البطالة وتأثيرها في ظهور الاضطرابات النفسية
تُعدّ البطالة واحدةً من أبرز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمعات في الحقبة الأخيرة، ويمتد تأثيرها على مختلف الفئات في المجتمع.
فهي لا تؤثر فقط على الجانب المادي للفرد، بل تمتد لتطال حالته النفسية، وتُهدد استقراره العاطفي والاجتماعي، وتفتح الطريق أمام كثير من السلوكيات الخاطئة، وانتشار الاضطرابات النفسية المختلفة، والتي أصبح من الصعب التعامل معها.
والبطالة تُعرّف بأنها الحالة التي يكون فيها الفرد القادر على العمل، وغير قادر على الحصول على وظيفة أو عمل يكفل له تأمين التزامات الحياة. وهذه الحالة قد تكون مؤقتة أو ممتدة لفترات طويلة، وتطال الكثير من الفئات العمرية في سن العمل. وقد تكون ناتجة عن عوامل فردية أو مجتمعية أو اقتصادية أو سياسية. هذا يتطلب بذل الكثير من المجهود لإيجاد حلول لتلك المشكلة.
أسباب انتشار البطالة في مجتمعاتنا
تتزايد نسب البطالة في الأعوام الأخيرة بطريقة سريعة، ويرجع ذلك لعدة عوامل اجتماعية وأسرية ومجتمعية. وهو ما يتطلب المزيد من الوعي والتعامل مع تلك الأسباب بصورة صحيحة، ومن تلك الأسباب ما يلي:
النمو السكاني السريع
تواجه المجتمعات العربية ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الشباب، الناجم من تزايد المعدل السكاني بصورة كبيرة، وازدياد الفئة العمرية من سن ١٨ عامًا فما يزيد، وهو متوسط العمر في بيئة العمل. وهذا ما يزيد الضغط على سوق العمل، ويؤدي إلى زيادة المعروض من القوى العاملة مقابل قلة الطلب. نلاحظ قلة في أعداد الوظائف المطروحة في مختلف المجالات، وانخفاض الأجور لتزايد الطلب.
ضعف السياسات الاقتصادية
عدم كفاءة السياسات الاقتصادية وسوء التخطيط في بعض الدول، يؤدي إلى غياب فرص العمل في العديد من المجالات، وعدم دعم وتحفيز القطاع الخاص على التوظيف وتوفير فرص العمل التي تليق بالكفاءات. وفي بعض الدول، يكون الاعتماد على الوافدين من الدول الأخرى في معظم المجالات، مما يزيد من معدلات البطالة.
الاعتماد على القطاع العام
في كثير من المجتمعات، يميل الأفراد إلى انتظار فرص التوظيف الحكومي، والتي تُعدّ فرصًا ثابتة بأجور ثابتة قابلة للزيادة. ولكن أصبحت القطاعات الحكومية في صورة اكتفاء، ويجب التوجه للقطاعات الخاصة التي تفتح المجال أمام العديد من الوظائف وبأعداد أكبر. ولكن التخوف من نظام العمل الخاص يدفع الكثيرين إلى انتظار الوظيفة الحكومية فقط، فتزداد نسبة البطالة بين الأعمار الصغيرة.
عدم توافق مخرجات التعليم مع سوق العمل
غالبًا ما يفتقر التعليم إلى المهارات العملية، ونجد أن ما يتم تعلمه خلال سنوات دراسية كثيرة لا يؤهل لسوق العمل، ويحتاج الكثير من الخريجين لاستكمال الدراسة أو الحصول على مهارات جديدة، مما يجعلهم غير مهيئين لسوق العمل الحقيقي في البداية. فيؤدي ذلك إلى فجوة كبيرة بين العرض والطلب.
النزاعات والصراعات السياسية
تؤثر النزاعات والحروب في بعض الدول على استقرار الاقتصاد، مما يخلق مجالًا أوسع للهجرة، وتعطّل أسواق العمل، وانخفاض الوظائف، وقلة الاستثمار، وانخفاض الأجور. فذلك يخلق بيئة غير عملية، وليست مجزية للعمل.
التطور التكنولوجي
أدى الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن عدد كبير من الوظائف التقليدية، وأصبح الكثيرون يرغبون فقط بالعمل الحر والعمل عن بُعد، مما ساهم في زيادة معدلات البطالة، لا سيما في القطاعات التي تعتمد على العمالة اليدوية، والسعي وراء الحصول على العائد المادي بأقل مجهود وأقل تكاليف.
التأثير النفسي للبطالة
البطالة لا تعني فقط فقدان مصدر دخل، بل تمثل أزمة وجودية للفرد. فالشعور بأن الحياة بلا معنى وبلا هدف، أخطر على الفرد من الضائقة المادية. وتشمل التأثيرات النفسية للبطالة ما يلي:
القلق المستمر والتوتر
الشخص العاطل عن العمل يعاني من قلق دائم، والتفكير المستمر حول المستقبل والمجهول، والمقارنة مع أقرانه في نفس الفئة العمرية، يزيد من شعوره بالضيق والتوتر الدائم، وعدم التحكم في ذلك يؤدي لاضطرابات نفسية كبيرة.
Depression
يُعدّ الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا بين العاطلين عن العمل، والشعور المستمر بالعجز والفشل، وعدم القدرة على السعي مجددًا. يزيد من فرص الاكتئاب. لذلك نجد الآن العديد من الشباب في المراحل العمرية الصغيرة مصابون بالاكتئاب، نتيجة ما يفرضه سوق العمل من ضغوطات عليهم من أجل الوظائف ومتطلباتها.
