Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

التنافر المعرفي

في حياة الإنسان اليومية، يواجه الفرد مواقف متكررة تتطلب منه اتخاذ قرارات أو إصدار أحكام، وغالبًا ما يكون القرار الصادر نابعًا من معتقدات وتفكير الشخص تجاه الأمور الحياتية المختلفة.
لكن ما يحدث أحيانًا هو أن تلك المعتقدات لا تتفق مع سلوكيات الفرد أو ردود فعله تجاه المواقف المختلفة، بل ربما يتعارضان مع بعضها البعض. هذه الحالة النفسية أطلق عليها عالم النفس ليون فستنجر مصطلح التنافر المعرفي، وهو واحد من أهم المفاهيم في علم النفس الاجتماعي.
والتنافر المعرفي ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو ظاهرة يومية نعيشها جميعًا في مواقف مختلفة من الحياة.
فقد تجد العديد من الأشخاص يقدمون النصائح حول العادات الضارة وهم يقومون بها. هذا التناقض يولّد حالة من الاضطراب النفسي، وتدفع الفرد للقيام بسلوكيات عكسية في بعض الأحيان، إما بتغيير معتقداته أو بمحاولة تبرير ردود أفعاله تجاه المواقف المختلفة.

ما هو التنافر المعرفي؟

يعرف التنافر المعرفي بأنه الشعور بالتوتر النفسي الذي ينشأ عندما يقع الفرد بين معتقداته وقيمه وسلوكياته المعتادة، والقيام بسلوكيات تناقض تلك المعتقدات. وهذا التوتر قد يكون بسيطًا ومؤقتًا، لكنه في بعض الأحيان يصبح مزمنًا ويؤثر على قرارات الفرد وصحته النفسية. وتصبح شخصية الفرد غير متزنة وفي موضع حيرة دائمة بين المعتقدات والتصرفات.
وأمثلة المواقف التي نتعرض لها يوميًا والتي تدل على وجود التنافر لدى جميع الأفراد مثيرة. فمثلًا:
شخص يعلم أن الأكل غير الصحي يؤدي إلى السمنة وأمراض مزمنة كثيرة وأضرار على مختلف أنظمة الجسم. ومع ذلك يتناول الطعام غير الصحي المليء بالدهون والسكريات بشكل متكرر.

طالب يؤمن بأهمية المذاكرة اليومية، والتنظيم، ووضع جدول للمذاكرة. ولكنه يؤجل دراسته حتى ليلة الامتحان، معللًا ذلك بضيق الوقت وكثرة الضغوطات الدراسية الواقعة عليه.
وغيرهم من كثير من الأمثلة التي تظهر التنافر في شخصية الأفراد، وأن الظاهر من الأفراد ليس كالباطن داخلهم.
وفي عام 1957، طرح فستنجر كتابه الشهير نظرية التنافر المعرفي، والذي يعد من أوائل من ناقشوا النظرية. وأوضح من خلال ذلك الكتاب أن الإنسان يسعى دائمًا لتحقيق الاتساق الداخلي بين أفكاره ومعتقداته وسلوكياته. وعندما يقع في مصيدة التناقض يشعر بالقلق. أي كفة يجب أن ترجح؟ كفة المعتقدات أم كفة التصرفات؟ فيبدأ في البحث عن حلول لتقليل هذا التوتر.

وبحسب فستنجر، هناك ثلاث طرق رئيسية للتعامل مع التنافر:

تغيير السلوك:

التوقف عن عادة سيئة يقوم بها الفرد ليتوافق ذلك مع قيمه ومبادئه في الحياة.

تغيير المعتقد:

إقناع النفس بأن المنطق أو التفكير خاطئ، وأنه ربما العادة المضرة لا تصبح مضرة إذا لم تتم ممارستها بكثرة.

إضافة مبررات جديدة:

الثبات بين الاعتقاد والقيام بالتصرف المنافي، ولكن مع وضع حلول ومبررات لهذا التصرف، والتي يمكن أن تكون مقبولة لدى البعض.

أهم الدراسات حول التنافر المعرفي

استطاع بعض العلماء الاهتمام بقضية التنافر المعرفي، فهي من أحد مسببات ضعف الشخصية وعدم القدرة على اتخاذ القرارات. واتجه بعض العلماء للقيام بالعديد من التجارب التي فسرت وناقشت هذه القضية. ومن أشهر تلك التجارب:

1- تجربة فستنجر و كارل سميث:

طلب الباحثان من مجموعة المشاركة في التجربة القيام بمهمة مملة، ثم دفعوا لبعضهم مبلغًا بسيطًا (دولار واحد)، ومجموعة أخرى مبلغًا أكبر. وطلب من الجميع إقناع الآخرين بأنها كانت تجربة ممتعة. وتجلى هنا منطق التنافر المعرفي في المجموعة التي تلقت المبلغ الأقل، فبالرغم من قناعاتهم بملل المهمة، إلا أنهم قاموا بتصرف عكس معتقداتهم على الرغم من أن الدافع لم يكن مغريًا لهذا الحد.

