مهارة التفكير في التفكير أداة لرفع كفاءة التعلم الذاتي واتخاذ القرار
في عالم سريع التغيّر ومليء بالمعلومات، لم يعد التعلم مقتصرًا على اكتساب المعرفة فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الإنسان التطوير من عملية التفكير، والسعي لمزيد من التعلم، وتحمل المسؤوليات، واتخاذ القرارات الهامة في الحياة.
ومن هنا تبرز أهمية مهارة التفكير في التفكير، أو ما يُعرف علميًا بـ التفكير ما وراء المعرفي، والتي تُعد من أرقى مستويات الوعي البشري وأكثرها تأثيرًا في التطوير الذاتي، والتعلم المستمر، واتخاذ القرارات الواعية.
ومهارة التفكير في التفكير لا تجعل الفرد أكثر معرفة فقط، بل تجعله أكثر وعيًا بطرق تفكيره، ولماذا يسعى وراء أشياء محددة، واكتشاف نقاط ضعفه وقوته، وكيف يمكنه التطوير من ذاته، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة الشخصية والمهنية.
ما مفهوم مهارة التفكير في التفكير؟
مهارة التفكير في التفكير هي قدرة الإنسان على مراقبة عمليات تفكيره الخاصة، وفهم الأساليب المختلفة التي يتبعها في التفكير، وتقييم تلك الأفكار، وتحديد مدى صوابها من خطئها، أي أن الفرد لا يكتفي بالتفكير، بل يصبح واعيًا بكيفية تفكيره، ولماذا يفكر بهذه الطريقة دون غيرها.
وقد يصف بعض علماء النفس أن مهارة التفكير في التفكير هي من أقصى مراحل وعي الفرد بقدراته العقلية، والتحكم في أفكاره، وتقييم تلك الأفكار. لذلك تُعد مهارة التفكير في التفكير من أرقى مستويات الوعي الإنساني، لأنها تجمع بين زيادة وعي الفرد عن نفسه، وبين قدرته على فهم العمليات العقلية المعقدة التي تحدث داخل المخ، وترجمة ذلك إلى سلوكيات وأفكار نابعة من داخله.
فعندما يصل الإنسان إلى هذا المستوى، لا يكون أسيرًا للأفكار التلقائية أو ردود الفعل المتسرعة، بل يصبح أكثر حكمة واتزانًا في اتخاذ القرارات، وانتقاء الأفكار السليمة، والتعامل معها.
وتنقسم مهارة التفكير في التفكير إلى ثلاثة مكونات رئيسية:
1- التخطيط المعرفي
ويعد المرحلة الأولى التي يمر بها الفرد، حيث يستطيع تحديد الهدف أو الغاية من تعلم مهارة معينة، أو تبني سلوك جديد، أو حتى اتخاذ قرار، ويحدد الآليات والاستراتيجيات التي تساعده على المضي في ذلك الطريق، ووضع كافة الاحتمالات والصعوبات التي يمكن أن يواجهها في سبيل التعلم.
فمثلاً: إذا كنت ترغب في اكتساب مهارة معينة، مثل مهارة حل المشكلات، ينبغي على الفرد معرفة الغاية من تعلم تلك المهارة، واختيار الطريقة المناسبة لتعلمها، ووضع إطار زمني لتعلم تلك المهارة.
2- المراقبة المعرفية
وهي قدرة الفرد على متابعة التغيرات التي تطرأ على تفكيره وتصرفاته عند تعلم مهارة جديدة أو اتخاذ قرارات جديدة، وملاحظة الأخطاء والمشتتات التي تعيق من عملية التعلم، وكيف يمكن مواجهتها والتغلب عليها.
فمثلاً: أثناء المذاكرة، قد يلاحظ الفرد أنه يبذل العديد من المجهود والوقت، ولكن دون تحصيل أي معلومة علمية بطريقة سليمة، وهنا يجب تغيير طريقة التعلم، وتحديد الأخطاء التي يقوم بها الفرد لتعطيل عملية المذاكرة.
3- التقييم المعرفي
ويتم بعد الانتهاء من تعلم المهارة أو اتخاذ القرارات، وهنا يقيم الفرد نتائج ما كان يسعى إليه، وهل استطاع الوصول للهدف المحدد من البداية، واستخلاص الدروس المستفادة والأخطاء للتعلم منها وتفاديها في التجارب التالية.
ومن هنا نصل إلى أن مهارة التفكير في التفكير تعد من الخصائص الفريدة للعقل البشري، حيث يستطيع الفرد مراقبة أفكاره وسلوكياته منذ أن كانت مجرد فكرة أو رغبة في العقل، حتى تصل إلى واقع ملموس، واستخلاص تجارب كثيرة في رحلة التعلم، وتلك المقدرة تساعد الفرد على:
التمييز بين الفكرة والواقع.
إدراك الأخطاء في التفكير.
التحكم في ردود الأفعال الانفعالية.
التحسين من عملية التفكير.
تطوير الذات.
دور مهارة التفكير في التفكير في تطوير حياة الفرد
عندما يرغب الفرد في اكتساب مهارة جديدة، يجب أن يدرك الغاية منها، والنتيجة النهائية المرجوة من اكتساب تلك المهارة، وعند ذكر مهارة التفكير في التفكير، يجب أن يدرك الفرد المعنى الأساسي لتلك المهارة، وإدراك أهميتها المتمثلة في الآتي:
1- التعلم بوعي
الأشخاص الذين يمتلكون مهارة التفكير في التفكير يستطيعون تحديد أساليب التعلم واكتساب المهارات التي تتوافق مع نمط حياتهم وتفكيرهم وسلوكهم، ولا يعتمدون مجرد أساليب تقليدية مبنية على الحفظ المجرد في عملية التعلم، وهو ما يجعلهم أكثر نجاحًا في الحياة، ويجعل من عملية التعلم أمرًا سهلًا وسريعًا، ويؤتي ثمارًا صحيحة.
