Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

«أنا بخير»، أم أنني اعتدتُ أن أبدو بخير؟

قراءة نفسية في الجملة التي نخفي خلفها الكثير

«كيف حالك؟»

سؤال بسيط نسمعه عشرات المرات، وفي الغالب لا نحتاج إلى التفكير طويلًا قبل أن نجيب:

«أنا بخير.»

لكن هل نتوقف أحيانًا لنسأل أنفسنا: هل أنا بخير فعلًا؟ أم أن هذه الجملة أصبحت استجابة تلقائية، نستخدمها لأننا اعتدنا عليها، ولأنها الإجابة الأسهل والأكثر أمانًا اجتماعيًا؟

الحقيقة أن عبارة «أنا بخير» لا تحمل معنى واحدًا؛ قد تكون وصفًا صادقًا لحالتنا، وقد تكون تعبيرًا عن الخصوصية، وقد تكون محاولة لإنهاء الحديث، وقد تكون أحيانًا انعكاسًا لحقيقة أكثر تعقيدًا: أننا لا نعرف أصلًا كيف نصف ما نشعر به.

وهنا تبدأ الحكاية.

أحيانًا لا نكذب، نحن فقط لا نعرف كيف نشرح

ليس كل شخص يقول «أنا بخير» وهو يشعر بالتعب يحاول إخفاء الحقيقة عمدًا. أحيانًا لا تكون المشكلة في عدم الرغبة في الحديث، بل في صعوبة الوصول إلى الكلمات التي تصف التجربة الداخلية.

قد يشعر الإنسان بثقل، أو توتر، أو ضيق، أو فراغ، لكنه لا يستطيع أن يحدد: هل هو حزن؟ قلق؟ إرهاق؟ خوف؟ خيبة؟ أم مزيج من مشاعر عدة؟

وفي علم النفس، توجد ظاهرة مدروسة تُعرف بـ الألكسيثيميا (Alexithymia)، وترتبط بصعوبة التعرف على المشاعر ووصفها وتمييزها عن بعض الأحاسيس الجسدية المرتبطة بالانفعال. لكنها ليست تشخيصًا يمكن إطلاقه على أي شخص يجد صعوبة في الإجابة عن سؤال «كيف حالك؟»، بل هي مفهوم نفسي محدد تمت دراسته بأدوات ومقاييس علمية (PubMed Central – PMC).

ولهذا قد يكون السؤال أحيانًا أصعب مما يبدو: «كيف تشعر؟» لأن الإجابة تتطلب أولًا أن نعرف ما الذي نشعر به.

«أنا بخير» قد تكون أحيانًا طريقة لحماية الذات

هناك أوقات لا نكون فيها مستعدين للحديث. ليس كل شخص يسألنا «كيف حالك؟» شخصًا نثق به بما يكفي لنكشف أمامه ما يحدث بداخلنا.

وقد لا يكون المكان مناسبًا، وقد لا يكون الوقت مناسبًا، وقد لا نملك الطاقة اللازمة للدخول في تفاصيل طويلة. في هذه الحالات، يمكن أن تكون عبارة «أنا بخير» حدًا شخصيًا مشروعًا؛ فالخصوصية ليست مشكلة، وليس مطلوبًا من الإنسان أن يحول كل مشاعره إلى معلومات متاحة للآخرين.

يمكن أن نقول:

  • «أفضل ألا أتكلم عن الموضوع الآن.»
  • «أنا أمر بيوم صعب، لكن لا أريد الحديث عنه حاليًا.»

وهذا مختلف عن أن يشعر الإنسان بأنه ممنوع من الاعتراف بمشاعره حتى أمام نفسه.

هناك فرق بين الخصوصية والكتمان

Privacy تعني: «هذا الجزء من حياتي أختار ألا أشاركه الآن.»، أما الكتمان فقد يصبح أقرب إلى: «لا أستطيع أن أسمح لنفسي حتى بالاعتراف بما يحدث.»

وهذا الفرق مهم؛ لأن التعبير عن المشاعر لا يعني بالضرورة أن نخبر الجميع بكل شيء، بل قد يكون التعبير مجرد أن نسمي الشعور بيننا وبين أنفسنا:

  • «أنا حزين.»
  • «أنا خائف.»
  • «أنا أشعر بالضغط.»
  • «أنا خائب الأمل.»
  • «أنا أحتاج إلى الدعم.»

إن القدرة على التعرف على المشاعر وتسميتها جزء من الوعي الانفعالي، وتوجد أدلة بحثية تربط صعوبات التعرف على المشاعر ووصفها بعمليات مختلفة في معالجة الانفعال وتنظيمه (PubMed Central – PMC).

