من اضطرابات المناعة إلى اضطرابات المزاج .. دراسة تناقش
في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام العلمي بفهم العلاقة البيولوجية بين اضطرابات المناعة والصحة النفسية، وخصوصًا اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب، والقلق، والاضطراب ثنائي القطب.
وكان من المدهش اكتشاف أن الاضطرابات النفسية لا تأتي فقط بسبب الضغوطات والعوامل الاجتماعية، بل أيضًا من خلال الأمراض الجسدية والمناعية، والتعرض المستمر للالتهاب، وهو ما فتح الآفاق أمام العلماء لاكتشاف طرق علاج جديدة وطرق وقائية جديدة لمن يعانون من اضطرابات المناعة.
ما هي اضطرابات المزاج المرتبطة باضطرابات المناعة؟
عادة تُعرف اضطرابات المزاج على أنها مجموعة من الحالات التي تؤثر بشكل أساسي على مشاعر الفرد وطريقة تفاعله مع الحياة من حوله، وتشمل الاكتئاب، والقلق، والاضطراب ثنائي القطب. وهذه الاضطرابات تنجم عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والبيئية، والنفسية، ومع تقدم العلم تم إثبات أن تلك الأمراض ترتبط ارتباطًا وثيقًا باضطرابات المناعة والأمراض الجسدية المزمنة. وقد تكون هناك العديد من الأعراض التي تشترك فيها تلك الأمراض، ومنها:
الشعور بالحزن، والتوتر، والقلق المستمر، والتغيرات المزاجية الحادة.
التأثير في القدرة على التركيز والقيام بالمهام اليومية.
فقدان الرغبة في القيام بالأنشطة الترفيهية والهوايات، والرغبة المستمرة في الانعزال عن العالم.
فقدان الطاقة والرغبة في مواجهة الحياة.
الشعور بانعدام القيمة.
التأثير على الشهية، وفقدان الوزن أو زيادة الوزن بشكل ملحوظ.
التأثير على النوم، والمعاناة من اضطرابات النوم.
الأفكار الانتحارية.
تلك الأعراض عندما تصاحب الأشخاص المصابين باضطرابات المناعة هي ما دفعت العلماء لمحاولة اكتشاف الرابط بينهما، والوصول إلى تأثير العوامل الجسدية الناتجة من اضطرابات المناعة على الحالة النفسية للفرد، والوصول إلى تدخلات علاجية تساعد الفرد على استعادة التوازن في الحياة.
اضطرابات المناعة واضطرابات المزاج: ما الرابط؟
مع تقدم الدراسات التي جمعت بين اضطرابات المناعة واضطرابات المزاج، توصل العلماء إلى نظريات رئيسية تفسر الارتباط بينهما، وتساعد في وضع آليات علاجية لمنع تأثير اضطرابات المناعة على الحالة النفسية للأفراد، ومن هذه النظريات:
١- الالتهاب المزمن كحلقة وصل أساسية
جهاز المناعة يعمل على حماية الجسم من العدوى، لكن عند الإصابة بالعدوى ينشط الجهاز المناعي بصورة تفوق الحاجة الطبيعية، ومن هنا تنشأ حالة تعرف بـ الالتهاب المزمن منخفض الدرجة. هذه الحالة لا يقتصر تأثيرها على العضو الجسدي المريض، بل تمتد لتصل إلى خلايا المخ حتى لو لم يكن العضو المصاب، وتقوم الخلايا المناعية بإفراز سيتوكينات التهابية.
هذه السيتوكينات يمكنها التأثير على الدماغ مباشرة أو عبر العصب المبهم، وتكون النتيجة النهائية حدوث خلل في تكوين مختلف النواقل العصبية، والتي من ضمنها النواقل العصبية المسؤولة عن المزاج.
وهذا التفسير ساعد العلماء في اكتشاف لماذا يعاني بعض مرضى المناعة الذاتية من أعراض اكتئابية حتى في حالة السيطرة على المرض.
٢- تأثير المناعة على النواقل العصبية
من أهم النواقل المسؤولة عن تنظيم الحالة المزاجية هم السيروتونين، والدوبامين، والنورادرينالين. عند حدوث الالتهاب بسبب اضطرابات المناعة يحدث ما يلي:
يقل تواجد السيروتونين داخل الجسم عن طريق تنشيط مسارات تساعد على تحطيم السيروتونين المتواجد داخل الجسم.
تتأثر مستقبلات الدوبامين، ويقل تأثير الدوبامين على الجسم، فتزداد الحالة المزاجية سوءًا.
ولهذا اكتشف العلماء أن بعض حالات الاكتئاب المرتبطة بالالتهاب الناتج من اضطرابات المناعة تكون مقاومة نسبيًا لمضادات الاكتئاب التقليدية، وتحتاج لأساليب علاجية مختلفة.
٣- محور التوتر
اضطرابات المناعة ترتبط بخلل في محور (تحت المهاد – النخامة – الكظر)، وهو المحور المسؤول عن تنظيم الاستجابة للتوتر. ويحدث ارتفاع في مستوى هرمون الكورتيزول في الجسم، وهو هرمون القلق والتوتر، وقد يؤثر على مناطق دماغية مختلفة مثل منطقة الحصين. هذا الخلل يرتبط بظهور أعراض الاكتئاب، والقلق، واضطرابات النوم.
