Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

نظرية التعلق و العلاقات العاطفية في الكبر؟

تُعد نظرية التعلق من أبرز النظريات التي ساهمت في فهم طبيعة العلاقات الإنسانية، وكيف يمكن أن تؤثر مرحلة الطفولة وما يمر بها الطفل، وأثر ذلك على حياته المستقبلية.

فقد قدم العالم البريطاني جون بولبي في منتصف القرن العشرين تصوراً علمياً جديداً عن أهمية الروابط العاطفية المبكرة بين الطفل ومقدمي الرعاية الأساسيين، وأشار في أبحاثه أن تلك الروابط ليست روابط مؤقتة، بل هي علاقات دائمة وأساساً عميقاً لبناء شخصية الطفل وقدرته على الدخول في علاقات آمنة في المستقبل.

لاحقاً، عززت العالمة الأمريكية ماري اينسورث تلك النظرية من خلال العديد من الدراسات والتجارب حول نظرية التعلق، والتي أظهرت أنماطاً مختلفة من التعلق لدى الأطفال، والتي تنعكس لاحقاً في علاقاتهم العاطفية والنفسية عند الكبر.

واليوم، تكتسب نظرية التعلق أهمية كبيرة؛ فقد ساعدت العلماء على تفسير العديد من الجوانب العاطفية لدى كبار السن، وتفسير عدد كبير من المشاكل العاطفية سواء في علاقات الصداقة، أو الزواج، أو العلاقات الأسرية، وحتى داخل بيئة العمل.

وساعدت تلك النظريات أيضاً على فهم كيف يمكن للتجارب في فترة الطفولة أن تحدد قدرة الفرد على بناء روابط وعلاقات اجتماعية قائمة على الثقة والدعم المتبادل، أو على العكس أن تجعله عرضة للقلق والهشاشة العاطفية وعدم القدرة على الحفاظ على أي علاقة اجتماعية.

الأسس العلمية المتبعة في نظرية التعلق

1- إسهامات جون بولبي:

انطلق جون بولبي من خلفيته كطبيب نفسي للأطفال ومحلل نفسي في دراسة العلاقة بين عدم تلقي التعاطف والرعاية الكافية في مرحلة الطفولة، وما ينعكس عليه ذلك من اضطرابات نفسية في مراحل الكبر. وأكد أن الطفل يولد ولديه فطرة للحصول على رعاية من المحيطين به، و المتمثلين في الأم والأب.
وهذه الرغبة تجعله في حالة قرب دائم من الأم والأب، وهذا القرب لا يضمن فقط تلبية الاحتياجات البيولوجية مثل الطعام والأمان، بل يساهم في توفير قاعدة عاطفية ومساحة من الأمان تساعد الطفل في الخروج من دائرته المغلقة ومحاولة اكتشاف العالم المحيط به دون الخوف من أي شيء.

2- إسهامات ماري اينسورث:

قدمت ماري اينسورث تجربة “الغريب”، وهي ملاحظة سلوكية تتم فيها متابعة حالة الأطفال عند غياب الأم لفترة، وبعد ذلك عودتها لدراسة نظرية التعلق لدى الأطفال. ومن هنا، استطاعت تحديد أنماط التعلق الرئيسية وتنقسم إلى:
التعلق الآمن: وهنا نستطيع السيطرة على الطفل وتهدئة انفعالاته، فهو يثق ثقة كبيرة بعودة الأم.
التعلق القَلِق/القلِق-المتردد: وهنا يصعب السيطرة على عواطف الطفل، وتظهر عليه علامات الخوف والقلق، وحتى بعد عودة الأم يصعب استعادة شعور الاطمئنان لدى الطفل.
التعلق التجنبي: يتجاهل الطفل عودة الأم ولا يظهر تعلقاً واضحاً بها.
التعلق غير المنظم: يظهر الطفل سلوكيات متناقضة لا يمكن تفسيرها بشكل واضح، ولكنها تعكس وجود اضطرابات نفسية لدى الطفل.
هذه الأنماط لم تكن مجرد ردود فعل لحظية، ولم يتم التعامل معها على أنها لحظات وقتية، بل تم الاعتماد عليها كمؤشر قوي في تفسير نظرية التعلق لدى هؤلاء الأطفال في المستقبل، وكيف يمكنهم التعامل مع مختلف العلاقات الاجتماعية في حياتهم مستقبلاً.

