هل كل الاضطرابات الذهانية نفسية ؟
مع تطور العلم الحديث، وتطور الاكتشافات عن الاضطرابات والأمراض النفسية، ظهرت مجموعة من الأمراض تُعرف بالاضطرابات الذهانية، وهي تُعتبر من أخطر الاضطرابات النفسية، حيث يتعايش فيها الفرد في مراحل من الهلاوس والأوهام، والتي تتطلب تلقي العلاج اللازم، واتباع أساليب مختلفة من التعامل مع هؤلاء الأفراد.
ما هي الاضطرابات الذهانية؟
يُستخدم مصطلح الذهان لوصف حالة من الاضطراب النفسي، والذي يعجز فيها الفرد عن التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، ويتعايش حالة من الانفصال عن الواقع المحيط به.
أما الاضطرابات الذهانية فهي فئة من الأمراض العقلية التي تتضمّن ظهور أعراض ذهانية مثل الهلاوس، والأوهام، والتفكير المضطرب، وتؤدّي إلى فقدان الاتصال بشكل أو بآخر بالواقع، ويتعايش الفرد داخل ما يتخيله من واقع غير افتراضي لا وجود له من الأساس.
كما أن الذهان ليس اضطرابًا واحدًا بذاته، بل هو مجموعة من الأعراض يمكن أن تظهر في سياقات مختلفة، منها اضطرابات نفسية، أو أسبَاب جسمية، أو نتيجة مواد أو أدوية تُستخدم لعلاج اضطرابات نفسية أخرى.
وقد تنتشر بعض الأعراض بين كل من يعانون من الذهان والاضطرابات الذهانية، والتي تسهّل التشخيص السليم لتلك الحالات، مثل:
أوهام: معتقدات ثابتة داخل عقل الفرد، ولكنها لا توجد على أرض الواقع، وليس لها أساس من الصحة، ولكن يؤمن الفرد بوجودها.
هلوسات: رؤية أشخاص أو أشياء، أو سماع أصوات، أو الشعور بأشياء غير موجودة حقيقيًا.
الكلام غير المنظم، السلوكيات غير المتناسبة مع المواقف، مشاكل في إدراك الفرد للواقع من حوله.
فقدان أو ضعف الاتصال الاجتماعي أو بالواقع، ضعف أداء المهام اليومية.
أشهر أنواع الاضطرابات الذهانية
تتفق معظم الاضطرابات الذهانية في الأعراض، ولكن قد تختلف حدتها من مرض لآخر، وقد تكون هناك أعراض مميزة لكل نوع من تلك الاضطرابات الذهانية، ومن أشهرها:
الفصام: من أشهر الاضطرابات الذهانية انتشارًا، تظهر فيه أعراض ذهانية مزمنة نسبيًا، ويتعايش الفرد فيه نوبات متكررة عند إهمال العلاج.
الاضطراب الفصامي العاطفي: يجمع بين أعراض الفصام و أعراض اضطرابات المزاج.
اضطراب ذهاني قصير الأمد: قد يكون أقل حدة من بين الاضطرابات الذهانية الأخرى، حيث يتميز بظهور أعراض ذهانية لفترة قصيرة، ثم تعود الحالة لوضعها الطبيعي عند تلقي العلاج المناسب.
اضطرابات ذهانية ناتجة عن أسباب جسميّة أو دوائيّة أو تعاطي مواد كيميائية، وهنا تظهر الأعراض الذهانية كجزء من مشكلة غير نفسية أصلًا، لذلك قد لا يكون العلاج النفسي هو خط الدفاع الأول لتلك الحالات.
ومع انتشار وتوسع الدراسات عن الاضطرابات الذهانية، يتمكن المختصون من تفرقة كل اضطراب، ومعرفة أسبابه وطرق التعامل التي تتناسب معه.
هل تُعتبر كل الاضطرابات الذهانية اضطرابات نفسية؟
السؤال هنا يحمل تفصيلًا مهمًا: وغالبًا نعم، لكن ليس دائمًا بشكل مطلق.
فهناك أسباب تجعلها تُصنف ضمن الاضطرابات النفسية، مثل:
كثير من الاضطرابات الذهانية تُدرج ضمن تصنيف “الأمراض النفسية”، وذلك لوجود أعراض نفسية واضطرابات في المزاج، تغيير في طرق التفكير والشعور، وما يترتب عليه من تصرفات في المواقف المختلفة، وتلك الحالات تستدعي تلقي علاج نفسي للسيطرة على الحالة، مثل الفصام.
مجموعة كبيرة من الذهان تنجم عن عوامل نفسية وعقلية، وتُعالج في مراكز الصحة النفسية عن طريق التداخل بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي.
تشابه التداخل الدوائي بين الاضطرابات الذهانية والاضطرابات النفسية، حيث تعمل جميعها بأساليب متشابهة، الغرض منها استعادة توازن الجسم، واستعادة التوازن بين النواقل العصبية المؤدية للاضطراب.
قد تنتج الاضطرابات الذهانية أيضًا نتيجة الصدمات والأخطاء في التعامل في فترات الطفولة، مثلها كمثل الاضطرابات النفسية الأخرى.
ولكن بعض الدراسات أوضحت أسبابًا تُشير إلى أنها ليست دائمًا “اضطرابًا نفسيًا مؤكدًا”:
حيث يمكن أن يظهر الذهان نتيجة أسباب جسميّة مثل أورام الدماغ، اضطرابات الغدد، أو نتيجة الأدوية أو المخدّرات أو الصدمات الجسدية، وهنا لا يحدث تدخل للعوامل النفسية في الإصابة بالاضطراب.
