الانهاك الوظيفي وتأثيره على الفرد
إن جميع الأفراد الآن في حالة سعي مستمر لتوفير جميع سبل الحياة، فنجد فئات عمرية مختلفة تتعرض إلى الانهاك الوظيفي، فالجميع يرغبون بتوفير حياة مستقرة ولا ينظرون لضرر ما يحدث لهم.
ما هو الانهاك الوظيفي؟
الانهاك الوظيفي هو حالة من الإرهاق البدني والعقلي والعاطفي نتيجة الضغوطات المستمرة في العمل، سواء بالعمل داخل مكان واحد لعدد ساعات طويلة أو التنقل بين أماكن مختلفة للعمل. كما تتسم حالة الإنهاك الوظيفي بفقدان الشغف والحماس ناحية العمل، وانخفاض القدرة الإنتاجية للفرد، والشعور المستمر بالإعياء والإرهاق، مما يؤثر سلباً على الأفراد وأماكن العمل.
وقد يظهر على الفرد العديد من أعراض الانهاك الوظيفي التي تختلف بين جسدية ونفسية وعاطفية. وهذه أهم الأعراض التي يجب أن تكون إنذاراً لأن هذا الشخص يعاني من الإنهاك الوظيفي، ومن هذه الأعراض:
1- الأعراض الجسدية:
- – الشعور بالإرهاق والإجهاد المستمر الذي لا يختفي بعد فترات الراحة.
– الصداع المزمن دون وجود سبب مرضي آخر، وانتشار آلام العضلات في مختلف أنحاء الجسم.
– انعدام القدرة على أداء أبسط الأنشطة، والشعور الدائم بالكسل والخمول وانخفاض الطاقة.
– اضطرابات في النوم، والتي تختلف بين الأشخاص، فنجد البعض يعاني من الأرق وصعوبات في النوم، والبعض الآخر يعاني من زيادة فترات النوم.
– ضعف المناعة، والذي يظهر في كثرة تعرض الفرد للإصابة بالأمراض المختلفة.
2- الأعراض النفسية:
- – الشعور الدائم بفقدان الرغبة والحماس، والشعور بالإحباط والحزن تجاه العمل.
– انخفاض الثقة بالنفس وانخفاض الإنتاجية، والشعور بعدم التقدير والكفاءة.
– ازدياد التفكير السلبي تجاه العمل ومكان العمل بشكل متكرر، مما يصيب الفرد بالعجز.
– صعوبات في التركيز في أغلب الأوقات، وازدياد التشتيت الذهني، كما يصعب اتخاذ قرارات سليمة.
3- الأعراض العاطفية:
- – الإحساس بالتوتر أو القلق المستمر.
– تقلبات مزاجية بين ازدياد العصبية والحساسية المفرطة تجاه أي موقف، وبين ازدياد الشعور بعدم الأهمية واللامبالاة تجاه العمل ونتاج هذا العمل.
– الميل للعزلة الاجتماعية، وتجنب العديد من المهمات، والشعور فقط بالقدرة على أداء العمل المطلوب دون أي زيادة.
4- الأعراض السلوكية:
- – انخفاض الإنتاجية أو جودة الأداء الوظيفي، ووجود العديد من الأخطاء في أداء العمل.
– زيادة التغيب عن العمل أو الذهاب متأخراً لفقدان الرغبة تجاه هذا العمل.
– الاعتماد على الكافيين أو التدخين أو غيرها كوسيلة للتغلب على التوتر والتخلص من التراكمات السلبية، فنجد الشخص يميل إلى المزيد من العصبية.
– الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية أو الترفيهية.
– كل هذه الأعراض يجب ملاحظتها من الطرفين؛ العامل وصاحب العمل. فلا يجب على أي فرد يتعرض للإنهاك الوظيفي، وقد تظهر عليه العديد من الأعراض، الاستمرار بنفس الرتم – داخل العمل. ويجب على أصحاب العمل ملاحظة جميع العاملين، وتقييم السلوك والأداء بشكل مستمر، لتجنب وقوع الموظفين في الإنهاك الوظيفي، وضرورة التدخل السريع بتخفيف الأعباء الوظيفية أو زيادة عدد العاملين.
ما الذي يؤدي إلى الانهاك الوظيفي؟
الانهاك الوظيفي ينتج عن تفاعل الكثير من العوامل المختلفة، قد تتعلق بالفرد نفسه أو بيئة العمل أو حتى نظام الحياة لكل فرد. ومن بين الأسباب الرئيسية ما يلي:
أسباب تتعلق ببيئة العمل:
ضغوط العمل الكبيرة:
- يتم فرض العديد من المهام في أوقات زمنية قصيرة، مما يجعل الأفراد في حالة ضغط دائم ومستمر لمحاولة إنجاز العمل في الوقت المطلوب.
