دور التعليم في مقاومة العنف ضد المرأة وبناء جيل واعٍ
في ظل تزايد الوعي العالمي بقضايا العنف ضد المرأة، يبرز دور التعليم كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية في مواجهة هذه الظاهرة، ويتم ذلك عن طريق زيادة الوعي لدى المرأة بحقوقها في الحياة، ومساعدتها في التغلب على العادات والقيم المجتمعية التي تسعى لطمس دور المرأة في المجتمع.
فالتعليم، حين يُبنى على أسس من العدالة والمساواة، لا يقتصر دوره فقط على تقديم مادة علمية والحصول على شهادةٍ وإنهاء الحياة الدراسية، بل يصنع مواطنين لديهم الوعي بحقوقهم في الحياة وواجباتهم تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه، ويسعون لتطبيق القيم الإنسانية والمجتمعية، ويحترم كل طرف في المجتمع الآخر.
دور التعليم كسلاح ضد العنف
يُعد التعليم من أكثر الوسائل فعالية في مقاومة العنف ضد المرأة، لأنه يساعد على وضع حل جذري لمشاكل العنف ضد المرأة، عن طريق إصلاح التفكير وتبني معتقدات تحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها، ومحاربة الجهل والتقاليد المجتمعية القديمة التي تحث على سلب المرأة حريتها.
دور التعليم الحقيقي يبرز في بناء عقول وفكر مجتمعي جديد، يكفل للمرأة حقوقها ويساعدها على مقاومة ما تتعرض له من تعنيف وحرمان من الحقوق، وليس فقط معرفة العديد من المعلومات دون تطبيقها على أرض الواقع. عندما تتعلم الفتاة وتشارك في العملية التعليمية، تكتسب أدوات القوة التي تساعدها على المضيّ قدماً في حياتها، من:
القدرة على الوعي بحقوقها، وكيفية الدفاع عنها والمطالبة بها بطرق قانونية.
المهارة في التعبير والدفاع عن نفسها ضد أي اعتداء أو تعنيف.
الاستقلال الفكري والاقتصادي الذي يحميها من تحكم الآخرين في حياتها.
لذلك، فالتعليم ليس مجرد باب للعلم، بل هو درع وقائي ضد كل أشكال العنف الجسدي، والنفسي، والاقتصادي الذي يُمارس ضد المرأة في مختلف المجتمعات.
دور التعليم في مكافحة العنف
لا يمكن إنكار الفارق الذي يحدثه التعليم في حياة المرأة، ودور التعليم يُعد الأساس في زيادة وعي السيدات بحقوقهن، وزيادة قدرتهم على مقاومة العنف، وقد حدث ذلك عن طريق:
تعزيز وعي المرأة بحقوقها
التعليم يُعرّف الفتيات بحقوقهن القانونية والاجتماعية، وكيفية المطالبة بها، وتوعيتهم بكافة القوانين التي تحفظ لهن الحقوق. ومع انتشار منظمات الدفاع عن حقوق المرأة، أصبح من السهل انتشار المزيد من الوعي عن حقوق المرأة ودورها الفعال في المجتمع.
إعادة تشكيل الفكر الذكوري
المدرسة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل مفاهيم المساواة والاحترام، وعندما نعزز قيم المساواة في الحقوق والتعاون بين الجنسين من أجل مجتمع سليم، ينشأ شباب بفكر متفتح يحفظ حقوق المرأة وكرامتها احتراماً لدورها في المجتمع، ولا يسعى لفرض سيطرته عليها بدافع الذكورية، ويصبح من الصعب عليه لاحقاً أن يمارس العنف ضد المرأة أو يتقبله، بل يصبح الداعم الأول في الحفاظ على حقوقها.
إعداد كوادر تعليمية
تضمين مفاهيم النوع الاجتماعي في المناهج التعليمية، وفي برامج إعداد المعلمين، يسهم في بناء جيلٍ من المعلمين والمعلمات القادرين على نشر الوعي بقضايا المرأة داخل الصفوف الدراسية.
دمج قضايا المرأة في المناهج الدراسية
من خلال تضمين قصص نجاح لنساء رائدات، ومناقشة دور المرأة في المجتمع، وما تقدمه من أدوار كامرأة عاملة وربّة أسرة وأم، وغيرهم من الأدوار الأساسية التي تقوم بها المرأة في الحياة، لذلك يمكن للمناهج أن تصبح أداة توجيه غير مباشرة نحو التغيير الاجتماعي الإيجابي، والحفاظ على كرامة المرأة.
الأسباب التي تؤدي إلى جهل المجتمع بدور التعليم في مقاومة العنف
رغم وضوح دور التعليم في محاربة العنف ضد المرأة، وتقدم أساليب التعليم وتوسعها لتشمل مختلف المجتمعات، إلا أن كثيرًا من المجتمعات ما تزال تُهمل هذا الدور، بسبب مجموعة من الأسباب المترابطة، مثل:
العادات الثقافية والموروثات الاجتماعية
تغلب على بعض المجتمعات نظرة تقليدية تعتبر تعليم الفتاة أمرًا ثانويًا، ويصبح الهدف الأساسي الذي تسعى إليه الفتاة هو الزواج وتأسيس المنزل، والقيام بالعمل داخله وإنجاب الأطفال، الذين يُفضل أن يكونوا ذكوراً لما لهم من منفعة في اعتقادهم. بتلك التقاليد، يتهمّش دور التعليم في بناء الوعي، ويُبقي على نمط الهيمنة الذكورية والاحتقار لدور المرأة في المجتمع.
