التعلق المرضي عند الاطفال

التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال مصطلحان شائعان في علم النفس منذ القِدم، يُعرف علماء النفس اضطراب التعلق: بأنه اضطراب سلوكي يمنع الشخص من تكوين العلاقات، ولسهولة الدراسة يمكن تقسيم اضطراب التعلق لنوعين، اضطراب التعلق عند الأطفال الذي يعبر عن عدم قدرة الطفل على تكوين علاقات مع مقدم الرعاية كالأهل، واضطراب التعلق عند البالغين الذي يعبر عن الصعوبات التي تواجه البالغ عند محاولة الانخراط في نشاطات جماعية أو علاقات عاطفية. رغم ذلك يؤكد معظم علماء النفس أن اضطرابات التعلق تحدث أساسًا في فترة الطفولة وقد تستمر تأثيراتها طيلة الحياة.

ما هو التعلق في علم النفس؟

يمكن تعريف التعلق في علم النفس بأنه رابط عاطفي عميق يجمع بين طرفين أو شريكين، ويؤمن لهما هذا الرابط شعورًا بالأمان بوجود أحدهما مع الآخر، وتعلق الأطفال بأحد الوالدين أو كليهما هو حالة خاصة من حالات التعلق النفسي، إذ يكون فيها شعور الأمان و القرب مرتبطًا بأحد الوالدين أو كليهما معًا.

أما نظرية التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال في علم النفس فهي نظرية تقترح أن البشر يولدون بحاجة إلى تكوين رابطة عاطفية وثيقة مع مقدم الرعاية، وأن هذه الرابطة سوف تتطور خلال الأشهر الستة الأولى من حياة الطفل، وتشرح النظرية نتيجة التعلق وكيفية تأثيره على تطور الطفل  النفسي والجسدي.

تطور مفهوم التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال

  • أول من أوجد فهمًا حقيقيًا لمفهوم التعلق عند الأطفال هو الطبيب والعالم البريطاني جون بولبي John Bowlby (1907 – 1990). 
  • درس بولبي علم النفس في جامعة كامبريدج، وتخصص بعد تخرجه في طب نفس الأطفال.
  • أبدى اهتمامًا بالاضطرابات النفسية عند الأطفال الذين يعيشون في مؤسسات رعاية الأطفال وملاجئ الأيتام.
  • عمل بولبي في مركز للأطفال في لندن لمراقبة السلوكيات والتأثيرات الناتجة عن التعلق أو خسارة الشخص الذي يتعلق به الطفل.
  • استطاع توضيح الدافع الحقيقي لمسألة التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال بشكل أوسع وأكثر تفصيلاً.
  • فسر بولبي التعلق عند الأطفال بمبدأ دافع يقترح أن الطفل منذ مرحلة الرضاعة يعيش التعلق كطريقة يكتسب فيها الأمان والحماية من الشخص المتعلق به والمتمثل بأحد الوالدين (عادة الأم) ما يمنحه فرصة أكبر للبقاء والاستمرارية.
  • تظهر مرحلة التعلق أكثر ما يمكن في عمر سنتين ونصف.
  • أظهر بولبي أن الأطفال يبدون سلسلة من التصرفات العاطفية عند إبعادهم عن مقدم الرعاية أو موضوع التعلق الخاص بهم، من خلال الاحتجاج المتمثل بالبكاء والهيجان، 
    اقرأ أيضًا: فرط الحركة ونقص الانتباه لدى الأطفال ومحاور العلاج السلوكي للأسرة
  • ثم ينتقل الطفل بعدها لمرحلة اليأس، وتسود تصرفاته الهدوء و الصمت، ويبدو الأمر أشبه بتصرف تطوري يبدأ بالاحتجاج عند غياب الإحساس بالأمان.
  • ثم الصمت لتجنب لفت النظر و تجنب الأخطار الخارجية، وهذا يشابه ما أكده غلاسر لاحقًا في عام 2006، عندما قال أن الطفل يريد أن يكون قريبًا من مقدم الرعاية عند إحساسه بأنه تحت الضغط أو الخطر كفعلٍ تطوري طبيعي عند البشر.
  • أما المرحلة الثالثة فهي الانفصال، حيث يستأنف الطفل نشاطات حياته عند غياب مقدم الرعاية وهي أشبه بما يحدث لاحقًا في مرحلة البلوغ والانفصال عن الأهل، أو عند الانفصالات الرومانسية في العلاقات العاطفية.


