التمكين المالي للمرأة درعها الأول ضد العنف
في خضم النقاشات المجتمعية حول سبل حماية المرأة من العنف وضمان كافة حقوقها المجتمعية ومساعدتها على تخطي ما تتعرض له من تعنيف وأذى داخل المجتمع، يبرز التمكين المالي للمرأة كأحد أهم الحلول التي تحفظ كرامة المرأة وتجعلها تعيش بصورة طبيعية داخل المجتمع دون التعرض لأي وسائل تعنيف.
وحين تتاح للمرأة مواردها الاقتصادية المستقلة بصورة كاملة، يصبح لها كامل الحق في التحكم فيها، ويحدث توازن للقوى داخل الأسرة والمجتمع، وتزداد قدرتها على اتخاذ قرارات تحمي كرامتها وحياتها الاجتماعية.
ماذا يعني التمكين المالي للمرأة؟
التمكين المالي للمرأة، أو في روايات أخرى التمكين الاقتصادي، هو توافر الفرصة لدى المرأة للمشاركة في الحياة الاقتصادية، والحصول على فرص العمل، ويصبح العائد المادي من العمل تحت تصرف المرأة.
ويتم إتاحة المشاركة الفعالة في الحياة الاقتصادية، عن طريق تحسين الدخل، وتوفير فرص عمل أو ريادة أعمال في مجالات مختلفة تناسب الكثير من السيدات، والوصول إلى الخدمات المالية (مثل الحسابات البنكية، والإقراض، والتأمين)، وإعطاء المرأة كامل الحرية في التحكم في تلك الخدمات، واتخاذ القرارات المالية المعنية بالمرأة وأسرتها.
لماذا يعتبر التمكين المالي للمرأة درعاً ضد العنف؟
الوسائل المتبعة لحفظ كرامة المرأة وحقوقها في المجتمع حالياً أصبحت متعددة، من قوانين وتشريعات وجمعيات مجتمعية للمناداة بحقوق المرأة. ولكن الركن الأهم هو التمكين المالي للمرأة، والذي يساعدها على ضمان مختلف حقوقها والدفاع عنها أيضاً، وعدم الانسياق وراء التعنيف والأذى النفسي من أجل الحصول على متطلبات الحياة.
وتكمن أهمية التمكين المالي للمرأة في عدة محاور أساسية:
الاستقلال المادي يخفض الاعتماد القسري:
عندما تمتلك المرأة دخلاً مستقلاً، وتستطيع توفير مبالغ مالية تمكنها من العيش في مستوى مطلوب، تستطيع التخلي عن كافة العلاقات المؤذية التي تجبرها على تحمل الأذى النفسي والاستهزاء للحصول على متطلبات المعيشة.
تعديل مواضع القوى داخل الأسرة:
الموارد تمنح المرأة قدرة على التفاوض والتشاور وإبداء الآراء في الأمور الخاصة بها وبأسرتها، وتضع حدوداً واقعية للأذى الذي تتعرض له مقابل المال، وتصبح أكثر قوة على تحديد مختلف المسارات داخل الأسرة.
إمكان الوصول إلى دعم قانوني واجتماعي:
وجود موارد مالية يزيد من إمكانية البحث عن مساعدة قانونية، واللجوء لخدمات الحماية المدنية، وحتى الوصول للمساعدات النفسية التي تساعد على التخلص من الأذى النفسي جراء العنف الموجه للسيدات.
سبل التمكين المالي للمرأة
مع تزايد الضغوطات التي تقع على عاتق المرأة في المجتمع، بجانب سعيها للتخلص من العنف والسيطرة المادية، كثرت الوسائل والسبل التي تساعد في التمكين المالي للمرأة وتمتعها بكافة الحقوق وتوفير الحياة الاجتماعية اللازمة، وقد تندرج هذه السبل على عدة مستويات:
1- على مستوى الفرد
التدريب المهني وريادة الأعمال:
تنظيم البرامج وورش العمل التي تؤهل السيدات لمختلف الوظائف التي تتناسب مع حياتهن، وتوفير المزيد من البرامج والفرص التأهيلية التي تساعد كثيراً من السيدات على العمل عن بعد ومن داخل المنزل لتناسب حالتهم الاجتماعية، بجانب تعليم أساسيات المحاسبة والتسويق الرقمي، حتى نمكن الكثير من السيدات من إدارة المشاريع الصغيرة وتطويرها لمشاريع ذات شأن داخل المجتمع.
الوصول إلى الخدمات المالية:
تمكين المرأة من فتح حساب بنكي، والحصول على قروض صغيرة، وتسهيل الشروط لتستطيع معظم السيدات الحصول على دعم مادي كبداية للتمكين الاقتصادي.
شبكات الدعم النسائية:
جمعيات أو شركات أعمال متخصصة تساعد على توسيع نطاق العمل للسيدات، وتساعدهم على تطوير الأعمال والمشاريع الصغيرة لتصبح ذات شأن والوصول لدائرة عملاء أكبر.
