العنف الصامت وتأثيره على الصحة النفسية للمرأة
يعتبر العنف الصامت من أبشع وسائل التعنيف التي تتعرض لها المرأة فهو ليس باعتداء جسدي صريح ولكنه اعتداء نفسي يحمل في طياته أذى يفوق الأذى الجسدي ويتضمن سوء المعاملة التي لا تتّخذ طابع الاعتداء الجسدي الصريح فحسب، بل تشمل تفاعلات نفسية أو عاطفية أو سلوكية، ربما ظاهرها “سِلمية” لكنها تنطًوي على إيذاء متكرر.
ماذا نعني ب العنف الصامت؟
على الرغم من أنّ كثير من الأبحاث تُركّز على أشكال العنف الجسدي أو الجنسي، إلا أنّ العنف الصامت يُعدّ من أخطر وسائل العنف الذي يمارس ضد المرأة قد لا يمكن ملاحظة آثاره الجسدية. ولكنه يدمر الصحة النفسية للمرأة دون ملاحظة.
ويعرف العنف الصامت على أنه تعنيف أو أي فعل يؤدي لتسبب أذى للمرأة. ولكن ليس باستخدام عنف جسدي بل ممارسات نفسية وتقليل من المرأة وحرمانها من أبسط حقوقها حتى إبداء الرأي، التجاهل المتعمد، التحقير اللفظي الخفي، السيطرة الاقتصادية، التهديدات الصامتة، أو الحرمان النفسي أو العاطفي. ولهذا يعتبر بمثابة وسيلة تهديد مجتمعي يعمل على وجود خلاف مستمر وملازم مع كيان المرأة ودورها في المجتمع ويُخلّف آثاراً طويلة الأمد على الصحة النفسية للمرأة.
ممارسات العنف الصامت وتأثيرها على المرأة
قد لا يعلم الكثيرين أن ما يمارس ضدهم هو وسيلة من وسائل العنف الصامت ولا يدركون تأثيرها إلا بعد فوات الأوان وتدمير الصحة النفسية. ومن أبرز تلك الممارسات ما يلي:
التجاهل المتكرر أو الحرمان العاطفي:
كثيرون يتعاملون مع المرأة على أنها بلا رأي لا يحق لها التدخل في الحوار وإبداء الرأي ودائما ما يتم إهمال مشاعرها أو تقديم مشاعر لها هي فرد يتواجد داخل المجتمع ليطيع ويفعل مثل ما يطلب منه فقط.
التحقير اللفظي أو السخرية:
مثل تعمد إلقاء تعليق مُهين أو “مزحة” للتقليل من المرأة ودورها في المجتمع وتصيد الأخطاء للمرأة لإقناعها بعدم قدرتها على أداء مهمات معينة وتقليل إنجازاتها.
العزل الاجتماعي:
منع الزوجة أو الشريكة أو حتى الأبناء من تكوين صداقات والعيش في حياة اجتماعية مناسبة وتحديد الدائرة الاجتماعية المسموح للمرأة التعامل معها.
التهديد الصامت أو الإشارة إلى عقوبات محتملة:
غالبا ما يلجأ الكثيرين لأسلوب التهديد المستمر والتهديد بحرمان المرأة من حقوقها. هو ما يعد من أشد ممارسات العنف الصامت أذى للمرأة.
التحكّم بالمال:
كثير من الرجال يتعاملون على أنهم المتحكم المادي الوحيد ولا يمف للمرأة امتلاك المال أو حتى التصرف به فيأكلون كثيرا من حقوق المرأة المالية ويحددون لها أوجه الإنفاق فقط ولا يصبح لها أي قدرة على التحكم بما لها من أموال.
الإسقاط النفسي:
إشعار المرأة بأنها دائمة الشكوى وغير قادرة على تحمل أبسط المشاكل عندما تعبر عن استياءها. هو ما يُضعف إدراكها لواقعها وقدرتها على طلب المساعدة.
تأثير العنف الصامت على الصحة النفسية للمرأة
رغم أن الأذية قد لا تكون ظاهرة كالضرب أو الاعتداء الجنسي، إلّا أن العنف الصامت يُخلف آثاراً نفسية وجسدية تحتاج الدعم اللازم لمساعدة المرأة على تخطي العنف. ومنها:
انخفاض تقدير الذات:
المرأة التي تُعامل بانتظام بتجاهل أو تحقير تشعر أنها غير كافية وغير مهمة ولا تستطيع تحمل المسؤوليات المطلوبة منها. هو ما يصل لحالة من فقدان الذات.
الشعور بالذنب والخجل:
كثير من النساء لا يشعرن أن ما يُمارس بحقهن “عنفاً”. وفي بعض المجتمعات تعتبر تلك الممارسات طبيعية بدافع التقاليد فتشعر المرأة باستمرار أنها المخطئة وتشعر بالذنب لعدم إصلاح تلك الأخطاء.
الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة:
دراسات عديدة أظهرت أن النساء المعنيات بالعنف النفسي هم الأكثر عرضة للإصابة بالعديد من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، القلق المزمن، اضطرابات النوم، اضطراب التوتر واضطراب ما بعد الصدمة.