٤- دور العدوى والالتهاب العصبي
في أحد الأبحاث الحديثة، استعرض الباحث العلاقة بين التعرّض إلى العدوى وظهور اضطرابات في المزاج والسلوك، وتوصل العلماء إلى أن العدوى يمكن أن تؤدي إلى التهاب عصبي وتغيرات مناعية مزمنة تؤثر على الدماغ، وتزيد من احتمالية الاضطرابات النفسية والسلوكية على المدى الطويل.
ومن هنا نصح العلماء بالتعاون بين مختلف الفرق الطبية للوصول إلى حلول علاجية لتلك المشكلة المرتبطة بتغيرات الحالة المزاجية التابعة لوجود اضطرابات المناعة، وأن العلاج لا يقتصر فقط على علاج الحالة النفسية، بل علاج الأسباب المناعية والجسدية التي أدت لذلك.
ما هي الخطوات العملية التي تمنع تأثير اضطرابات المناعة على اضطرابات المزاج؟
بعدما أثبت العلماء أثر اضطرابات المناعة في التأثير على الحالة النفسية وزيادة خطر الإصابة باضطرابات المزاج، يوصى باتباع بعض الخطوات العملية التي تساعد في الوقاية من اضطرابات المزاج والتحسين من الحالة النفسية، ومن أهم هذه الخطوات:
1- تقليل الالتهاب المزمن
وجود حالة من الالتهاب المزمن يرتبط بتفعيل الجهاز المناعي، ويزيد من احتمالية الإصابة باضطرابات المزاج مثل الاكتئاب والقلق، لأن الالتهاب له تأثيرات مباشرة على مناطق مختلفة في الدماغ وتكوين النواقل العصبية المسؤولة عن تحسين المزاج، لذلك يجب:
اتباع نظام غذائي غني بالأطعمة المضادة للالتهاب،
مثل الأطعمة الغنية بالأوميغا-3 (الأسماك الدهنية، المكسرات)، وتجنّب الأطعمة المصنعة والأطعمة ذات السكريات العالية.
زيادة تناول الفاكهة، والخضروات، والألياف التي تحسن من صحة الأمعاء، حيث إن صحة الأمعاء تؤثر على محور الأمعاء والدماغ، وتتحكم في الالتهاب والمزاج.
الحفاظ على وزن سليم، وتقليل الدهون الحشوية، فهي تساعد في زيادة الالتهابات التي تؤثر بدورها على الصحة النفسية.
2- إدارة التوتر بشكل منتظم
التعرض المزمن للتوتر والقلق، وعدم القدرة على التعامل مع الضغوطات بشكل سليم، يسبب استجابة مناعية مفرطة ويحفز الالتهاب، وبالتالي يزيد من خطر اضطرابات المزاج. لذلك ينصح دائمًا بـ:
تقنيات الاسترخاء، مثل التأمل، واليقظة الذهنية، والتنفس العميق، وتلك التقنيات تساعد الجسم على التخلص من التوتر المزمن.
الحفاظ على ممارسة الأنشطة الترفيهية وممارسة الهوايات لمساعدة الجسم على استعادة التوازن والتخلص من القلق المستمر.
اليوغا من أهم الرياضات التي تُظهر الكثير من الدراسات أن لها تأثيرًا مضادًا للالتهاب وتقليل التوتر.
3- تحسين النوم وجودته
اضطرابات النوم تجعل الجسم في حالة توتّر مزمن وعدم اتزان، وتزيد من احتمالية الإصابة بالالتهابات، والذي بدوره يؤثر على الجهاز المناعي والحالة المزاجية. لذلك في أي نظام حياة متوازن يجب:
أن يحصل الفرد على روتين نوم منتظم وعدد ساعات كافية للحصول على الراحة، وخصوصًا في أوقات الليل.
التقليل من استخدام الشاشات قبل النوم لتقليل اضطراب الإيقاع البيولوجي.
4- ممارسة النشاط البدني بانتظام
النشاط البدني المتوازن يقلّل الالتهاب، ويحسّن المزاج من خلال إفراز مواد كيميائية مفيدة في الدماغ، والتقليل من اضطرابات المناعة.
لذلك:
لا يجب ممارسة الرياضات العنيفة، بل الاكتفاء بالتمارين البسيطة مثل المشي السريع أو الركض الخفيف 30 دقيقة يوميًا، لكن مع الاستمرارية للحصول على نتائج أفضل.
ممارسة بعض تمارين المقاومة الخفيفة لتحسين التمثيل الغذائي وتقليل الالتهاب العام.
5- دعم الصحة النفسية بطرق علاجية
نحو تقليل تأثير اضطرابات المناعة على المزاج، من الضروري أيضًا دمج العلاج النفسي مع الرعاية الطبية، فكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض، فلا يجب إصلاح جانب دون الآخر، ويتم ذلك من خلال:
العلاج النفسي المعرفي السلوكي، لتحسين آليات التفكير والتعامل مع التوتر.
العلاج الدوائي وفقًا لتعليمات الطبيب، وما تتطلبه الحالة من تدخل دوائي.
العلاج الوقائي للإيقاع الاجتماعي، وهو أسلوب علاجي حديث من أجل تحسين أنماط الحياة اليومية والاستقرار النفسي.
إن وصول العلماء لكيفية تأثير اضطرابات المناعة على الحالة المزاجية للأفراد فتح الآفاق أمام وسائل علاجية جديدة وطرق وقائية جديدة تساعد في حماية الأفراد من مخاطر اضطرابات المزاج، واستعادة جودة الحياة من جديد.




