2- تحديد نقاط القوة والضعف
من خلال مهارة التفكير في التفكير، يستطيع الفرد فهم جوانبه النفسية، ونقاط قوته، وأهم ما يميزه بين الآخرين، وتحديد مواطن الضعف التي تحتاج للتعديل والتحسين، وتوجيه طاقته بصورة صحيحة نحو تطوير نقاط الضعف.
3- الاستقلالية
التعلم الذاتي يعتمد بشكل أساسي على التفكير في التفكير، لأن الفرد يصبح مسؤولًا عن فهم نفسه، وتحديد الجوانب التي يرغب في تطويرها، والأساليب المتبعة لذلك، ويكون قادرًا على التعلم دون الاعتماد الكلي على الآخرين.
4- اتخاذ القرار وتحليل البدائل بوعي
بدلًا من الانحياز والتسرع عند اتخاذ قرار، أو السير وراء القرار الأول اعتقادًا من الفرد على أنه الصواب، يجب على الفرد التفكير في القرارات المختلفة، وتحليل كافة البيانات المطروحة، والمقارنة بين النتائج والصعوبات التابعة لذلك القرار، حتى يستطيع الفرد اتخاذ قرارات سليمة بحكمة.
5- تقليل الوقوع في الأخطاء
الكثير من القرارات الخاطئة تنتج عن تسرع الفرد، أو خوفه من اتخاذ قرار يخالف المحيطين، أو بناءً على موقف أو شعور لحظي، ولكن بعد التفكير العميق، وتحليل البيانات، والمقارنة بين الحلول، يستطيع الفرد الوصول للقرار الأصح، وتقليل العواقب الناتجة من القرارات الخاطئة، ومهارة التفكير في التفكير تساعد الأفراد على ملاحظة تلك الانفعالات قبل أن تتحكم في قرار الفرد.
6- تحسين جودة القرارات
القرارات الناتجة عن وعي معرفي تكون أكثر اتزانًا، وأكثر صوابًا، وأكثر توافقًا مع القيم والأهداف الشخصية، وبالتالي تزداد ثقة الفرد بنفسه.
كيف يمكن تنمية مهارة التفكير في التفكير؟
1- طرح الأسئلة
لا يستطيع الفرد الوصول التام لما يدور داخل عقله، ولماذا يفكر في تلك الأشياء دونًا عن غيرها، إلا بالحوار مع العقل، وفهم الدافع من التفكير في أمر معين، وطرح الأسئلة حول طريقة التفكير، وطريقة تبني الفكرة، والبحث عن حلول بديلة لتلك الأفكار.
2- كتابة اليوميات
تدوين الأفكار والمشاعر، وحتى السلوكيات والقرارات، والاستعانة بها باستمرار، يساعد الفرد على فهم نفسه بوضوح أكبر، ويساعده على رؤية أنماط التفكير المختلفة، واكتشاف وجود خلل في التفكير عن طريق التدوين المستمر.
3- ممارسة التأمل واليقظة العقلية
زيادة الوعي باللحظة الحالية، والاندماج مع الواقع، يساعد الأفراد على مراقبة نمط التفكير واتخاذ القرار، كما أنه يساعد الفرد على فهم الأفكار والمشاعر التي تتوارد له في المواقف المختلفة، وكيف يمكن ترجمتها.
4- التعلم عن التفكير نفسه
لا توجد مهارة لا يستطيع أي فرد اكتسابها، ولكن الاكتساب يأتي بالتعلم والممارسة، والتعلم من الأخطاء، ولكن مهارة التفكير في التفكير تتطلب الجمع بين عدة أوجه حتى يستطيع الفرد تعلم المهارة بصورة صحيحة، مثل:
علم النفس،
التفكير الناقد،
الوعي الذاتي.
5- تقبّل الخطأ
قد يكون الخطأ، والتعلم منه، وسيلة لاكتساب المهارات واتخاذ القرارات المستقبلية، ويتم استخدام الخطأ كفرصة للنمو والتعلم، وفهم أنماط التفكير، والخلل في الأنماط المختلفة، ويساعد على اتباع استراتيجيات مختلفة سواء في التعلم أو اتخاذ القرارات.
مهارة التفكير في التفكير ليست رفاهية فكرية، بل أداة أساسية للتطور الإنساني، لمساعدة الفرد على التعلم بوعي أكبر، وفهم ذاته وما يدور داخل عقله بصورة أوضح، والتخلص من تأثير الأفكار السلبية على العقل، وبالتالي اتخاذ قرارات سليمة في مختلف جوانب الحياة.
وتعد تلك المهارة هي الوسيلة التي تنقل الفرد من رد الفعل التلقائي إلى الفعل الواعي.
الوعي بطريقة تفكيرك هو أولى خطوات العبقرية. لا تدع قراراتك رهينة العشوائية؛ حمّل تطبيق لبيه الآن لتمتلك الأدوات التقنية التي تساعدك على مراقبة وتحليل أنماطك الذهنية. حوّل التفكير في التفكير إلى ممارسة يومية ترفع كفاءة تعلمك وتجعلك سيد قراراتك.




































