Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

التعلم بالملاحظة … كيف يقلد الأطفال سلوك الكبار؟

يُعتبر الأطفال مرآة اجتماعية، فهم يراقبون محيطهم بكل حساسية، ويتعلّمون من سلوكيات البالغين، سواء أكانت إيجابية أم سلبية. وعندما يشهد الطفل سلوكًا عدوانيًا، أو تصرفًا خاطئًا، فإنه يتجه لتقليد تلك التصرفات، والعكس صحيح. عند رؤية مواقف وتصرفات جيدة، فإنهم يتجهون لتقليد تلك المواقف، وهو ما يعرف بمفهوم التعلم بالملاحظة.
وأحد أبرز الأدلّة على هذا التأثير هو تجربة دمية بوبو الكلاسيكية التي أجراها العالم النفسي ألبرت باندورا في أوائل الستينيات، ليتضح من خلالها كيف يتم ترسيخ المبادئ لدى الأطفال عن طريق التعلم بالملاحظة.

مفهوم التعلم بالملاحظة من خلال تجربة دمية بوبو

في وقت كان فيه علم النفس يركز على دور العقاب والمكافأة في التعلم بالملاحظة، جاء ألبرت باندورا ليُظهر أن الأطفال قد يتعلّمون أيضًا من خلال الملاحظة والتقليد ورؤية السلوكيات المختلفة حولهم، خصوصًا من كبار السن.
التساؤل الرئيسي كان: هل يتعلّم الأطفال العدوان ببساطة عن طريق مشاهدة سلوك عدواني؟ وهذا التساؤل كان الدافع الذي بني عليه التجربة والاستنتاجات.

المنهج والأسلوب المتبع في التجربة

دمية بوبو هي دمية كبيرة بلاستيكية، أقرب لشكل المهرج، لكن ذات وزن ثقيل لا يمكن إسقاطها بسهولة.
شارك في التجربة 72 طفلًا (36 ولدًا و36 بنتًا) من روضة جامعة ستانفورد، تتراوح أعمارهم بين حوالي 3 إلى 7 سنوات. تم تقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
مجموعة شاهدت نموذجًا عدوانيًا: هذه المجموعة شاهدت بعض الأشخاص الأكبر في السن وهم يعنفون الدمية ويضربونها، وانعكس ذلك على تصرفهم تجاه الدمية، فقاموا هم الآخرون بضرب الدمية دون وجود سبب حقيقي، بل بالتأثر بالأكبر سنًا.
مجموعة شاهدت نموذجًا غير عدوانيًا: هذه المجموعة شاهدت الأكبر سنًا يتعاملون بلطف تجاه الدمية، ولا يسببون لها أي نوع من الأذى. فانعكس ذلك على تصرفهم تجاه الدمية، حيث تجاهل الأطفال الدمية ولعبوا بهدوء.

مجموعة التحكم (الضابطة): لم تشاهد أي نموذج، ولم تتعرض للتعامل مع الدمية.
وبعد العرض والتعامل مع الدمية، وملاحظة سلوك الأطفال تجاهها، تم إشعال إحساس بالإحباط لدى الطفل، ثم أُدخل إلى غرفة بها دمية بوبو وغيرها من الألعاب العدوانية وغير العدوانية، ثم لوحظ سلوكه لمدة 20 دقيقة، وتم على أساس ذلك بناء النتائج وملاحظة تأثير التعلم بالملاحظة على الأطفال.

النتائج البارزة

وجد باندورا أن الأطفال في المجموعة التي شاهدت السلوك العدواني كانوا أكثر احتمالًا إلى تقليد هذا السلوك، جسديًا ولفظيًا، وتصرفاتهم عدوانية. وهذا نتج عن تأثرهم من مشاهدة الأكبر سنًا يعنفون الدمية، كما أن الأولاد أكثر ميلًا إلى تقليد النماذج من نفس جنسهم.
ومن هنا تُعد تجربة بوبو حجر زاوية في نظرية “التعلم الاجتماعي” لـ باندورا، والتي تفيد بأن السلوك يمكن أن يُتعلّم من خلال الملاحظة والتقليد، ونشأ من هنا مفهوم التعلم بالملاحظة، وليس فقط من خلال التجربة المباشرة بالعقاب أو المكافأة.