2- التنافر بعد اتخاذ القرار:

أظهرت هذه الدراسة أن الأشخاص عندما يختارون بين بديلين متقاربين في القيمة، فإنهم بعد الاختيار يقللون من قيمة البديل المرفوض ويرفعون من قيمة البديل المختار، لتقليل التنافر المعرفي الذي قد ينشأ من “الندم على الاختيار”.

3- التنافر والتبرير الذاتي:

أوضح العالم أرونسون أن التنافر يرتبط بصورة الفرد عن نفسه. وعندما يقوم الشخص بسلوك سيء يتنافى مع قيمه الأخلاقية، فإنه يبحث عن المبررات لذلك حتى لا يفقد الثقة بنفسه أو هويته.

آثار التنافر المعرفي على الصحة النفسية

لعل التنافر المعرفي من أحد الخصال السيئة التي تؤثر على صحة الفرد النفسية، وتجعله في حالة قلق وترقب مستمر مع فقدان الثقة بالذات. وتظهر علامات ذلك من خلال:

القلق والتوتر:

استمرار التعارض الداخلي يولّد حالة من الضغط النفسي المستمر، فالفرد يعيش حالة دائمة بين موازنة الوضع بين المعتقدات وما يقوم به من تصرفات، وأي جانب سيتغلب عليه. ومع الوقت، يصبح القلق والتوتر حالة مزمنة. حتى وإن كان الفرد يتصرف وفق معتقداته، فإنه يصل من القلق إلى حالة من الشك المستمر: هل التصرف كان صحيحًا أم لا؟ وهو ما يحتاج التدخل والمساعدة لاستعادة التوازن الفكري مرة أخرى.

الشعور بالذنب:

خاصة عندما يتعارض السلوك مع القيم الأخلاقية للشخص. يبدأ الشخص في جلد الذات وتحمل العواقب وعدم الرضا عن التصرفات، ويبدأ في زعزعة الثقة بالنفس. وربما مع الوقت يصل لحالة من إنكار واحتقار الذات، فهو في حالة تعارض دائم مع أخلاقياته ومعتقداته.

ضعف تقدير الذات:

التناقضات المتكررة تجعل الشخص يشعر بعدم الاتساق مع ذاته. والشعور بالذنب كما ذكرنا يؤدي لذلك، كما أنه يصل لمرحلة فقدان الهوية بين ما يعيشه من مبادئ وقيم، وبين ما يقوم به في المقابل من تصرفات تتنافى مع كل ذلك.

الاحتراق النفسي:

في بيئات العمل التي تجبر الأفراد على سلوكيات لا تتوافق مع قيمهم، قد يصل الأمر إلى الانهاك العاطفي والنفسي. والاحتراق النفسي هو من أهم أسباب تراجع الأداء الوظيفي، فيصبح الشخص في حالة من الإهمال التام للعمل وما يترتب عليه من عواقب.

استراتيجيات التعامل مع التنافر المعرفي

الوعي بالمشكلة: إدراك الفرد أنه يعاني من تخبطات في المشاعر بين معتقداته وما يقوم به من سلوكيات، وأنه يحتاج للتحكم في تلك المشاعر وموازنة التصرفات بين قيمه وما ينبغي أن يقوم به.

التقييم الذاتي:

مراجعة القيم والمعتقدات، وإلى أي مدى هي مهمة في الحياة، وكيف يمكن التأثير عليها وتطويعها من أجل التصرف بطريقة سليمة.

المرونة المعرفية:

قبول أن بعض التناقضات طبيعية، ومحاولة التأقلم والتكيف معها. فليست كل المعتقدات قابلة لأن تسوق الفرد في حياته بصورة كاملة، بل ينبغي التخلي عنها في بعض الأوقات ما لم يكن ذلك مضرًا للفرد.

تغيير السلوكيات تدريجيًا:

البدء في التقليل من العادات السيئة والتصرفات الخاطئة رويدًا رويدًا حتى لا يصاب الفرد بحالة من الانهيار أو الانتكاس. ويكون ذلك وفق معتقداته وقناعته حتى نضمن الاستمرارية في ذلك.

استخدام العلاج النفسي:

مثل العلاج المعرفي السلوكي الذي يساعد الأفراد على إدراك التناقضات وإعادة بناء معتقداتهم وسلوكياتهم بشكل متسق.

ولا يمكن إنكار أن التنافر يسبب التوتر والانزعاج، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يكون وسيلة للتغيير والتقدم عند التعامل معه بصورة أكثر وعيًا. فالإنسان الذي يستطيع مواجهة تناقضاته بصدق، والتغيير من معتقداته نحو الأفضل، والوصول لحالة من التوازن بين ما يعتقده وبين ما يسعى إليه.

المصادر: 1

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
192

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
-
Useful
-
Normal
-
Not useful
-
التسامي في علم النفس
Next article

التسامي في علم النفس

من التشتت إلى التركيز كيف تحسن من أداء المذاكرة
Previous article

من التشتت إلى التركيز كيف تحسن من أداء المذاكرة

كاتب المقال
فريق لبيه المقالات : 1011
Related articles
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
توهم المرض والتعامل معه
توهم المرض والتعامل معه
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