الاضطرابات النفسية شائعة جدًا، ويمكن أن تصيب أي شخص بأي عمر، إذ تُقدر الجمعية الأمريكية للطب النفسي أن واحدًا من بين كل أربعة أشخاص عانى من اضطراب أو مشكلة نفسية في مرحلةٍ ما من حياته. مع ذلك هناك أشخاصٌ أكثر عرضةً للإصابة بهذه الاضطرابات نتيجة عوامل بيئية أو بيولوجية أو وراثية أو عائلية، وسنتعرف في هذا المقال على أهم هذه العوامل وأكثر الأشخاص عرضةً للإصابة بالاضطرابات والمشاكل النفسية المختلفة.

كيف يمكن تحديد العوامل المؤهبة للإصابة بالاضطرابات النفسية؟

لا تتأثر الصحة النفسية بالسمات والسلوكيات الفردية فحسب، بل تتأثر أيضًا بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والعائلية والعوامل البيئية المتنوعة:

  • السمات والسلوكيات الفردية: ترتبط هذه السلوكيات بطبيعة الشخص وقدراته المكتسبة على التعامل مع الأفكار والمشاعر ومواقف الحياة اليومية (الذكاء العاطفي)، فضلًا عن القدرة على التعامل مع المجتمع المحيط به من خلال المشاركة في النشاطات الاجتماعية أو تحمل المسؤوليات أو احترام آراء الآخرين (الذكاء الاجتماعي). ويمكن لحالة الفرد النفسية أن تتأثر أيضًا بالعوامل الوراثية والبيولوجية؛ أي المحددات التي يولد بها الشخص، مثل بعض الأمراض الجينية (متلازمة داون) أو الإعاقة الذهنية الناتجة عن نقص الأكسجة الولادي.
  • الظروف الاجتماعية والاقتصادية: تتأثر شخصية الفرد وتطور قدراته بمحيطه الاجتماعي المباشر، بما في ذلك قدرته على الانخراط بشكل إيجابي مع أفراد العائلة والأصدقاء وزملاء العمل والدراسة، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يجد نفسه فيها. ويمكن أن تؤثر هذه الظروف بشكل سلبي على الصحة النفسية وتؤهب للإصابة بعدد من الاضطرابات النفسية وأهمها القلق والاكتئاب. لقد أظهرت أكثر من دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 أهمية العامل الاقتصادي وتأثيره المباشر على الصحة النفسية.
  • العوامل البيئية: تؤثر البيئة الاجتماعية والثقافية على الحالة النفسية لكل من الفرد والأسرة والمجتمع، بما في ذلك مستويات الخدمات الصحية الأساسية والرفاهية الاجتماعية، بالإضافة لذلك، يعتبر التمييز وعدم المساواة الاجتماعية بين الجنسين من المؤثرات السلبية الرئيسية على الصحة النفسية.

من المهم التأكيد أيضًا أن كل العوامل السابقة تتفاعل مع بعضها البعض بطريقة ديناميكية تؤثر سلبيًا أو إيجابيًا على الحالة النفسية للفرد، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يزداد أو ينقص تقدير الذات اعتمادًا على الدعم الاجتماعي أو الأمن الاقتصادي، ولا يمكن بحال من الأحوال إهمال أي من هذه العوامل أو تجاهل دوره في حدوث الاضطرابات النفسية.

عوامل الخطورة للإصابة بالاضطرابات النفسية حسب الفئة العمرية

تحدث الاضطرابات النفسية في أي عمر، ويمكن أن يحدث التأثير الحقيقي لعوامل معينة التعرض لعوامل الخطورة في المراحل التكوينية بعد عدة سنوات أو حتى بعد عقود. يُفضل أغلب الخبراء دراسة العوامل المؤهبة للاضطرابات النفسية حسب الفئات العمرية وفق ما يلي:

الحمل والحياة الجنينية:

يمكن أن تتأثر الصحة النفسية بالعمل والظروف التي تحدث في المرحلة الجنينية أو حتى قبل الحمل. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي حالات الحمل في مرحلة المراهقة إلى زيادة احتمال حدوث سلوكيات محفوفة بالمخاطر أثناء الحمل أو مشاكل في الصحة النفسية للأم والطفل، وبالمثل، يمكن اعتبار سوء التكيف مع الحمل خطرًا محتملًا على صحة الطفل الجسدية والنفسية، وقد أثبتت الدراسات أن سوء التغذية وعوز بعض العناصر الأساسية (مثل نقص اليود) والسلوكيات الصحية الخطيرة أثناء الحمل مثل تدخين الأم تؤثر بشكل كبير على تطور دماغ الجنين.

مرحلة الطفولة المبكرة:

هناك مجموعة قوية من الأدلة تظهر أهمية ارتباط الطفل بأمه أو بمقدمي الرعاية الأساسية من أجل التطور الاجتماعي والعاطفي السليم، ويؤدي الانفصال عن مقدم الرعاية الأساسية إلى القلق والتوتر وانعدام الأمن. وبالمثل يمكن أن يؤدي اكتئاب ما بعد الولادة عند الأمهات الجدد إلى تأثر علاقة الأم والطفل، ويعد سوء المعاملة والإهمال وسوء التغذية والأمراض المعدية من عوامل الخطورة المهمة التي تؤثر على صحة الطفل النفسية وتطوره العقلي والعاطفي.