كيف تتشكل نظرية التعلق في الطفولة؟

أنماط التعلق تتكون نتيجة تفاعل الطفل مع مقدم الرعاية الأساسي، والممثلين في الأم والأب بصورة كبيرة، وربما المعلم عند بداية الالتحاق بالمدارس. ولكن تكون الصورة الأشمل متمثلة في الوالدين. وأوضحت نظرية التعلق بعض العوامل الأساسية المؤثرة على الطفل، ومنها:
الاستجابة لحاجات الطفل: عندما يتلقى الطفل استجابات لرغباته بصورة سريعة ومحفزة، ويتلقى الدعم المستمر، يساعده ذلك على اكتساب ثقة كبيرة بالنفس وثقة بالأشخاص المحيطين به.
الاتساق في الرعاية: الرعاية المتقلبة أو غير المنضبطة تزرع داخل الطفل شعوراً دائماً بالقلق وعدم الراحة والأمان، وتظهر في سلوكياته في مختلف المراحل العمرية.
الاحتضان والدفء العاطفي: غياب التلامس والاحتواء والشعور بالدفء العاطفي، خصوصاً من الوالدين، قد يولد أنماطاً تجنبية أو مضطربة لدى الطفل.
البيئة الأسرية: الصراعات الأسرية، الطلاق، أو الإهمال، وغيرهم من مختلف المشاكل الأسرية، تؤثر على الطفل وتضعف من قدراته على بناء علاقات اجتماعية صحية، وربما يفضل العزلة تجنباً للمشاكل خلال مسار حياته.
وبما أن الطفولة هي المرحلة التأسيسية لتشكيل أنماط التعلق، فالاعتماد الأكبر يكون على تقديم رعاية بطريقة سليمة تساعد في وقاية الأطفال من الاضطرابات النفسية في المستقبل، وربما خلال مرحلة الطفولة. ومن أبرز أساليب المساعدة:

إظهار الحب غير المشروط: يجب أن يشعر الطفل بالحب والتقدير لذاته، وليس لما يقوم به من نجاحات أو اتباع أسلوب تقديم الدعم والعاطفة عند القيام بنجاح عظيم وليس دون ذلك.
الاستجابة لحاجاته العاطفية: مثل الخوف والقلق والشعور الدائم بالرغبة في الاحتضان والشعور بالعاطفة، كل تلك المشاعر يحتاج الطفل لتلبيتها من المحيطين به.
الاستماع الفعّال: يجب أن نمنح الطفل الفرصة للتعبير عن كل ما يكنه من مشاعر إيجابية وسلبية، وعدم التقليل أو الاستهزاء بأي مشاعر لدى الطفل.
توفير بيئة آمنة: الأمان النفسي والبعد عن المشاكل الأسرية و التعنيف الأسري يساعد في زيادة شعور الأمان لدى الطفل.
التوازن بين الحماية والاستقلالية: الطفل يحتاج إلى الحرية في الاستكشاف والانطلاق داخل البيئة المحيطة به، والقيام بالتجارب الجديدة والتعرف على أشخاص جدد، مع الإحساس بأن والديه هم الملاذ الآمن دائماً عند التعثر أو السقوط.
إعطاء نموذج صحي للعلاقات: فالطفل يتعلم من رؤية المحيطين به بكثرة، وخصوصاً الوالدين، وكيف يتعاملون مع المشاكل الأسرية. لذلك ينصح دائماً بإبعاد الأطفال عن الخلافات.

أثر نظرية التعلق على العلاقات العاطفية في الكبر

عندما ينتقل الفرد إلى مرحلة البلوغ، تظهر أنماط التعلق التي تأسست في الطفولة في شكل واضح في علاقاته العاطفية:

١- التعلق الآمن:

يتميز أصحابه بالقدرة على بناء علاقات مستقرة. بطبعهم يعطون الثقة، ويتعاملون بتبادل الاحترام والتقدير، وتبادل المشاعر والأحاسيس مع المحيطين بهم. كما أنهم الأكثر قدرة على تفهم مشاعر الآخرين والتعامل معها بصورة سليمة، كما أنهم الطرف الأفضل في حل النزاعات والخلافات.