كما كشفت التأثير القوي للمحيطين بالطفل على تصرفاته، سواء كانت داخل المنزل أو المدرسة أو حتى في الأماكن الاجتماعية. كل التصرفات السيئة والعدوانية تنعكس على الطفل وتؤثر عليه.

استراتيجيات فعّالة للحد من تأثير التعلم بالملاحظة على الأطفال

تجربة بوبو فتحت الآفاق أمام علماء النفس لوضع استراتيجيات فعالة من أجل السيطرة على السلوك العدواني للأطفال. فهذه التجربة أثبتت أن جزءًا كبيرًا من سلوك الأطفال العدواني نابع من التعلم بالملاحظة من الأكبر سنًا. لذلك ينبغي التعامل مع الأطفال بحرص واتباع هذه التعليمات من أجل الحد من التأثير السلبي الناتج من التعلم بالملاحظة:

1- تقليل التعرض للعنف:

تقليل مشاهدة المحتوى العنيف، سواء كانت تلك المشاهد تحدث في الواقع من خلافات داخل المنزل أو الشجار في المدارس أو الشوارع، أو كان الطفل يشاهد ذلك من خلال شاشات التليفزيون. يجب مراعاة التصرفات عند تواجد الأطفال، وإبعادهم عن الخلافات الأسرية التي قد ينتج عنها تعنيف. كما أن المراقبة الأبوية واختيار البرامج والمحتوى التلفزيوني أو على الإنترنت يُقلّل من تكرار رؤية السلوكيات العدوانية ويتحكم فيما يمكن أن يؤثر على سلوك الطفل.

2- تعزيز القدوة الإيجابية:

يجب أن يكون الآباء هم القدوة والنموذج للأولاد، فهم يقلدون جميع تصرفاتهم، وهم المرآة الأولى للتعلم بالملاحظة للأطفال. فمنذ الصغر، يشغل الأبوين المساحة الأكبر من حياة الأطفال، لذلك الأطفال هم انعكاس لجميع تصرفات الأبوين. لذلك يُنصح الآباء دائمًا بمراعاة التصرفات العدوانية عند تواجد الأطفال، سواء كانت التصرفات جسدية أو لفظية.

3- التأكيد على التفاعل الاجتماعي الإيجابي:

يجب ملاحظة أن الأطفال تميل إلى التعلم بالملاحظة، لذلك يجب أن يلاحظوا أساليب التعامل السليمة مع المجتمع المحيط. كما يجب أيضًا تعليم الأطفال التعبير عن المشاعر بطرق صحية، والبحث عن حل النزاعات بشكل سلمي. وأن العنف هو وسيلة سيئة لتفريغ الغضب أو التعامل مع المشكلات، وهذا ما يجب أن يظهر في أساليب تعامل المحيطين بهم.

4- تدريب الوالدين على الاستجابة الهادئة:

يجب تدريب الآباء على تطبيق أساليب التوجيه الودودة، مثل:
تجنّب الانفعال أمام الأطفال، خصوصًا في المواقف الصغيرة، حتى لا يلجأ الطفل للانفعال عند أبسط الأمور.
التركيز على السلوك الجيد بالمكافأة (التعزيز الإيجابي).
استخدام عواقب ثابتة عند السلوك السلبي، مع مراعاة ألا تؤثر طرق العقاب على الحالة النفسية للطفل.

5- برامج تدريب فعّالة مثل (ART):

هو برنامج تدريبي فعّال يهدف للحد من السلوك العدواني لدى الأطفال والمراهقين. ويرتكز على ثلاثة محاور رئيسية: تدريب المهارات الاجتماعية، التحكم في الغضب، والتدريب على الاستدلال الأخلاقي. ويساعد المشاركين على تطوير بدائل إيجابية للسلوكيات السلبية، وتحسين قدرتهم على التفاعل السليم مع المواقف المختلفة. وهنا يتم استغلال الطاقة العدوانية وتحويلها إلى مهارات اجتماعية سليمة، أو حتى تفريغها في أنشطة مفيدة مثل ممارسة الرياضة.