وأحيانًا، تكون أول خطوة في التعامل مع الشعور هي ببساطة: أن نعرف اسمه.

لماذا يصبح «أنا بخير» ردًا تلقائيًا؟

لأن الإنسان يتعلم من بيئته كيف يتعامل مع مشاعره. قد يتعلم بعضنا أن البكاء ضعف، أو أن الشكوى إزعاج، أو أن طلب المساعدة دليل على العجز، أو أن الشخص القوي هو الذي يتحمل بصمت. ومع تكرار هذه الرسائل، قد يصبح إخفاء المشاعر وسيلة معتادة للتعامل معها.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: تنظيم المشاعر لا يعني قمعها.

هناك فرق بين أن أشعر بمشاعر قوية وأحاول التعامل معها بطريقة مناسبة، وبين أن أتعلم أنني يجب ألا أُظهر أي مشاعر مهما كانت.

وتشير مراجعة منهجية لدراسات التصوير العصبي إلى أن كبت التعبير الانفعالي (expressive suppression) يرتبط بعمليات عصبية مختلفة، وأن تأثيره يعتمد على السياق وطريقة استخدامه؛ لذلك لا يصح اختزاله في فكرة بسيطة مثل «إخفاء المشاعر سيئ دائمًا» (PubMed).

المهم هو: هل أختار عدم التعبير لأن ذلك مناسب لي الآن؟ أم أنني أشعر أنني لا أملك خيارًا آخر؟

القوة ليست أن تبدو بخير طوال الوقت

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف القوة. الشخص القوي ليس بالضرورة الشخص الذي لا يبكي، وليس الشخص الذي لا يحتاج إلى أحد، وليس الشخص الذي يستطيع تحمل كل شيء وحده.

قد تكون القوة أحيانًا في أن تقول:

  • «أنا متعب.»
  • «لا أعرف ماذا أفعل.»
  • «أحتاج إلى مساعدة.»

فالاعتراف بالحاجة لا يلغي الاستقلالية، كما أن طلب الدعم لا يعني بالضرورة العجز؛ بل إن القدرة على ملاحظة ما نحتاج إليه والتصرف بناءً عليه يمكن أن تكون جزءًا من التعامل الصحي مع التجربة الانفعالية.

وقد نكون قادرين على الاستمرار، دون أن نكون بخير

هذه نقطة مهمة جدًا. القدرة على الذهاب إلى العمل، والدراسة، والقيام بالمسؤوليات، والضحك مع الآخرين، لا تعني بالضرورة أن الإنسان لا يعاني.

لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نقع في الطرف الآخر ونفترض أن كل شخص يبدو سعيدًا يخفي معاناة. لا يمكننا معرفة الحياة الداخلية لشخص من مظهره وحده، ولهذا نحتاج إلى التعاطف بدل الافتراض.

  • قد يكون الشخص الذي أمامنا بخير فعلًا.
  • وقد يكون متعبًا.
  • وقد يكون بين الاثنين.

والطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هي أن نمنحه مساحة آمنة إذا أراد الحديث.

«أنا بخير» ليست المشكلة، عندما تكون اختيارًا

ليس الهدف أن نتوقف عن قول «أنا بخير»؛ فقد نكون بخير فعلًا، وقد يكون السؤال مجرد تحية اجتماعية عابرة، وقد لا نرغب في مشاركة تفاصيلنا، كل ذلك طبيعي.

المشكلة تبدأ عندما تصبح العبارة القناع الوحيد الذي نعرف كيف نرتديه، عندما لا نستطيع أن نقول لأنفسنا:

  • «أنا لست بخير اليوم.»
  • «هذا الشيء أثر فيّ أكثر مما توقعت.»
  • «أنا أحتاج إلى أحد.»
  • أو حتى: «لا أعرف ماذا أشعر.»

هنا يصبح من المفيد أن نتوقف قليلًا؛ ليس لكي نبحث عن مشكلة في أنفسنا، بل لكي نمنح أنفسنا فرصة لفهمها.

جرب أن تسأل نفسك قبل أن تجيب

في المرة القادمة التي يسألك فيها أحد: «كيف حالك؟» خذ لحظة قصيرة قبل الإجابة، واسأل نفسك:

  1. ماذا أشعر الآن؟
  2. ما الذي تسبب في هذا الشعور؟
  3. ماذا أحتاج؟ (هل أحتاج إلى الراحة؟ إلى الحديث؟ إلى وضع حدود؟ إلى دعم من شخص أثق به؟ أم أنني فقط أمر بيوم عادي لا يحتاج إلى تحليل؟)

ليس الهدف أن نفحص كل شعور وكأنه مشكلة، الهدف أن نكون أكثر وعيًا بما يحدث بداخلنا.

