Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

الصدمة والذاكرة … لماذا نتذكر ما نريد أن ننساه؟

تُعد الذاكرة من أعظم وظائف الدماغ وأكثرها تعقيداً، فهي المسؤولة عن الحفاظ على هوية الفرد وتعلّم كل ما هو جديد في الحياة.
لكن عندما نتحدث عن الصدمات العاطفية أو النفسية، هنا تصبح الذاكرة آلة حادة وتتحول إلى كابوس يطارد صاحبه، حيث تظل التجارب المؤلمة حاضرة في الذهن، وتفرض على الفرد تذكرها في مختلف الأوقات اليومية، أو تأتي له على هيئة كوابيس، أو أحلام، أو حتى مشاعر قلق مزمن.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: الصدمة والذاكرة .. لماذا نتذكر ما نريد أن ننساه؟ ولماذا يبدو أن ذكريات الصدمة تُحفر في الدماغ بطريقة مختلفة عن الذكريات العادية؟

ما بين الصدمة والذاكرة… ماذا يحدث داخل خلايا الإنسان؟

الصدمة النفسية أو العاطفية تعتبر بمثابة رد فعل نفسي من الجسم لعدم مقدرته على تجاوز الحادث الأليم، وتعني إنذاراً لعدم مقدرة الفرد على تجاوز ما مر به من صعوبات نفسية.
يمكن أن تكون هذه الأحداث حوادث خطيرة، اعتداءات جسدية أو نفسية، فقدان شخص عزيز، حروب، كوارث طبيعية، أو حتى تجارب طفولة مليئة بالإهمال أو العنف، ولكن العامل المشترك أنها تركت الأثر الذي لا يمكن محوه بسهولة من ذاكرة الإنسان.

لا تكمن خطورة الصدمة في الحدث نفسه فحسب، بل فيما يتبعه من عواقب وآثار نفسية على الفرد، والطريقة التي يتفاعل بها الدماغ والجهاز العصبي مع هذا الحدث.
عندما يتعرض الإنسان لصدمة أو حادث أليم، يبدأ الجسم في خطة رد الفعل، ويستعد لإطلاق استجابات طارئة مثل ارتفاع معدل ضربات القلب، إفراز الأدرينالين والكورتيزول، والاستعداد للهروب أو المواجهة. ومن هنا يبدأ الربط بين الصدمة والذاكرة، حيث تُسجَّل الذكريات بشكل مختلف، أشبه بوشم دائم يصعب محوه من داخل الإنسان وذاكرته.

ومن أجل فهم الفرق بين الذكريات العادية وذكريات الصدمة، والترابط الأزلي بين الصدمة والذاكرة، لا بد أن نستعرض آلية عمل الدماغ مع الذاكرة والأحداث المؤثرة:

الحُصين:

جزء أساسي من الدماغ، وهو المسؤول عن التخزين داخل الذاكرة طويلة المدى، وتحويل المواقف والذكريات العابرة إلى ذكريات دائمة بكل ما تحمله من تفاصيل الزمان والمكان والأحداث. ومن هنا يبدأ حفر الصدمات داخل الذاكرة طويلة المدى.

اللوزة الدماغية:

تتحكم في المشاعر، خصوصاً الخوف. وعند حدوث أي صدمة نفسية كبيرة تصدر ردة الفعل القوية، وتتصدر مشاعر الخوف المشهد، وتنشط اللوزة بشكل مكثف لتخزين المشاعر المرتبطة بالذاكرة.

القشرة الجبهية:

تلعب دوراً في التقييم العقلاني، وتبدأ في تهدئة ردة الفعل تجاه المواقف الصعبة، والسيطرة على الحالة الانفعالية للفرد.
في الظروف الطبيعية، يعمل التعاون بين هذه المناطق على جعل الذكريات قابلة للاسترجاع بشكل متوازن، وما يحدث هو مجرد تذكر عابر للموقف دون استرجاع الشعور بالخوف أو الحزن أو أي مشاعر سلبية، ولا يتم تذكر ما حدث تفصيلياً كما لو كان منذ دقيقة زمنية واحدة.

ولكن عندما يتعرض الفرد لحدث صادم، يحدث اضطراب في هذه المنظومة، وتنشأ منظومة الصدمة والذاكرة التي تحفر ما حدث داخل الذاكرة بكامل الصورة:

فرط نشاط اللوزة الدماغية:

تتحول الذكرى إلى تجربة مشحونة عاطفياً بشكل مبالغ فيه، ويتم تخزينها بصورة أعمق داخل الذاكرة طويلة المدى، وتصبح بمثابة الإنذار عند الشعور بموقف يشابه موقف الصدمة.

ضعف دور الحُصين:

بسبب ارتفاع الكورتيزول، يتخلى الحُصين عن دوره في وضع الأحداث داخل السياق الزمني الصحيح. ولو كان الحادث منذ أعوام عديدة، يتأهب الفرد بكامل مشاعره كما لو أنه يحدث الآن.

انخفاض نشاط القشرة الجبهية:

تقل قدرة الفرد على تنظيم مشاعره أو تهدئة نفسه، ويبقى عالقاً بين المشاعر السلبية وتأثيرها من خوف وقلق وأعراض جسدية بدون وجود ما يدعو لذلك من أحداث.

وبالتالي، يتم تخزين الصدمة بطريقة غير متكاملة، وتصبح مثل جرس الإنذار. وبمجرد التعرض لأي محفز يعيد للذاكرة أي مؤشر من حادث الصدمة، فإن الجسم يستجيب بصورة شبه متكاملة بكامل حواسه للموقف كما لو أنه بداخله الآن. ومن هنا نشأ الترابط بين الصدمة والذاكرة.

