Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

دراسة “هارفارد” للتنمية البشرية: ما هو سر السعادة الحقيقية؟

منذ آلاف السنين، سعى الإنسان وراء سر السعادة الحقيقية، وحاول الكثير من الفلاسفة والمفكرين وعلماء النفس الإجابة عن هذا التساؤل، ووضعوا الكثير من الفرضيات والنظريات حول سر السعادة الحقيقية: هل يرتبط بالمال، أو الصحة، أم الأصدقاء، أم النجاح؟
ولكن اليوم، ومع نتائج واحدة من أطول الدراسات في التاريخ حول التنمية البشرية والتي استمرت قرابة ٨٠ عام من جامعة هارفرد، توصل من خلالها علماء النفس أن سر السعادة الحقيقية يكمن في العلاقات الاجتماعية الآمنة، وليس المال أو غيره من مسببات السعادة للفرد.

خلفية عن دراسات هارفرد عن سر السعادة الحقيقية

بدأت الدراسات بمشاركة مجموعتين أساسيتين: مجموعة من طلاب جامعة هارفارد، وأخرى من شباب ينتمون إلى أحياء فقيرة في بوسطن. وكان الهدف الأساسي من الدراسة هو دراسة نمط الحياة لفئات مختلفة على مدى زمني طويل، فقد استمرت قرابة ٨٠ عام، ومعرفة كافة العوامل التي تؤثر على حياتهم وتؤثر على سعادتهم.
تم تتبع هؤلاء الأشخاص طوال حياتهم، وتجميع مختلف البيانات عن حالتهم النفسية والجسدية، وحياتهم الدراسية والمهنية، وكافة الأنشطة التي يقومون بها، والعلاقات الاجتماعية في حياتهم، والأوضاع المادية المختلفة.

وتم التوسع أيضًا لتشمل الدراسة فئات عمرية مختلفة من أجيال مختلفة، تشمل الأبناء وربما الأحفاد للأشخاص الأوليين في الدراسة. مما وفر قاعدة بيانات استثنائية عن حياة البشر عبر عقود طويلة، لمحاولة الوصول لما هو سر السعادة الحقيقية عبر هذه الأجيال المختلفة والظروف المختلفة.
وكان الاعتقاد السائد أن المال والنجاح والشهرة هم سر السعادة الحقيقية. ولكن هنا كانت المفاجأة، فجاءت نتائج تلك الدراسة بنتيجة غير متوقعة: فكانت العلاقات الاجتماعية السليمة المستمرة هي سر السعادة الحقيقية، وأن الأشخاص الأكثر سعادة وصحة نفسية هم من يمتلكون الكثير من الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية الحقيقية.
وتم تلخيص نتائج هذه الدراسة في بعض النقاط:

العلاقات الوثيقة مع العائلة والأصدقاء والشركاء كانت هي العامل الأكبر في تحسين الصحة النفسية والشعور بالسعادة وتحسين جودة الحياة.
الأشخاص الذين شعروا بالعزلة أو الوحدة كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب وغيره من الاضطرابات النفسية، وكثرت لديهم الأمراض الجسدية، كما انخفض متوسط أعمارهم مقارنة بغيرهم.

حتى الوضع المالي لم يكن له التأثير المتوقع في كونه سر السعادة الحقيقية، إذ تبين أن الدخل المادي يؤثر فقط في حدود تلبية الاحتياجات الأساسية، لكن بعد ذلك يصبح تأثيره ضعيفًا جدًا على مستوى الرضا عن الحياة والشعور الدائم بالسعادة.

لماذا العلاقات الاجتماعية هي سر السعادة الحقيقية؟

العلاقات ليست مجرد وجود أشخاص حولنا، بل هي المصدر الأهم للأمان النفسي والدعم العاطفي. من أبرز ما توصلت إليه الدراسة حول أهمية العلاقات الاجتماعية في حياتنا:
الحماية من التوتر: وجود العديد من الأشخاص المتفهمين الذين يقدمون الدعم ويساعدون الفرد على تخطي الصعوبات اليومية، ويساعد ذلك في تقليل التعرض للتوتر، ويقلل من مستويات هرمون الكورتيزول الذي يفرز في حالات التوتر، وبالتالي الحفاظ على الصحة النفسية والجسدية.
تحفيز الدماغ: التفاعل الاجتماعي يعزز من القدرات المعرفية، ويساعد في الحفاظ على وظائف الذاكرة والإدراك، والحماية من خطر الإصابة بأمراض مثل الخرف والزهايمر الذي يؤثر على جودة الحياة بصورة ملحوظة.

دعم الصحة الجسدية: وجد أن الأشخاص الذين يعيشون في بيئة اجتماعية صحية تنتشر فيها الإيجابية يتمتعون بجهاز مناعي أقوى، ويصبح معدل الإصابة بالأمراض والعدوى لديهم أقل ممن يعيشون في حالة انعزال.
إطالة العمر: أشارت البيانات إلى أن العلاقات القوية ترتبط مباشرة بطول العمر، مقارنةً بالعزلة الاجتماعية التي تقصر الحياة.
وإذا تأملنا في معنى “سر السعادة الحقيقية” نجد أنه لا يقتصر على شعور لحظي أو متعة مؤقتة، بل هو شعور مستمر ودائم بالتعاطف والحب والانتماء، ووجود هدف ومعنى للحياة، ويزيد إحساس الفرد بأنه محبوب ومقدَّر.