غياب التقدير والدعم:
- برغم كافة الضغوطات والسعي المستمر، إلا أن التقدير لا يكون كافياً للشعور بالرضا. وفي الآونة الأخيرة في بعض الدول، لا يكون هناك تقدير مادي كافٍ مقابل لضغوطات العمل.
الروتين القاتل:
- الغالبية من المهام الآن، بالرغم من كثرتها، إلا أنها تدخل في دوامة الروتين. لا يوجد تطوير شخصي أو تنوع في المهام المطلوبة، والروتين يؤدي لغياب الإبداع والتفكير.
بيئة عمل سلبية:
- نادراً ما نجد بيئة عمل خالية من المشاكل والخلافات، ولكن عندما يتطور الوضع للتأثير على نفسية الأفراد، وعدم وجود طريقة للتعاون بينهم، يؤدي ذلك إلى الإنهاك، ليس لأداء العمل فقط، ولكن لتجنب المشكلات.
عدم توضيح المسؤوليات:
- في أماكن عمل كثيرة نجد فرداً واحداً فقط مسؤولاً عن العديد من الوظائف، دون وجود توضيح لماهية دور كل فرد. وينخرط الأفراد في الكثير من الأعمال غير الملائمة لطبيعة دراستهم أو مجال عملهم.
أسباب شخصية:
الكمالية المفرطة:
بين أفراد هذا الجيل، أصبح السعي لتحقيق أفضل ما يمكن والبحث عن الكمالية في كل شيء سبباً رئيسياً لسوء الحالة النفسية والتعرض إلى الإنهاك الوظيفي.
ضعف مهارات إدارة الوقت:
بسبب الالتزام بأكثر من عمل وضيق الوقت المطلوب لكل المهمات، نفقد القدرة على تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، ويزداد الشعور بالضغط النفسي بسبب ذلك.
عدم وجود حدود:
في بعض الأعمال، لا يمتلك الأفراد القدرة على وضع حدود لما يمكنهم تحمله من الأعمال، فتزداد الضغوطات عليهم بشكل مفرط.
التعلق المفرط بالعمل:
الخوف من فقدان العمل وعدم القدرة على الدخول في عمل آخر يزيد من الاستغلال الذي يتعرض له الأفراد في بيئة العمل.
أسباب تنظيمية:
الإدارة السيئة:
عدم وجود قدرة على التواصل مع الإدارة واتخاذ القرارات العشوائية يؤدي للعديد من المشاكل.
غياب الموارد:
بسبب الوضع الاقتصادي، يحدث غياب للكثير من الموارد اللازمة لأداء المهام بالشكل المطلوب والسرعة المطلوبة.
ضغط المنافسة:
التنافس الشديد في سوق العمل قد يؤدي إلى إرهاق نفسي مستمر.
ما الذي يترتب على الإنهاك الوظيفي وكيف يمكن تجنب ذلك؟
الإنهاك الوظيفي له تأثيرات سلبية عديدة على الأفراد والمؤسسات، ويمكن تلخيص نتائجه كما يلي:
على المستوى الشخصي:
التأثير الجسدي: يؤدي إلى مشاكل صحية مثل الإرهاق المزمن، والاضطرابات النفسية، والعديد من الأمراض العضوية والآلام الجسدية.
النفسي: يزيد من خطر الإصابة بالأمراض النفسية، وخاصة القلق والاكتئاب.
الاجتماعي: يؤدي إلى ضعف العلاقات مع الأصدقاء والعائلة بسبب الإجهاد المستمر من العمل، والرغبة في العزلة عن الآخرين.
ضعف الإنتاجية: انخفاض الإنتاجية وزيادة الأخطاء بسبب قلة التركيز والإجهاد المستمر.
على مستوى العمل:
ضعف الأداء المهني: يؤدي إلى انخفاض الجودة والإنتاجية في العمل، وزيادة الأخطاء المحتملة التي قد تؤدي لخسائر فادحة.
زيادة التغيب عن العمل: بسبب تراكم الضغوطات، لا يستطيع الأفراد مواصلة العمل لفترات طويلة.
التأثير على فريق العمل: يضعف ذلك من روح التعاون، فكل فرد منهمك في أداء المهام المطلوبة منه، ولا يرغب في مساعدة الآخرين.