عندما تكون الحالة ناتجة عن سبب خارجي أو مؤقّت، مثل الاضطراب قصير المدى، يُقال إنّها “ذهان ثانوي” أو “ذهان ناتج عن عامل طبي أو تعاطي”، وسيتم الشفاء منه بتلقي العلاج المناسب، لذلك لا يُعتبر مثل الاضطرابات النفسية المزمنة، فهي تختفي عندما يُعالج السبب الجسمي أو يُوقف الدواء، ما يجعلها مختلفة عن “الاضطراب النفسي المزمن”.
لذلك يمكن القول إنّ “جميع الاضطرابات الذهانية تقريبًا تُعد ضمن نطاق الصحة النفسية والطب النفسي”، لأنها تؤثّر في العقل، وطرق التفكير، وإدراك الفرد للواقع من حوله، وانعكاس ذلك على سلوكياته في الحياة.
لكن ليست كلّها اضطرابات نفسية أصيلة، فبعضها عرضٌ لحالة طبية أو دوائيّة أو جسمية، لذا لا يُمكن القول “كل الاضطرابات الذهانية هي اضطرابات نفسية” بلا استثناء.
ما هي الحلول للتعامل مع الاضطرابات الذهانية؟
التعامل مع تلك الاضطرابات يشمل ثلاث محاور أساسية، تساعد في السيطرة على الأفراد، وتزيد من قدرتهم على الاندماج داخل المجتمع مرة أخرى:
التشخيص المبكر
عند ظهور أعراض ذهانية مثل الأوهام أو الهلاوس أو التفكير غير المنطقي، من المهم مراجعة طبيب نفسي أو طبيب مختص فورًا قبل تفاقم الأعراض.
يجب استبعاد الأسباب الجسميّة مثل التعرض لإصابة حديثة في المخ، أو الإضطرابات الهرمونية، واضطرابات الغدة، أو تعاطي مواد مخدرة أو أدوية تؤثر على كيمياء المخ قبل اللجوء للفحوصات.
وكلما بدأ العلاج بطريقة مبكرة، زادت الفرصة في التحكم في المرض وتقليل المضاعفات الناتجة منه.
العلاج الدوائي والنفسي
الأدوية: تُستخدم مضادات الذهان كأحد الركائز الأساسية لعلاج الاضطرابات الذهانية، ولكن تحت إشراف الطبيب، والتعامل معها بحذر لما لها من أضرار جانبية أخرى.
العلاج النفسي: مثل العلاج المعرفي-السلوكي، العلاج الأسري، ودعم المهارات الاجتماعية، كلها طرق ووسائل تساعد في إعادة الفرد للواقع المحيط به، والتأقلم مع الواقع مرة أخرى لمنع حدوث انتكاسات.
تقديم الدعم الشامل، وبرامج إعادة التأهيل التي تساعد الفرد على العودة تدريجيًا للحياة اليومية والمهنية.
مراكز متخصصة ورعاية متعددة التخصصات تحقق نتائج أفضل.
المتابعة والدعم المجتمعي
المريض يحتاج متابعة منتظمة لتقييم الخطط العلاجية الموضوعة، ومتابعة الآثار الجانبية من العلاج الدوائي.
الدعم من الأسرة والمجتمع مهم جدًا، والتوعية للآخرين ضرورية لتقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بهذه الحالات، وعدم وصفهم بالجنون لوجود أوهام وهلاوس تفصلهم عن الواقع.
التعامل السليم مع وجود نوبة ذهانية، وكلما كان العلاج بطريقة أسرع، يُدرج ضمن “خدمات التدخّل المبكر” التي تُحسّن نتائج العلاج بشكل كبير.
نمط حياة صحي: النوم الكافي، تجنّب المخدّرات، التغذية السليمة، النشاط البدني، كل ذلك يُساعد في الوقاية من التدهور.
لذلك تحمل هذه الاضطرابات أهمية خاصة، لأنها تؤثّر بشدة في الواقع اليومي للشخص، من حيث العمل، والعلاقات، والسلامة الشخصية، وهي في الحالات الأعم تكون مرضًا مزمنًا يحتاج للتحكم فيه، واتباع الأساليب العلاجية المناسبة، وعدم التأخر أو الإهمال في العلاج تجنبًا لما له من آثار نفسية جسيمة، والفهم الخاطئ أو الوصمة المجتمعية قد تمنع المريض أو الأسرة من طلب الدعم أو العلاج، وهنا يكون عدم تلقي العلاج أخطر من المرض في حد ذاته.
الاضطرابات الذهانية هي فئة من الحالات التي تتضمّن فقدان الشخص الإحساس بالواقع من حوله، وتعد ضمنيًا من فئة الاضطرابات النفسية والعقلية التي تحتاج خططًا علاجية مناسبة في غالبية الحالات، لكنها ليست دائمًا “اضطرابًا نفسيًا مزمنًا” بالمعنى الحصري، إذ قد تكون ناتجة عن سبب جسمي أو دوائي أو مؤقت.
لذلك، فهم هذه الاضطرابات بصورة سليمة، ومعرفة أنها قابلة للتعامل والعلاج، هو الجزء الأهم من إدراك المرض، وإدراك الطريق المناسب للشفاء.




