٢- التعلق القلق:

يميل أصحابه إلى التعلق المفرط بالشريك، ودائماً ما يشعرون بعدم ثقة من الطرف الآخر، والخوف المستمر من فقدان الآخرين. كما أنهم يظهرون بشكل دائم الحاجة إلى الحب والاهتمام، وأنهم يجب أن تكون لديهم الأولوية من قبل الآخرين. كما أن علاقاتهم تكون مضطربة ومليئة بالغيرة والتوتر.

٣- التعلق التجنبي:

يتجنب أصحابه القرب العاطفي الشديد، وغالباً ما يجدون صعوبة في التعبير عن المشاعر أو تقديم الدعم للآخرين. ربما يميلون إلى جفاف المشاعر في العلاقات، لذلك علاقاتهم غالباً سطحية وغير مستقرة على المدى الطويل، مجرد علاقات مؤقتة لأجل بعض المنافع.

٤- التعلق غير المنظم:

يظهر أصحابه سلوكيات متناقضة لا يستطيع الكثيرون تفهمها. وغالباً ما تكون علاقات مليئة بالتوتر. وغالباً يعانون من صدمات سابقة أو تجارب أسرية صعبة، تعكس ذلك على تصرفاتهم مع الآخرين، وعلاقاتهم العاطفية تكون مليئة بالتوتر والارتباك.

الاستفادة من نظرية التعلق في تحسين العلاقات

ساعدت نظرية التعلق على اكتشاف ما وراء العلاقات العاطفية بصورة كبيرة، وساعدت على فهم سلوكيات البشر وأثر الطفولة المنعكس عليهم في المستقبل.
وأوضحت بعض النقاط الهامة التي يجب على كل نمط التدرب عليها للتحسين من علاقاته الاجتماعية:
الشخص ذو التعلق القلق يمكن أن يتعلم الاستقلالية العاطفية، وأن يتعلم كيفية الثقة غير المشروطة بالآخرين.
الشخص ذو التعلق التجنبي يمكن أن يتدرب على التعبير عن مشاعره والتقرب من الآخرين، والتخلص من الجفاف العاطفي الذي يؤدي لخسارة الكثير من العلاقات.
حتى أصحاب التعلق غير المنظم يمكنهم عبر العلاج النفسي استعادة الأمان والثقة بالعلاقات، والتخلص من آثار صدمات الطفولة التي تجعلهم يعيشون في حالة ارتباك دائم.

تؤكد نظرية التعلق أن الطفل لا ينمو في فراغ، بل في شبكة من العلاقات العاطفية التي تحدد مستقبله النفسي والاجتماعي. ما يمر به الطفل منذ ولادته يشكل حياته المستقبلية، ويساعد في تكوين الكثير من صفاته وطريقة تعامله مع مختلف أمور الحياة.

لكن، في المقابل، لا يمكن أن يظل كل إنسان على حالته، بل يجب أن يسعى للوصول لأفضل صورة منه، وإعادة بناء ذاته، واكتساب ثقته بنفسه مجدداً. مما يجعل من الوعي بهذه النظرية خطوة أساسية نحو تحسين جودة العلاقات الإنسانية في الكبر، سواء في إطار الصداقة أو الحب أو الزواج، والتخلص من آثار صدمات الطفولة.

المصادر: 1 2

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
130

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
-
Useful
-
Normal
-
Not useful
-
دراسة تكشف الاضطرابات النفسية تتحول إلي أنماط شخصية متشابهه
Next article

دراسة تكشف الاضطرابات النفسية تتحول إلي أنماط شخصية متشابهه

إعادة مشاهدة برامجك المفضلة مفيدة لصحتك النفسية
Previous article

إعادة مشاهدة برامجك المفضلة مفيدة لصحتك النفسية

كاتب المقال
فريق لبيه المقالات : 1011
Related articles
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
توهم المرض والتعامل معه
توهم المرض والتعامل معه
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