تلك صورة بسيطة من تأثير الإنهاك الوظيفي على العمل، وباستمرار ذلك تزداد معدلات البطالة، وتكون هناك خسائر مالية ضخمة تعود من ذلك. ولكن ما هي الحلول لذلك؟
استراتيجيات لمواجهة الإنهاك الوظيفي
المستوى الشخصي:
إعادة ترتيب الأولويات:
ركّز على المهام الأكثر أهمية، وذات الفائدة الكبيرة للمجتمع، وأيضاً تحقق دخلاً مادياً يوفر أساسيات المعيشة.
ممارسة الأنشطة الترفيهية:
يجب تخصيص وقت يومي أو حتى أسبوعي للحصول على الراحة، وممارسة الهوايات والأنشطة الرياضية والاسترخاء، حتى يستعيد الفرد توازنه.
الاعتناء بالصحة:
الحصول على قسط كافٍ من النوم، وتناول طعام صحي، وممارسة التمارين الرياضية، وشرب الماء، والبعد عن المنبهات بكثرة، والالتزام بالعمل الذي يتناسب مع قدرات الفرد.
عدم الدخول في أكثر من عمل:
يجب البعد عن فكرة الكمال، والتخلي عن بعض رفاهيات الحياة من أجل تجنب الإنهاك الوظيفي.
اختيار الأعمال المناسبة لشخصية الفرد:
لتجنب روتين الحياة، يجب أن يسعى كل فرد للحصول على العمل المناسب لدراسته وأفكاره في الحياة، حتى لا يصاب بالملل والروتين من العمل من أجل المال فقط.
طلب المساعدة:
استشر زميلاً أو متخصصاً نفسياً للمساعدة على تنظيم الحياة والتعامل بشكل سليم مع الضغوطات.
على مستوى أماكن العمل:
توفير الدعم: يجب أن توفر المؤسسة بيئة عمل داعمة تركز على صحة العاملين بها، وتوفير سبل الراحة الممكنة لتحسين الأداء الوظيفي.
إعادة هيكلة العمل: توزيع المهام بشكل عادل، وتقليل الضغط الزائد عن الموظفين، وإلزام كل شخص بأداء المهام التي تتناسب مع دوره في المؤسسة.
توفير العمالة الكافية: يجب توفير الكفاءات والشباب في مجالات العمل وبأعداد كافية لتلبية احتياجات العمل، ولا يكون الهدف فقط توفير العمل بأقل عائد مادي على المؤسسة.
تعزيز ثقافة التوازن: تشجيع الموظفين على أخذ إجازات منتظمة، والاهتمام بحياتهم الشخصية، والسماح بفترات راحة متقطعة أثناء يوم العمل.
تقديم العائد المادي المناسب: إن متطلبات الحياة هي ما تدفع كل فرد الآن للدخول لأكثر من عمل مرهق في نفس ذات الوقت، ولكن عندما يكون العائد المادي مجزياً يساعد في استقرار العاملين، وتوفير الطاقة والحماية من الإنهاك الوظيفي.
تشجيع الشباب: كثيراً ما تتطلب أماكن العمل العديد من سنوات الخبرة من أجل العمل، وهو ما يمثل عائقاً أمام صغار السن، ولكن يجب إتاحة الفرص لهم، وإتاحة الترقيات داخل أماكن العمل لمن يستحقها.
ما هي أكثر الدول تعرضاً إلى الإنهاك الوظيفي؟
أظهرت الأبحاث حديثاً مقدار ما تتعرض له مختلف الدول من الإنهاك الوظيفي، والذي أصبح ظاهرة عالمية حتى في أكثر الدول تقدماً.
في منطقة الخليج، تشير التقارير إلى أن معدلات الإنهاك الوظيفي أعلى من المعدل العالمي، حيث تسهم الضغوط الاقتصادية وتكاليف المعيشة المرتفعة في زيادة هذه الظاهرة.
فنجد دولة المملكة السعودية في مقدمة الدول الخليجية المعرضة إلى الإنهاك الوظيفي، وذلك بسبب طبيعة ما تتعرض له المملكة من زيارات دائمة وتوافد الملايين من الأشخاص للعمل.
وهذا ما تسعى الدولة لحله بزيادة كبيرة في عدد العاملين، وتوفير العديد من سبل الراحة لتقليل الجهد على العاملين، ولكن يحتاج المزيد من الوقت لتقليص الظاهرة داخل الدولة.
إن التغلب على الإنهاك الوظيفي يتطلب تغييراً في التفكير والعادات، ودعماً على المستوى الشخصي والتنظيمي لتحقيق التوازن النفسي والإنتاجية. إليك تطبيق لبيه الذي يقدم حلولاً إرشادية من أجل التغلب على المشاكل النفسية في بيئة العمل.





