تأثيرات جسدية ناتجة عن تدهور الصحة النفسية:
مثل الأرق، اضطرابات الجهاز الهضمي، آلام الظهر أو العضلات، الصداع المزمن، ضعف المناعة الذي قد يتطور لأمراض مزمنة عديدة.
تراجع الأداء المهني والأكاديمي:
مختلف الأعمار فإن للعنف الصامت هو وسيلة لهدم المرأة وزعزعة قدرتها على النجاح سواء في الحياة المهنية أو الأكاديمية و تتجنّب تحمل مسؤوليات أو نشاطات جديدة، وتجنّب التفاعل الاجتماعي خوفاً من الفشل والتعنيف اللفظي.
تأثير على الأطفال وأفراد الأسرة:
إذ أن المرأة التي تعاني من العنف داخل العلاقة قد تنقل هذا النمط إلى الأطفال أو يؤثر ذلك على البيئة النفسية داخل المنزل ويظهر تأثيره على المدى البعيد على نفسية الأطفال.
لذلك العنف الصامت ليس أقلّ “خطرًا” من العنف الجسدي أو الجنسي؛ بل هو وسيلة مدمرة على المدى القريب والبعيد ويظهر تأثيرها ليس فقط على المرأة بل على جميع الأفراد المحيطين بها.
كيف يمكننا المساعدة في التخلص من آثار العنف الصامت؟
أن محاربة العنف الصامت والحفاظ على حقوق المرأة هو عملية في غاية الأهمية وتتطلب دوافع فردية ومجتمعية للقضاء على تلك الظاهرة والحفاظ على حقوق المرأة.
خطوات فردية ومساندة نفسية
الاعتراف والتصديق:
أول خطوة هي أن تدرك المرأة أن ما تتعرّض له هو عنف وليس تحت ستار العادات والتقاليد أمرا طبيعيا ولا تتجاهل أي طرف يمارس عليها العنف بسبب الخوف أو الخجل وعندها تستطيع اتخاذ خطوات أكبر في الدفاع عن نفسها وطلب حقوقها.
طلب المساعدة النفسية:
اللجوء إلى معالج نفسي أو مستشار مختص في العنف الأسري لمساعدة المرأة على تخطي النتائج السلبية التي تعود عليها ومنحها القوة الكافية للسعي في الحصول على حقها ومعاقبة من يمارس عليها العنف.
بناء شبكة دعم:
مشاركة الثقة والمشاكل مع أفراد مقربين أو أصدقاء أو عائلة أو مجموعات نسائية لمساندة بعضهم.
التوثيق:
حتى لو كان العنف صامتا يجب الحصول على تقارير وافادات تثبت تلك الوقائع لمساعدة المرأة على اتخاذ إجراءات قانونية لحماية نفسها.
وضع الحدود اللازمة:
بعد تلقي المساندة والتقييم، قد تفكر المرأة في تغيير نمط حياتها والدفاع عن نفسها ضد تلك الممارسات بصورة أفضل والتخلص من الأشخاص والأماكن التي يمارس عليها فيها العنف.
الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية:
متابعة الطبيب عند ظهور أعراض جسدية غير مبرّرة، الاهتمام بالنوم، التغذية، الرياضة، للهروب من آثار التوتر المزمن.
دور المجتمع والمؤسسات
التوعية بأشكال العنف الصامت:
عن طريق حملات التوعية او الندوات او الدعوات العامة في الأيام العالمية لحقوق المرأة وإبراز جميع وسائل العنف الصامت حتى تستطيع المرأة تحديد ما تتعرض له من عنف.
وضع تشريعات وقوانين تجرم العنف:
كثير من القوانين تركّز على الاعتداء الجسدي فقط ولا تركز على التعرض لعنف نفسي يدمر المرأة بصورة أكبر مع حرمانها من حقوقها الانسانية والمادية وينبغي توسعة المفاهيم لتشمل العنف الصامت والتحكّم المالي، والحرمان العاطفي.
تدريب العاملين في المجالات المختلفة:
ليتمكنوا من كشف مظاهر العنف الموجه للسيدات وتوجيه الناجيات للمساعدة وتقديم الدعم اللازم لهم.
تهيئة مراكز لمساعدة السيدات:
المرأة المعنّفة قد تحتاج إلى حماية أكبر وربما مرحلة انعزال لتخطي صدمات العنف الواقع عليها والتعامل معها بأساليب أكثر هدوءا حتى تتعافى من آثار العنف.
البحث والإحصاء:
جمع بيانات حول العنف النفس لتحديد مدى الانتشار وتأثيراته ووضع القوانين الرادعة لذلك وتوضيح كيفية تقديم الشكاوى وطلب المساعدة.
العنف الصامت ضد المرأة ظاهرة أقلّ ظهورًا من الاعتداءات الجسدية، لكنها ليست أقلّ ضرراً؛ بل على العكس، تأثيره عميق، طويل الأمد، ويؤثّر على نفسية المرأة، ويؤثر على قدرتها على مواجهة الحياة واتخاذ القرارات. يأتى زيادة الوعي والتعرّف على مظاهر العنف الصامت، وتوفير بيئات داعمة لمساعدة المرأة على تخطي العنف واستعادة الحياة بصورة أفضل.




