فترة الطفولة:

تعتبر فترة الطفولة أهم مرحلة في التكوين النفسي والعاطفي للإنسان، بالإضافة لتنمية مهاراته وتجاربه وأفكاره، فالتجارب السلبية داخل المنزل أو في المدرسة -مثل الصراع العائلي أو التنمر- لها تأثير سلبي على تطور هذه المهارات المعرفية العاطفية الأساسية. إنَّ دعم الأهل والحياة المنزلية الآمنة وبيئة التعلم الإيجابية في المدرسة تعد عوامل وقائية أساسية في حماية الصحة النفسية في هذه المرحلة الحساسة من العمر.

يمكن أن يؤدي التعرض لأحداث وعوامل معينة أثناء الطفولة مثل العنف المنزلي والتنمر الشديد أو فقدان الوالدين أو سوء المعاملة إلى مستويات خطيرة من الصدمة لها تأثير لا يُمحى من ذاكرة الشخص لبقية حياته، ومن الممكن أن تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يكبر فيها الطفل على الخيارات والفرص اللاحقة في مرحلة المراهقة والبلوغ. على سبيل المثال، قد ينظر الأطفال إلى ظروف السكن والمعيشة الفقيرة على أنها مخزية أو مهينة، ومن الممكن أن تُقلل من فرص التعليم الجيد والتفاعل الاجتماعي أو تزيد من التعرض للأمراض والإصابات، وإن انتقال الاضطرابات النفسية بين الأجيال هو نتيجة التفاعلات بين عوامل الخطر الجينية والبيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تحدث في وقت مبكر من العمر.

المراهقة:

تشكل المراهقة مرحلة تطور حاسمة في الحياة، فهي صلة الوصل بين مرحلة الطفولة والبلوغ، والمراهقة هي أيضًا الفترة التي تظهر فيها الاضطرابات النفسية بشكل واضح أكثر من بقية مراحل الحياة. إن التجارب والظروف البيئية السلبية التي تؤثر على الصحة النفسية للأطفال الصغار تؤثر بشكل مشابه على المراهقين، بالإضافة إلى وجود عوامل خطورة خاصة بهذه الفترة من الحياة، ومنها مثلًا التدخين والمخدرات، إذ يكون المراهقون الذين يتعرضون للاضطرابات الأسرية أو الذين يعانون من مشاكل سلوكية في الطفولة هم أكثر عرضةً لاستخدام مواد ذات تأثير نفسي. ويعتبر استخدام هذه المواد خطيرًا وضارًا بشكل خاص عند المراهقين لأن الدماغ والجسم لا يزالان يتطوران في هذا العمر، ويبدو واضحًا الدور الهام للأهل في دعم الصحة النفسية والعاطفية للمراهق في هذه المرحلة الحساسة من حياته.

مرحلة الشباب:

يكون الأفراد الذين مروا بفترة مراهقة وطفولة تتميز بالأمان والدعم النفسي والعاطفي أكثر استعدادًا للتعامل مع تحديات الحياة ومواقفها المختلفة، وأحد أهم هذه التحديات يتعلق بتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية، إذ يحدث التوتر والقلق عند الأشخاص الذين يقضون وقتًا طويلًا في العمل أو رعاية الآخرين أو العمل في ظروف صعبة وغير آمنة، ويحدث الأمر نفسه عند العاطلين عن العمل، وتعد البطالة على وجه الخصوص عاملًا مهمًا من العوامل المؤهبة للإصابة بالاضطرابات النفسية (أما العودة إلى العمل أو الحصول على عمل مناسب فهو عامل وقائي مهم).

يشكل اعتلال الصحة والإعاقة عوامل أخرى مسببة للأمراض النفسية، فبعضها يؤثر بشكل مباشر على الدماغ – مثل الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية والسكتة الدماغية، بينما يخلق بعضها الآخر أعباءً نفسية بسبب تحديات التعايش مع المرض (مثل نمط الحياة المتغير أو التكيف مع احتمال الإصابة بمرض مزمن أو الوفاة المبكرة).

الشيخوخة:

من الشائع حدوث تدهور تدريجي في الوظائف العقلية والحالة النفسية والعاطفية مع التقدم في السن، كما أن كبار السن معرضون أيضًا بشكل خاص للعزلة الاجتماعية، خصوصًا بعد التقاعد مع العمل (ما يحرمهم من دخل ثابت) ويصبحون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة (والتي تحرمهم من الخروج من المنزل والاستقلال الذاتي والمهارات المعرفية)، وقد ينتج شعور العزلة أيضًا بسبب فقدانهم لشركائهم أو أصدقائهم أو بسبب عدم اهتمام أفراد الأسرة بهم، بالإضافة لذلك فكبار السن معرضون أكثر من غيرهم للإهمال وسوء المعاملة، سواءً من قبل الأسرة ومقدمي الرعاية، مما يؤثر على حالتهم النفسية والصحية.

تعد العزلة الاجتماعية أيضًا سببًا مهمًا للاكتئاب عند كبار السن، ونظرًا لأن الأمراض المزمنة هي أيضًا عامل خطر مهم للإصابة بالاكتئاب، فإن الانتشار العالي للأمراض المزمنة في هذه الفئة العمرية يساهم بشكل كبير في ارتفاع معدلات الاكتئاب لديهم. تساهم العوامل السابقة في زيادة خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة، وإن تحديد هذه العوامل ومعرفتها بدقة يساهم بشكل واضح في الكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية وعلاجها بسرعة وفعالية.

المصادر: 123

تطبيق لبيه
مشاركة المقالة