جون بولبي مؤسس نظرية التعلق عند الأطفال

أنواع التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال

يمكن تقسيم التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال إلى ثلاثة أنواع:

  • تعلق آمن: يعتبر الطفلُ مقدمَ الرعاية مصدرًا للدعم والأمان، لذلك فإنه ينزعج عند غيابه، ويسعى للبقاء بالقرب منه.
  • التعلق الإنطوائي غير آمن: يكون الطفل هنا قليل الميل للعب والتواصل الاجتماعي مع أقرانه، ويتميز بأن احتجاجه على مغادرة أو غياب مقدم الرعاية قليلًا أو معدومًا.
  • تعلق مضطرب أو مشوش غير آمن: الطفل هنا غير قادر على استخدام مقدم الرعاية كقاعدة للأمان، بالرغم أن الطفل يسعى للتواصل مع مقدم الرعاية لكنه يتميز بمشاعر متناقضة مضطربة عند حدوث التواصل.
    اقرأ أيضًا: الوسواس القهري الجنسي معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية


مراحل التعلق عند الأطفال

دراسات حديثة عن التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال

رغم صعوبة إيجاد عينة لدراسة اختلاف الظروف البيئية والتربوية وتأثيرها عن موضوع التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال عامةً، فقد ظهرت دراسات حديثة تبحث في هذا الموضوع وتفصِّل فيه على النحو الآتي:

  • استطاع رودولف شيفر وبجي إيميرسون في عام 1964 أن يحضرا دراسة يشرحان فيها مراحل التعلق عند الأطفال.
  • قدما ملخصها أنَّ الأطفال بعد عمر ثلاثة أشهر يصبحون أكثر ارتباطًا بالوجوه المألوفة ويبدون ارتياحًا أكثر تجاههم.
  • في عمر 7 أشهر ينتقلون لتحديد شخص معين يعتبرونه بمثابة رمز للأمان والحماية والراحة لهم.
  • هنا تبدأ مرحلة الخوف من الغريب المختلف عن موضوع التعلق، ويشعرون بالخوف وغياب السعادة عند إبعادهم عن مقدم الرعاية. 
  • كما تظهر أعراض القلق والخوف عند الأطفال خاصة في العام الاول من العمر.
  • أما بعمر 18 شهر؛ فيلاحظ أن الطفل ينتقل من مرحلة التعلق بشخص للتعلق بعدة أشخاص، ويمتاز هؤلاء بأنهم يختلفون بالقيمة والاهمية والقرب من الطفل.
  •  قد يكون للطفل رابط تعلق بثلاثة أشخاص؛ يكون أحدهم مقربًا بشكل أكبر من الاثنين الآخرين، لكن الأهم أن التعلق هنا غير مرتبط بالحاجات الأساسية كالطعام.
  • وجد أن الطفل يكون أكثر تعلقًا بمن يفهم إشارته، ويتواصل معه، و يؤمن له اللعب، والشخص الذي يستجيب لطلباته بشكل أسرع.
  • من أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة أن عيش حالة من التعلق المرضي والتعلق الآمن عند الأطفال تبدأ بمن يستوعبه ويفهم لغته أكثر ممن يقضي معه وقتًا طويلًا دون تفاعل.
  • توصلت الدراسة لسؤالٍ أهم: ماذا يحدث إذا حدثت المباعدة بين الطفل وموضوع تعلقه كحادثة وفاة الأم أو الأب أو السفر أو الطلاق مثلاً؟
  • حتى نصل لجواب واضح نحتاج لدراسات عميقة تستوعب عمر الطفل و احتياجاته والبيئة التي يعيش فيها، وقد لوحظ أن:
  1.  إبعاد الطفل عن مقدم الرعاية يؤدي لنتائج مستقبلية تتمثل بضعف ذكاء الطفل و تصرفات عنيفة و عدوانية.
  2. لوحظ أن بعضهم يحدث لديه أعراض قلق واكتئاب أشبه بتناذر ما بعد الصدمة.
  3. الأسوأ تطور نوع من السيكوباتية بتصرفات عدائية مناهضة للمجتمع دون إبداء أي إحساس بالذنب.

المصادر: المصدر 1، المصدر 2

مشاركة المقالة