تدني احترام الذات
يرتبط العمل ارتباطًا وثيقًا بقيمة الإنسان في ذاته، ومفهومه عن الحياة ومسؤولياتها. فيبدأ الفرد تدريجيًا في احتقار ذاته، ورؤية نفسه على أنه غير كافٍ، ولا يستحق الأفضل، وخصوصًا عند التعرض للرفض في أكثر من فرصة للتوظيف.
العزلة الاجتماعية
غالبًا ما يميل العاطلون إلى الانعزال عن المجتمع، هروبًا من انتقاد الآخرين أو الحكم عليهم بالفشل، وعدم الرغبة في السعي، مما يزيد من حدة الشعور بالوحدة.
زيادة التوتر داخل الأسرة
فقدان الدخل، وانخفاض مستوى المعيشة، يؤدي للعديد من الصراعات والتوتر داخل الأسرة، وازدياد الضغط على الأفراد من أجل الحصول على وظيفة، حتى ولو لم تكن مناسبة، ولكن من أجل ضمان أساسيات المعيشة فقط.
الأفكار الانتحارية
في بعض الحالات القصوى، مع ازدياد الضغط الواقع على الشباب، ومع غياب الدعم النفسي والأسري. قد يتطور الأمر بالوصول للأفكار الانتحارية، بسبب فقدان الأمل، والشعور المستمر بالعجز، وعدم الكفاءة للحصول على فرص داخل المجتمع.
ونجد الشباب هم أكثر الفئات تأثرًا بالبطالة، خصوصًا مع وجود الطاقة والرغبة في الانطلاق داخل سوق العمل. في المقابل، يتطلب سوق العمل العديد من المهارات التي لا يمتلكها الشباب صغار السن، وانخفاض الأجور مقابل عدم تواجد الخبرات، فتتولد بداخلهم مشاعر الإحباط، وتضعف عزيمتهم وقدرتهم على التخطيط للمستقبل. هذا يفتح الباب أمام ظواهر مثل:
الهجرة الشرعية وغير الشرعية.
الإدمان، والأفكار الانتحارية.
الانخراط في جماعات متطرفة أو إجرامية أو معادية لأي قوانين مجتمعية.
الانسحاب من المسؤولية المجتمعية، والرغبة المتزايدة في الانعزال.
انتشار الاضطرابات النفسية المختلفة بين الشباب.
كيف يمكن التعامل مع التأثيرات النفسية الناتجة من فقد العمل؟
على الرغم من صعوبة الوضع، إلا أن هناك خطوات عملية يمكن اتباعها للتقليل من التأثير النفسي للبطالة:
إعادة تشكيل الحياة بعيدًا عن العمل
العمل لا يُعرّف الإنسان بالكامل، والعمل لا يعطي فقط للفرد القيمة، بل يجب أن يتعلم الفرد الشعور بمعنى الحياة، ويرى قيمة لنفسه من خلال صفاته الشخصية، وعلاقاته الإنسانية، مما يعطيه الدافع على الاستمرارية في رحلة العمل رغم كل الصعاب.
تنظيم الروتين اليومي
من المهم وضع جدول يومي منتظم يشمل النوم الجيد، الطعام الصحي، الرياضة، والقراءة والتعلم، وذلك حفاظًا على الحياة، وإعطاء المساحة للحياة الشخصية التي يستطيع الفرد خلالها تطوير نفسه لتناسب سوق العمل، والبحث عن المجالات الجديدة التي تفتح الآفاق أمام الشباب.
مواصلة التطوير الذاتي
يمكن استغلال فترة البطالة لتعلم مهارات جديدة، وتطوير المهارات المطلوبة لسوق العمل بصورة أسرع. ويعزز الفرد ثقته بنفسه، ويصبح أكثر ملاءمة لسوق العمل. وينبغي أن يسعى الفرد لتطوير ذاته في العمر الصغير، ومراحل الدراسة، ليناسب متطلبات سوق العمل الآن.
الانخراط في أنشطة تطوعية
العمل التطوعي يمنح الشعور بالإنجاز، ويساعد الكثير من الأفراد على اكتساب مهارات كثيرة في عمر صغير، ويوسع دائرة العلاقات الاجتماعية التي من شأنها أن تساعد الفرد.
طلب الدعم النفسي
التحدث مع مختص نفسي لا يُعدّ ضعفًا، بل خطوة شجاعة للتعامل مع المشاعر السلبية، ومساعدة الشباب على تجاوز تلك الأزمات.
التواصل مع الآخرين
يجب الحفاظ على العلاقات الاجتماعية لتفادي العزلة، ومشاركة المشاعر والتحديات، والحصول على التشجيع الكافي من أجل السعي أمام صعاب سوق العمل في ذلك العصر.
فتح آفاق جديدة للعمل
بدلًا من انتظار الوظيفة التقليدية، يمكن التفكير في مشاريع صغيرة، أو العمل الحر والعمل عن بُعد. مجالات العمل أصبحت أكثر توسعًا، ولكن تحتاج للسعي واكتساب المهارات، وخاصة أن الاقتصاد الرقمي أصبح بديلًا واقعيًا في هذا العصر.
البطالة ليست مجرد حالة اقتصادية عابرة، بل قد تتحول إلى أزمة نفسية عميقة تؤثر على الفرد والمجتمع بأكمله. وهي ظاهرة بدأت بالانتشار من العقود السابقة، ولكن لم تكن بالصورة التي تتواجد عليها في هذا العصر.
والتعامل مع البطالة يجب أن يتم على مستويين: الوقاية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال السياسات العادلة، والفرص المتكافئة، خصوصًا للفئات العمرية صغيرة السن. والدعم النفسي، من خلال بناء الوعي، وتقديم المساعدة لمن تأثرت حالتهم النفسية.




