2- على مستوى المؤسسات (دور القطاع المالي والمجتمع المدني)
برامج ائتمانية ميسرة:
عن طريق القروض البنكية بشروط مختلفة تضمن حقوق الدولة، وفي ذات الوقت تساعد السيدات على تطوير الأعمال، وتخفيض الفائدة العائدة من القرض، والسماح بفترات سداد أطول تسهيلاً على السيدات. ووجود صناديق استثمار متخصصة في مشاريع نسائية تعطي الحق لكل سيدة في بدء مشاريع صغيرة، ومع تطويرها يمكن زيادة الاستثمار من البنوك في تلك المشاريع.
برامج التمويل الأصغر ومشروعات المرأة الصغيرة:
في عدة دول عربية توجد منتجات وبضائع تعتمد بشكل كلي على عمل السيدات لتوفيرها، فيجب تقديم تدريب كافٍ ومصدر مالي كافٍ لبدء مثل هذه المشروعات بالتعاون مع البنوك لمساعدة السيدات على امتلاك الخبرات الكافية لإدارة تلك المشاريع.
مبادرات حكومية:
حملات وطنية وأيام عالمية ومبادرات لترسيخ مبدأ التمكين المالي للمرأة والدفاع عن حقوق المرأة المالية وتحسين فرص العمل في الأسواق للسيدات.
3- على مستوى السياسات (الحكومات)
تشريعات تحمي حقوق العمل ومكافحة التمييز:
يجب سن القوانين التي تساعد في تحسين أجور السيدات في سوق العمل، والمساواة بين الأجور عند القيام بنفس المهام، مع التسهيلات اللازمة التي تناسب الحياة الاجتماعية للمرأة كونها تعمل وربة منزل ومسؤوليات الأسرة.
سياسات تشجع المشاركة الاقتصادية:
برامج توظيف وبرامج تدريبية تساعد المرأة على الدخول في سوق العمل، بجانب توفير الفرص التي تناسب وضع كل سيدة وتستطيع التوازن بين العمل والأسرة.
اعتماد نهج متكامل:
يربط برامج التمكين المالي للمرأة بخدمات الحماية النفسية والقانونية، والتي تساعد على ضمان حقوق المرأة داخل بيئات العمل.
تسهيل الوصول إلى الخدمات المالية:
تبسيط شروط القروض وإنشاء مراكز توزيع مخفضة للسيدات تبعاً للوظائف، ومنح بعض التسهيلات للعاملات في مجالات معينة.
التركيز على التدريب المهني:
المهارات التقنية والمالية والإدارية كلها مهارات تساعد أي سيدة على بدء المشروعات الصغيرة التي توفر عائداً مادياً.
رصد وتقييم مستمر:
قياس أثر برامج التمكين المالي للمرأة على معدلات العنف والمؤشرات النفسية لدى السيدات في مختلف بيئات العمل، وتلك الإحصاءات تساعد في توفير المزيد من برامج التمكين، وسن المزيد من القوانين التي تساعد على حماية المرأة من العنف داخل أي بيئة تتواجد فيها.
وبرغم ذلك، واقعياً التمكين المالي للمرأة وحده ليس كافياً للقضاء الكامل على العنف الموجه لها، بل يجب تغيير مجتمعي يشمل تغيير ثقافي وقوانين رادعة وبرامج علاج للمعتدين ودعم مجتمعي مستمر.
لكن التمكين المالي للمرأة يغير موازين القوى، ويعطيها القدرة على التخلي عن مصادر العنف من أجل المال، وهو الخطوة الأولى لإعطاء المرأة الحق في الحياة الكريمة، بجانب ما توفره له الدولة وبيئات العمل من امتيازات تساعدها على القيام بكافة أدوارها داخل المجتمع بصورة صحيحة.
الآثار النفسية الإيجابية للتمكين المالي للمرأة
التمكين المالي للمرأة لا يقف عند حدود كونه عائداً مادياً فقط، بل له انعكاسات مهمة على الصحة النفسية، وامتلاك القدرة على مقاومة العنف الموجه للمرأة من خلال:
استعادة الكرامة والقدرة على التحكم:
الشعور بأن لديها قوة تساعدها على مقاومة العنف، بدلاً من العجز والاستسلام للعنف من أجل العائد المادي.
انخفاض مستويات القلق والاكتئاب:
الأمان المالي يخفف التوتر المرتبط بالخوف والتفكير المستمر في الحياة المادية، وبالتالي التخلص من عوامل الضغط النفسي.
زيادة الثقة بالنفس والمهارات الاجتماعية:
النجاح في مشروع أو وظيفة يعزز الثقة بالذات، ويسهل التواصل الاجتماعي والبحث عن الدعم وتطوير المزيد من المشروعات.
تحسين القدرة على طلب المساعدة:
المرأة المستقلة مادياً أكثر قدرة على اتخاذ قرار باللجوء للمؤسسات أو القضاء عند الحاجة، والسعي لاستعادة توازنها النفسي واستقرارها من خلال المختصين النفسيين.
التمكين المالي للمرأة ليس رفاهية، بل واجب مجتمعي للحفاظ على السيدات من التعنيف والأذى الموجه لهن، ويمنحها بجانب العائد المادي قوة واستقلالاً يساعدها على اتخاذ كافة قرارات الحياة المهمة.
ومع ذلك، يجب ربط التمكين المالي للمرأة بسياسات وقوانين حماية شاملة تساعد على حفظ كرامة المرأة وتغيير الفكر المجتمعي عن المرأة العاملة.




