دراسات علمية حول الصدمة والذاكرة

اهتم العلماء على مدى عقود طويلة بفهم العلاقة بين الصدمة والذاكرة، وكيف يمكن الوصول لحلول تساعد في التخلص من تأثير الصدمات على الذاكرة. ومن أبرز هذه الدراسات:
دراسة بيتر ليفين: أظهر أن الصدمات تُخزَّن في الجهاز العصبي وليس داخل ذاكرة الإنسان فقط، وهو ما يدفع الجسم لردة فعل جسدية عند تذكر الحادث أو حدوث استثارة للذاكرة واستعادة موقف الصدمة.

أبحاث بيسيل فان دير كولك: صاحب كتاب “الجسد يحتفظ بالحصيلة”، وأكد على نظرية أن الصدمات تخزن أيضاً في الجهاز العصبي، وتترك آثاراً جسدية وعصبية، وأن الدماغ يعمل على استعادة الذكريات مراراً، ويستعيد نفس الشعور الملازم للصدمة.

التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي:

أظهر أن الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة لديهم فرط نشاط في اللوزة الدماغية، وانخفاض في نشاط الحُصين و القشرة الجبهية. وهذا ما يحدث عند حدوث صدمة، لذلك لا يستطيع العقل التخلص من استعادة ذكريات الصدمة.

دراسات حول الأطفال:

أوضحت أن الأطفال الذين تعرضوا لإهمال أو إساءة مبكرة لديهم تغييرات واضحة في بنية الدماغ، وهذا التغيير قد يكون شرارة الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة مع تقدم العمر.

لماذا نتذكر ما نريد أن ننساه؟

ومن هنا ظهرت الإجابة على تساؤل: لماذا نتذكر ما نريد أن ننساه؟

الجواب يكمن في آليات الدماغ الدفاعية، وطريقة تأثير الصدمة على المناطق المختلفة في الدماغ، والاثباتات النظرية أن الصدمة لا تخزن في الذاكرة فقط، بل في الجهاز العصبي. لذلك يستجيب الجسد بكل حواسه للمواقف المختلفة كما لو أنها لحظة الصدمة.
وعند حدوث الصدمة، يتعامل الدماغ مع الذكرى على أنها “إشارة إنذار” ضرورية للبقاء. لذلك السبب في تكرار الذكريات الصادمة هو أن الدماغ يعتبرها معلومة بقاء أساسية، بينما في الحقيقة هي مجرد ماضٍ انتهى، ولكن لا نستطيع محو الذاكرة.

كيف يساعد العلاج النفسي في فك الرابط بين الصدمة والذاكرة؟

رغم أن الصدمة تُخزن بشكل مختلف، إلا أن التعامل مع الذاكرة ليس بالأمر المستحيل. الأبحاث أثبتت أن الدماغ يتمتع بمرونة عصبية هائلة تسمح بإعادة تشكيل الروابط. ومن هنا جاءت الاكتشافات للطرق العلاجية التي تساعد في فك الترابط بين الصدمة والذاكرة. ومن أبرز طرق العلاج:

العلاج السلوكي المعرفي:

يساعد المريض على إعادة تفسير الذكريات المؤلمة، ومحاولة التخلص ومقاومة الأعراض الجسدية التي تظهر عند استرجاع الصدمة.

العلاج بالتعرض:

يواجه المريض تدريجياً المحفزات المرتبطة بالصدمة، حتى يستطيع السيطرة عليها ويتعلم أنها ليست مواقف حقيقية، بل مجرد ذكريات وآثار من الماضي لا وجود لها في الحاضر.

تقنية حركة العين وإعادة المعالجة:

ثبتت فعاليتها في مساعدة الدماغ على إعادة تصنيف الذكريات الصادمة ضمن الذاكرة العادية، ومحاولة الفصل بين الصدمة والذاكرة، وما حدث في الماضي وما يحدث الآن في الواقع.

العلاج الجسدي:

يركز على ردود الفعل الجسدية المرتبطة بالصدمة، والأعراض الجسدية المصاحبة لتلك الحالة، وتعلّم السيطرة عليها وتفريغ الجسم من الطاقة السلبية.

العلاج الدوائي:

في بعض الحالات، يتم استخدام أدوية مضادة للاكتئاب أو مهدئات لتخفيف الأعراض المصاحبة، ولكن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص.

إن العلاقة بين الصدمة والذاكرة تفسر لنا لماذا يصعب نسيان الأحداث المؤلمة، ولماذا تظل تلاحق الإنسان رغم مرور الوقت. والتحدي الأكبر ليس في نسيان الصدمة، بل في محاولة التخلص من آثارها المؤلمة والتعايش معها، حتى نعيد لأنفسنا الحرية الداخلية التي سلبتها منا. Download app.

المصادر: 1

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
120

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
-
Useful
-
Normal
-
Not useful
-
دراسة تكشف العلاقة بين التغيب عن المدرسة وضعف الصحة النفسية
Next article

دراسة تكشف العلاقة بين التغيب عن المدرسة وضعف الصحة النفسية

كيف تحقق التوازن النفسي بين حياتك الأكاديمية والشخصية؟
Previous article

كيف تحقق التوازن النفسي بين حياتك الأكاديمية والشخصية؟

كاتب المقال
فريق لبيه المقالات : 1011
Related articles
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
توهم المرض والتعامل معه
توهم المرض والتعامل معه
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