ضعف المناهج التعليمية
المناهج الحالية في بعض الدول لا تتطرق للحديث عن حقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ولا يوجد اهتمام بالحديث عن قضايا المجتمع مثل العنف ضد المرأة وسلب الحقوق بشكل واضح، ولا تُقدّم نماذج واقعية تُحفّز التفكير على النجاح في الحياة. بل إن بعض المناهج تُكرّس الصورة النمطية للمرأة التابعة أو الضعيفة، التي يكون هدفها الوحيد من الحياة تكوين أسرة في عمر صغير.
غياب التدريب الكافي للمعلمين
حين يفتقر المعلمون أنفسهم إلى الوعي الكافي بحقوق المرأة، يكون من الصعب بناء جيل واعٍ بتلك الحقوق، والدفاع عن المرأة ضد السلوكيات العنيفة والتهميش في المجتمع.
نقص الوعي المجتمعي بأهمية التعليم
يعتقد بعض الأهالي، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة والريفية، أن التعليم لن يغيّر من واقع المرأة الاجتماعي، وأنها لا تمتلك أدواراً في الحياة إلا تكوين الأسرة، فما الحاجة للتعليم؟ وما دور التعليم في التحسين من حياة تلك الفتيات؟ فيُمنع كثير من الفتيات من إكمال دراستهن بحجة الظروف الاقتصادية أو “الخوف من العالم الخارجي وتقلباته”.
الظروف الاقتصادية والسياسية
الحروب، والفقر، والنزاعات، تؤدي إلى تراجع نسب تعليم الفتيات بشكل كبير، وتدمير العملية التعليمية بصورة واسعة، مما يجعلهن أكثر عرضة للعنف والاستغلال.
كيف يمكن محاربة الجهل وتعزيز دور التعليم؟
مقاومة العنف عبر التعليم تحتاج إلى رؤية شاملة تتكامل فيها الجهود الحكومية والتعليمية والمجتمعية. وفيما يلي أبرز السبل التي يمكن اتباعها لتعزيز دور التعليم:
١- تضمين مناهج تعليمية تراعي المساواة بين الجنسين
ينبغي أن تتضمن المناهج دروسًا واضحة حول حقوق المرأة، وما لها من حقوق في المجتمع، وتجريم التعدي على حقوق المرأة وممارسة أي شكل من أشكال العنف ضدها. كما يمكن توفير دعم نفسي للفتيات اللاتي يعانين من العنف في سن صغير، أو محاولات لتدمير العملية التعليمية لهن.
٢- تدريب المعلمين على التربية الواعية
برامج إعداد المعلمين يجب أن تشمل مفاهيم حقوق الإنسان والمساواة في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، حتى يصبحوا نموذجًا يمكن اتباعه أمام الأطفال، مع الالتزام بكافة السلوكيات التي تحفظ حقوق المرأة داخل البيئة التعليمية.
٣- برامج توعية للأهل
يجب أن تكون هناك حملات إعلامية ومجتمعية تُبرز دور التعليم في حماية الفتيات، وتتركز في المناطق التي ما زال تعليم الفتيات هناك أمرًا لا يتم الاهتمام به.
٤- تمكين الفتيات من الاستمرار في التعليم
توفير منح دراسية، وطرق للتعليم عبر الإنترنت، وتحمل تكاليف السفر والدراسة للأسر الفقيرة، وبناء مؤسسات تعليمية في المناطق الريفية لتعزيز عملية التعليم بها.
٥- تفعيل دور الجامعات
الجامعات يمكن أن تكون منابر فكرية لمناهضة العنف ضد المرأة، باعتبار جيل الشباب هو الأكثر وعيًا ومساهمة في تكوين الفكر المجتمعي.
٦- التعاون مع المؤسسات الدينية والإعلامية
من خلال الخطاب المعتدل الذي يوضح أن الإسلام والديانات السماوية تدعو إلى الكرامة والمساواة، وليس إلى السيطرة أو التمييز أو الانتقاص من دور المرأة.
إن دور التعليم في الوقاية من العنف ضد المرأة هو بوابة الحرية الإنسانية، ووسيلة لمقاومة كل أشكال العنف والقهر. فحين تتعلم الفتاة، يتغيّر المجتمع بأكمله، ويتغير تفكيرها، ويزداد وعيها بكافة حقوقها، كما أن المجتمع يصبح أكثر نضجًا ووعيًا بأدوار المرأة داخل المجتمع.
ولذلك، فإن بناء جيل واعٍ لا يتحقق إلا إذا اعتُمد دور التعليم كقيمة إنسانية، لا كوسيلة اقتصادية فقط .




