الأشخاص الذين لديهم العديد من الصداقات وأفراد مقربون من العائلة، وعلاقات صحية داخل بيئة العمل، يمتلكون الدعم والمساعدة، ويملكون قدرة أكبر على تجاوز المحن.
التفاعل الإنساني يعطي الإنسان شعورًا بالقيمة والوجودية في الحياة، وهو ما لا يُشترى بالمال، لذلك لا يعتبر المال سر السعادة الحقيقية.
العلاقات الإيجابية هي مرآة للنفس وإنعكاس لصورة كل فرد ولكن في الآخرين، فهي تساعد الفرد على فهم نفسه بشكل أفضل، وتنمية هويته.
وبالإضافة إلى الجانب العلمي، فإن الدراسة استهدفت جانبًا مهمًا، وهو الجانب الثقافي والروحي الذي أكد عبر العصور أن السعادة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ومهما امتلك البشر من مال فهم لا يمتلكون السعادة. وهذا ما اتفقت عليه مختلف الثقافات والعصور، واستمر السعي وراء البحث عن سر السعادة الحقيقية.

كيف يمكننا تطبيق سر السعادة الحقيقية في حياتنا؟

السؤال الذي يطرح نفسه: بعد التوصل إلى سر السعادة الحقيقية، كيف يمكن تطبيق هذا السر؟ وكيف نصل إلى سعادة حقيقية ومستمرة؟

الاستثمار في العلاقات:

تمامًا كما نستثمر وقتًا وجهدًا في العمل أو التعليم، ينبغي أن نستثمر في علاقاتنا.
قضاء وقت مميز وممتع مع العائلة والأصدقاء.
ممارسة أنشطة مشتركة تساعد في تقوية الروابط الاجتماعية.
الاهتمام بالتواصل المستمر حتى لو عبر رسائل أو مكالمات، ولكن البقاء على تواصل دائم حتى لو بعدت الأماكن.

التركيز على الجودة لا الكمية:

ليس المهم عدد الأصدقاء، بل ما يُقضى معهم من وقت ووجودهم عند الحاجة إليهم، وتلقي الدعم المناسب منهم. شخص أو اثنان ممن يمنحونك دعمًا حقيقيًا قد يكونون أكثر قيمة من أي عدد.

الاهتمام بالتوازن بين الحياة والعمل:

يجب الحفاظ على التوازن بين جوانب الحياة المختلفة، ولا يجب إهمال أي جانب على حساب الآخر. والانغماس الكامل في العمل على حساب الحياة الاجتماعية ينعكس سلبًا على الصحة النفسية. لذلك يجب تخصيص الوقت الكافي من أجل الأصدقاء ومشاركة الأنشطة المختلفة معهم. ومن المهم إيجاد توازن يسمح بالنجاح المهني والحفاظ على شبكة داعمة من العلاقات.

تعزيز العلاقات القائمة:

قبل البحث عن تكوين علاقات جديدة، يجب تقوية الروابط وتحسين العلاقات الحالية، ويأتي ذلك عن طريق:
ممارسة الاستماع الفعّال: وإعطاء الوقت الكافي من أجل الآخرين، والاستماع لمشاكلهم، ومساعدتهم، ومنحهم الشعور بالأهمية والمساندة.
إظهار الامتنان والتقدير والدعم باستمرار، ومشاركتهم الأوقات السعيدة، وتقديم العون في الأوقات العصيبة.
التسامح وتجاوز الخلافات الصغيرة بدلًا من تركها لإفساد العلاقات دون الحاجة لذلك.

بناء علاقات جديدة:

لا يمكننا الاكتفاء بدائرة صغيرة من العلاقات الاجتماعية، بل يجب السعي لبناء المزيد. ويمكن ذلك من خلال بناء صداقات داخل بيئة العمل، أو من خلال المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والأنشطة التطوعية، ومشاركة الهوايات مع الآخرين، فذلك يساعد في بناء علاقات واسعة ومستديمة.

سر السعادة الحقيقية بين أيدينا، بعد أكثر من 80 عامًا من البحث، هو ما أظهرته دراسة هارفارد: أنه يكمن في العلاقات الاجتماعية القوية، وليس في شيء آخر.
المال، الشهرة، أو النجاح الخارجي قد يمنحون سعادة مؤقتة، ولكن ليست مدى الحياة. وما يبقى ملازمًا للإنسان طوال حياته هو الروابط الإنسانية التي تمنحه شعورًا بالحب والانتماء والأمان.

ولذلك، إذا أردنا حياة مليئة بالرضا، يجب أن نستمر في تكوين علاقات ناجحة والحفاظ عليها، وأن نجد كل الوسائل للتواصل مع الآخرين، أن نكون سندًا لأحبائنا، وأن نسمح لأنفسنا أيضًا بتلقي الحب والدعم.
فالسعادة الحقيقية ليست وجهة نصل إليها، بل هي رحلة نبنيها مع من نحب. وسر السعادة الحقيقية يكمن في الرفيق قبل الطريق، وكل لحظة من السعادة نحتاج من نتشاركها معه ونصنعها معه. حتى النجاح والشهرة لا بد من مشاركتهما مع الآخرين.

المصادر: 1 2

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
128

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
-
Useful
-
Normal
-
Not useful
-
التسامح قوة نفسية تحررك من قيود الماضي
Next article

التسامح قوة نفسية تحررك من قيود الماضي

دراسة تكشف_ يعاني أكثر من مليار شخص من اضطرابات الصحة النفسية
Previous article

دراسة تكشف_ يعاني أكثر من مليار شخص من اضطرابات الصحة النفسية

كاتب المقال
فريق لبيه المقالات : 1011
Related articles
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
توهم المرض والتعامل معه
توهم المرض والتعامل معه
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