الوقت.
الاضطراب في الهوية وتقدير الذات: الذكريات هي من تبني هوية الفرد وتشعره بأن له ماضيًا يعيش عليه، وتعتبر الجزء الأهم من حياة الفرد، وعند تضارب الذكريات وسيطرة الذاكرة المشوهة يحدث صراع داخلي لدى الفرد.

انعدام الأمان والثقة: إذا شك الفرد في دقة ذاكرته، فإنه يصبح في حالة شك وتردد من الاستعانة بذكرياته، مما يُضعف ثقته بنفسه.
اضطراب ما بعد الصدمة المزيف: في بعض الحالات، يمكن أن تتكوّن ذكريات صادمة ليس لها أساس فعلي، تُصيب الفرد بحالات ونوبات من الحزن، وربما صدمات نفسية كبيرة بسبب اعتقاده أنها حدثت بالفعل.
التأثير على العلاقات الاجتماعية: إذا تغيّرت الذكريات التي تربطك بأشخاص مقربين، أو شعرت بزعزعة في العلاقات بسبب الذاكرة والمعتقدات الخاطئة، قد تنشأ نزاعات، سوء تفاهم، أو فقدان ثقة بسبب ذكريات غير صحيحة تُسمّى أحداثًا سلبية.
المسار العلاجي: في بعض طرق العلاج المختلفة تُبنى على أساس استرجاع مواقف أو صدمات وتخيّلها للحد من أثرها النفسي، وعندما تكون تلك الذكريات مخزنة في الذاكرة المشوهة قد يؤدي ذلك إلى علاج خاطئ أو تحفيز لمعاناة.
المسائل القانونية والقضائية: في الشهادات القانونية، ذكريات الشهود قد تُشوَّه بفعل التوجيه أو وسائل الإعلام، مما قد يُسبب أحكامًا خاطئة أو نزاعات قانونية لعدم وضوح الذكريات بصورة سليمة.

كيف يمكننا الحد من خطر الذاكرة المشوهة والمعلومات الخاطئة؟

عندما تدرك أن هناك تزييفًا في الذكريات ومعلومات خاطئة تم تخزينها في الذاكرة، هناك بضع خطوات يمكنها مساعدة الفرد على تجنب الوقوع في فخ الذاكرة المشوهة واحتمال تشويه الذكريات:

التحقق من المصادر والمستندات:

عند تذكّر حدث ما، حاول الرجوع إلى المصادر التي حصلت منها على المعلومة، وتأكد من صحتها إذا كانت موثقة. هذا يُساعد في تأكيد التفاصيل أو تصحيحها إن وُجدت اختلافات.

التشاور مع الآخرين المشاركين في الحدث:

إذا كان الحدث مشتركًا مع أشخاص آخرين، يمكنك السماع لتفاصيل الحادث من أكثر من مصدر ومقارنتها بالذكرى الموجودة داخل عقلك. هذا يُساعد في كشف التفاصيل المغلوطة أو الأجزاء المشوّهة.

توعية النفس:

الخطوة الأولى هي الإيمان والمعرفة بأن ذاكرتك عرضة للتشويه، وربما تتأثر بما تسمعه من أحداث أو معلومات خاطئة تؤثر على استرجاع الذكريات لديك.

توثيق الذكريات مبكرًا:

بمجرد وقوع حادث قد يترك أثرًا لدى الفرد، حاول تدوين التفاصيل الممكنة وكل ما تتذكره في اللحظة الحالية، فهذا يمكن أن يقلل من تشويش الذكريات لاحقًا أو عندما تحاول استرجاع الذكرى بعد فترة طويلة.

التفكير النقدي:

عند سماع تفاصيل جديدة بعد الحدث، والشعور بتضارب تلك الذكريات، يجب البحث والتساؤل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ ما مصدرها؟ هل تناسب ما أتذكره؟ ثم مقارنتها بما يتذكره الفرد.

الحد من التعرض للمعلومات المضللة:

من خلال اختيار المصادر الموثوقة، وتجنب المصادر المشكوك في ثقتها، وحتى مراجعة الروايات المغلوطة التي ليس لها أساس من الصحة، والتأكد من الأخبار قبل تداولها في الذاكرة، يساعد ذلك على الحد من خطر الذاكرة المشوهة.

اللجوء إلى الدعم النفسي عند الشك:

إذا شككت أن لديك ذكريات مؤلمة قد تكون مشوهة، أو شعرت بصدمات نفسية لمواقف ليست موجودة، يمكن للعلاج النفسي مثل العلاج المعرفي السلوكي أن يساعد في فحص الذكريات وفهم أصلها، والتخلص من الذكريات المغلوطة والتعايش معها بشكل صحي.

الذاكرة ليست آلة ثابتة تحفظ الواقع بدقة، ويمكنها تضليل الفرد في مختلف الأوقات عند دخول معلومات أو ذكريات بصورة خاطئة. والذاكرة المشوهة تؤثر على صحتنا النفسية، و تزعزع ثقتنا بأنفسنا وبعالم الذكريات، لكن يمكننا الحماية منها عبر وعي نقدي، وتوثيق مبكر، مقارنة مع المصادر والمشاركين. والمعرفة بأن ذاكرتنا عرضة للخداع هي الخطوة الأولى نحو تجنّب الوقوع في فخ الذاكرة المشوهة.

المصادر: 1 2

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
153

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
-
Useful
-
Normal
-
Not useful
-
اتخاذ القرار … هل يمثل عبء أم نجاح للمديرين ؟
Next article

اتخاذ القرار … هل يمثل عبء أم نجاح للمديرين ؟

البصمات النفسية واكتشاف المرض النفسي
Previous article

البصمات النفسية واكتشاف المرض النفسي

كاتب المقال
فريق لبيه المقالات : 1011
Related articles
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
توهم المرض والتعامل معه
توهم المرض والتعامل معه
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