خوارزميات لاستشعار أعراض الصحة النفسية في الحياة اليومية
في عصرٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية والساعات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من تكويننا اليومي، لم تعد هذه الأجهزة مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى مراقبين صامتين لحالتنا البيولوجية والنفسية. في دراسة رائدة نشرتها مجلة Nature (npj Mental Health Research) مؤخراً تحت عنوان “تطوير خوارزميات مخصصة لاستشعار أعراض الصحة النفسية في الحياة اليومية”، يفتح الباحثون فصلاً جديداً في كيفية تشخيص الاضطرابات النفسية وعلاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
تطرح هذه الدراسة حلاً لمشكلة أزلية في الطب النفسي التقليدي:
الاعتماد على الذاكرة البشرية. فعندما يزور المريض الطبيب، يُطلب منه استرجاع مشاعره خلال الأسابيع الماضية. وهي عملية عُرضة للانحياز والنسيان. هنا يأتي دور “النمذجة الرقمية” (Digital Phenotyping) التي تهدف إلى رصد أعراض الصحة النفسية في وقت حدوثها الفعلي وفي بيئة المريض الطبيعية.
جوهر الدراسة والبيانات الضخمة في خدمة العقل
اعتمدت الدراسة التي قادها فريق بحثي متخصص (من بينهم الباحث آديل تيمونز) على تطبيق يُدعى “Colliga” تم تثبيته على أجهزة المشاركين (هواتف ذكية وساعات ذكية). شملت الدراسة 35 عائلة تم تتبعهم لمدة 60 يوماً، مما أسفر عن قاعدة بيانات عملاقة تحتوي على حوالي 14 مليون نقطة بيانات مستمدة من 52 مجرى بيانات مختلف (Data Streams).
تشمل هذه البيانات:
النشاط البدني والحركة: عبر مستشعرات التسارع (Accelerometer) ونظام تحديد المواقع (GPS).
التواصل الاجتماعي: وتيرة المكالمات، الرسائل النصية، واستخدام تطبيقات التواصل.
الأنماط الحيوية: مثل معدل ضربات القلب وجودة النوم.
البيئة المحيطة: مستويات الضوضاء والإضاءة.
الخوارزميات المخصصة مقابل العامة: أين يكمن السر؟
أهم ما ميز هذه الدراسة هو مقارنتها بين نوعين من نماذج تعلم الآلة:
النماذج العامة (Generalized Models):
التي تحاول اكتشاف أعراض الصحة النفسية بناءً على بيانات مجمعة من آلاف الأشخاص (نموذج “مقاس واحد يناسب الجميع”).
النماذج المخصصة (Personalized Models):
التي يتم تدريبها على بيانات الفرد نفسه لتفهم أنماطه الفريدة.
أظهرت النتائج تفوقاً كاسحاً للنماذج المخصصة. والسبب بسيط؛ فزيادة عدد ساعات النوم لدى شخص ما قد تكون علامة على الراحة، بينما لدى شخص آخر قد تكون أحد أعراض الصحة النفسية المرتبطة بالاكتئاب. النماذج المخصصة قادرة على تمييز هذه الفروق الدقيقة، مما يجعلها أكثر دقة في التنبؤ بالحالات المزاجية والتوتر.
رصد أعراض الصحة النفسية في “الوقت الفعلي”
تعد هذه التكنولوجيا حجر الأساس لما يعرف بـ “التدخلات التكيفية في الوقت المناسب” (JITAIs). تخيل أن الخوارزمية لاحظت تغيراً في نبرة صوتك، أو انخفاضاً حاداً في نشاطك البدني، أو عزلة اجتماعية مفاجئة؛ يمكن للهاتف حينها إرسال تنبيه أو تمرين تنفس أو حتى تنبيه المعالج الخاص بك قبل أن تتفاقم أعراض الصحة النفسية وتصل إلى مرحلة الأزمة.
الدراسة ركزت أيضاً على “النظام العائلي”، حيث لم تكتفِ برصد الفرد بل رصدت التفاعلات بين أفراد الأسرة. اكتشف الباحثون أن التوتر لدى أحد الوالدين يمكن التنبؤ به من خلال أنماط حركة الأبناء أو التفاعلات الرقمية بينهم، مما يوسع نطاق الرعاية النفسية من الفرد إلى الوسط المحيط به.
التحديات والعوائق: الطريق نحو التطبيق الشامل
رغم النتائج المبهرة، لا تزال هناك عقبات تقف أمام تعميم هذه الخوارزميات:
الخصوصية:
جمع 14 مليون نقطة بيانات عن حياة الفرد الخاصة يثير مخاوف أخلاقية كبيرة حول من يملك هذه البيانات وكيف تُحمى.
تباين البيانات:
تختلف جودة البيانات باختلاف نوع الجهاز المستخدم (أندرويد مقابل آيفون) ومدى التزام المستخدم بارتداء الساعة الذكية.
التعقيد البشري:
تظل أعراض الصحة النفسية متغيرة بتغير الظروف الحياتية المفاجئة. وهو ما يتطلب خوارزميات قادرة على التعلم المستمر وليس فقط الثبات على بيانات قديمة.
مستقبل الرعاية النفسية الرقمية
تمثل دراسة مجلة Nature لعام 2025 نقلة نوعية من الطب النفسي التفاعلي (الذي ينتظر وقوع المرض) إلى الطب النفسي الاستباقي. إن القدرة على استشعار أعراض الصحة النفسية من خلال “البصمة الرقمية” تعني أن العلاج سيصبح متاحاً لمن يحتاجه، في المكان والزمان الصحيحين، وبطريقة تناسب خصوصية كل فرد.
في الختام، نحن لا نتحدث عن استبدال الطبيب النفسي بالآلة، بل عن تزويد الطبيب بـ “رادار” رقمي يعمل على مدار الساعة. إن دمج هذه الخوارزميات في حياتنا اليومية يَعِد بمستقبل تكون فيه الصحة النفسية حقاً مصاناً ومدعوماً بالتكنولوجيا، حيث تُفهم أعراض الصحة النفسية وتُعالج قبل أن تترك أثراً عميقاً في حياة الأفراد.
المصادر: 1




