6- استخدام أسلوب المقاومة اللاعنفية:

هو منهج علاجي مبتكر يركز على تهدئة الصراعات دون استخدام العقاب أو العنف. وهذا يتناسب مع الأطفال العدوانيين، حيث يقوم على ضبط النفس، تعزيز الحوار، وإظهار الحزم الهادئ في مواجهة السلوك العدواني. ويساعد الآباء والمعلمين على استعادة السيطرة وبناء علاقة آمنة مع الطفل، مع الحد من التصرفات السلبية دون إشعاره بالذنب أو الوصول لمراحل من التعنت من جهة الطفل. بل يتم تقويم أسلوب الطفل دون التسبب بأي مشاكل نفسية أخرى.

7- تعزيز العلاقات الأسرية:

بناء علاقة قوية تبنى على الاستماع والدعم يساعد الأطفال على التخلص من المشاعر السلبية وعدم اللجوء للعنف كوسيلة لتفريغ الطاقة المحبوسة بداخلهم. لذلك، الدعم يحد من سلوك العدوان، ويساهم في الشعور بالأمان النفسي، ويساعد الأسرة على الاهتمام بالأطفال بصورة صحيحة، وكسر الحواجز النفسية وخلق مساحة الأمان مع الأطفال. وذلك يساهم في تقليل السلوكيات العدوانية.

أثبتت دراسة دمية بوبو أن الأطفال قادرون على التعلم بالملاحظة واكتساب السلوكيات العدوانية ببساطة عن طريق مشاهدتها. وبالتالي، الكبار، سواء بالأسرة أو الإعلام أو المدرسة، جميعهم يتركون بصمة في تصرفات الطفل، ولديهم التأثير الأكبر على بناء شخصية عدوانية للطفل. لكن الجيد أن هناك استراتيجيات فعالة لمنع هذا التأثير السلبي، عبر تقليل التعرض للعنف، تشكيل القدوة الإيجابية، تعزيز التواصل والعلاقات الصحية، وتدريب الأطفال والآباء على طرق إدارة السلوك بطريقة بناءة.
ومع تطور علم النفس وأساليب العلاج المعرفي، أصبح من السهل تحسين سلوكيات الأطفال العدوانية وتحويلها إلى سلوكيات سليمة. كما يمكن استغلال التعلم بالملاحظة في تعليم الأطفال السلوكيات الجيدة، والانتباه إلى السلوكيات العدوانية عند تواجد الأطفال.

المصادر: 1

هذا المقال يتضمن معلومات علمية مُدققة، ومحتوى حصري لمدونة لبيه

للحصول على مزيد من المقالات. اشترك في قائمتنا البريدية
156

Book Instant Session

Need a session ASAP? Book it in 5 minutes

مختصين مقترحين لمساعدتك
Share the article
Your impression of the article
Very useful
-
Useful
-
Normal
-
Not useful
-
كيف نميز بين السلوك الطبيعي والاضطراب النفسي ؟
Next article

كيف نميز بين السلوك الطبيعي والاضطراب النفسي ؟

طرق تحقيق التحفيز طوال الموسم الدراسي
Previous article

طرق تحقيق التحفيز طوال الموسم الدراسي

كاتب المقال
فريق لبيه المقالات : 1011
Related articles
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الفرق بين طبيب نفسي واخصائي نفسي ومعايير الاختيار بينهما
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
الوسواس القهري الجنسي، معناه وأهم أسبابه وطرق علاجه بالأدوية والجلسات النفسية
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
تواصل مع دكتور نفسي واحصل على جلسات علاجية عبر تطبيق لبيه
توهم المرض والتعامل معه
توهم المرض والتعامل معه
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
مراحل الحزن بعد الوفاة والتعامل معها
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
10 نصائح يومية حول تعزيز صحتك النفسية
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
الأسرة والصحة النفسية : علاقة الصحة النفسية بالأسرة، كيف تؤثر أسرتك على صحتك النفسية؟
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
علاقة الصحة النفسية بالصحة الجسدية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
تطبيق لبيه للاستشارات الأسرية والنفسية
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
كيف تبدأ العلاج النفسي عبر تطبيق لبيه
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
5 مميزات يقدمها تطبيق لبيه للاستشارات النفسية والأسرية
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
معالج نفسي وجلسات نفسية تعرف عليها عبر موقع وتطبيق لبيه
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
علاج الأطفال بعد صدمة التحرش
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
الاضطراب ثنائي القطب كل ما تريد معرفته عنه
ما هي أسباب خمول الجسم؟
ما هي أسباب خمول الجسم؟