وأحيانًا تكون الإجابة الأكثر صدقًا: «لا أعرف»

نحن نضغط على أنفسنا أحيانًا لنملك إجابة واضحة لكل شيء، لكن المشاعر ليست دائمًا واضحة وقد نحتاج إلى وقت حتى نفهمها.

لذلك:

  • «لا أعرف» إجابة مقبولة.
  • «أحتاج وقتًا» إجابة مقبولة.
  • «لا أريد الحديث الآن» إجابة مقبولة.
  • وحتى «أنا بخير» إجابة مقبولة… إذا كانت تعبّر فعلًا عما نختاره ونشعر به.

وفي النهاية:

ربما لا نحتاج إلى أن نتوقف عن قول «أنا بخير»، بل نحتاج إلى أن نتأكد أننا عندما نقولها، نكون قادرين أيضًا على قول شيء آخر عندما لا نكون بخير.

أن نمتلك مساحة داخلية نستطيع فيها الاعتراف بالحزن دون أن نخجل منه، وبالخوف دون أن نعتبره ضعفًا، وبالتعب دون أن نشعر أننا فشلنا، وبالحاجة إلى الآخرين دون أن نعتقد أننا أصبحنا عبئًا.

لأن الصحة النفسية لا تعني أن نشعر بالسعادة طوال الوقت، ولا تعني أن نتخلص من كل مشاعرنا الصعبة، بل أن نمتلك قدرًا أكبر من الوعي بما نشعر به، وأن نستطيع التعامل معه بطريقة مناسبة، وأن نعرف متى نحتاج إلى دعم الآخرين أو إلى مساعدة متخصصة.

لذلك، في المرة القادمة التي تسأل فيها نفسك: «هل أنا بخير؟» لا تبحث عن الإجابة التي تبدو أجمل، ابحث عن الإجابة الأكثر صدقًا؛ فقد تكون:

  • «أنا بخير.»
  • «لست بخير اليوم.»
  • «لا أعرف بعد… لكنني بدأت أفهم نفسي.»

وأحيانًا، تكون هذه الأخيرة بداية مهمة جدًا.

بقلم الأخصائية النفسية: روان إبراهيم

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
546

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
1
Useful
-
Normal
-
Not useful
2
رحلة من الاستنزاف المهني إلى الاستقرار النفسي
Next article

رحلة من الاستنزاف المهني إلى الاستقرار النفسي

كاتب المقال
روان ابراهيم المقالات : 6
أخصائي نفسي حاصلة على درجة البكالوريوس في علم النفس من الجامعة الأردنية
Related articles
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟
كيف يمكن علاج القلق الاجتماعي عند المراهقين؟
كيف يمكن علاج القلق الاجتماعي عند المراهقين؟
اختبار متلازمة جوسكا ما هي مراحل هذه المتلازمة؟
اختبار متلازمة جوسكا ما هي مراحل هذه المتلازمة؟
نظرية العلاج العقلاني الانفعالي 
نظرية العلاج العقلاني الانفعالي 
أفضل أطباء نفسيين لعلاج الاكتئاب في تطبيق لبيه
أفضل أطباء نفسيين لعلاج الاكتئاب في تطبيق لبيه
<strong>كيف أخطط أهدافي بتوازن؟</strong>
كيف أخطط أهدافي بتوازن؟
في اليوم العالمي للصحة النفسية … مشاهير اعترفوا بأسرارهم 
في اليوم العالمي للصحة النفسية … مشاهير اعترفوا بأسرارهم 
رحلة من الاستنزاف المهني إلى الاستقرار النفسي
رحلة من الاستنزاف المهني إلى الاستقرار النفسي
اختبار الغيرة .. كيف تعرف انك مصاب بالغيرة؟
اختبار الغيرة .. كيف تعرف انك مصاب بالغيرة؟
أفضل أطباء نفسيين لعلاج القلق في تطبيق لبيه
أفضل أطباء نفسيين لعلاج القلق في تطبيق لبيه
التفريغ الانفعالي … ما هو وما تأثيره علي الرفاه النفسي ؟
التفريغ الانفعالي … ما هو وما تأثيره علي الرفاه النفسي ؟
لماذا عليك التخلص من الشخصيات السامة حولك؟
لماذا عليك التخلص من الشخصيات السامة حولك؟