كيف اساعد شخص يعاني من اضطراب الشخصية الحدية؟
ازداد الوعي الآن عن أهمية الصحة النفسية وضرورة الانتباه لأي أعراض غريبة تطرأ على الأشخاص. ومن أهم هذه الاضطرابات هو اضطراب الشخصية الحدية، فقد يصفون الشخص بأنه اندفاعي أو متزايد في العصبية وردود الأفعال، ولكن مع زيادة الوعي عن هذا الاضطراب، أصبح الأمر أكثر سهولة، ويمكن التعامل مع الأفراد بطريقة سليمة.
ما هو اضطراب الشخصية الحدية؟
اضطراب الشخصية الحدية هو أحد الاضطرابات النفسية، والتي يتسم بها الفرد بعدم استقرار في المشاعر والتصرفات. فنجد طابع العنف والاندفاعية يغلب على الفرد حتى في أبسط المواقف،
وقد تصل إلى حد إيذاء الشخص لنفسه. كما يُعاني المصابون به من تقلبات حادة في المزاج، وصعوبة في السيطرة على مشاعرهم، وخوف شديد من الهجر والانعزال. يؤثر هذا على حياتهم اليومية وعلاقاتهم بالآخرين.
أهم أعراض الاضطراب النفسي للشخصية الحدية:
1- تقلبات عاطفية شديدة:
انتقال سريع وحاد بين المشاعر المختلفة، مثل فرط السعادة إلى الحزن والاكتئاب الشديد، وربما الغضب الحاد، وهو ما يؤثر على علاقات الفرد.
2- خوف مفرط من الهجران:
شعور دائم بالخوف من أن يتخلى الآخرون عنهم بسبب تصرفاتهم المزاجية، وربما يتطور هذا الشعور للهجر بدون سبب مقنع.
3- عدم استقرار العلاقات:
علاقات عاطفية غير مستقرة، من الطرفين، سواء من الطرف الآخر لعدم تقبل التغيرات المزاجية الحادة دون سبب واضح، ومن الشخص المريض، حيث تختلف مشاعره في فترات قليلة بين الحب الشديد إلى الكره الشديد وبدون وجود أي سبب.
4- اضطراب الهوية:
عدم تحديد هدف واضح من الحياة، وحتى عدم استقرار في الوضع الحالي للفرد، مما يشعره بالفشل وانعدام الشخصية والفراغ الداخلي.
5- اندفاعية وسلوكيات خطيرة:
قد تؤدي هذه التصرفات إلى مشاكل للفرد، وربما قد تؤثر على حياته، فقد يصل إلى حد الإدمان، والقيام بالعديد من التصرفات المتهورة مثل القيادة المتهورة، وإنفاق المال في أشياء خاطئة، والدخول في علاقات مؤذية، وغيرهم من التصرفات المتهورة.
6- سلوكيات إيذاء النفس:
مثل جرح النفس أو التخطيط للانتحار، وذلك في الحالات المستعصية أو عند حدوث نوبة غضب شديدة، ويكون ذلك مصحوبًا بشعور الإهمال والفقد من الآخرين.
7- الغضب الشديد والمفاجئ:
نوبات غضب قد تكون غير مبررة للآخرين، مما يسبب فقدانًا في العلاقات مع الآخرين.
تجعل هذه النوبات والتصرفات التي يتسم بها من يعانون من اضطراب الشخصية الحدية، منهم في مشاكل دائمة مع الآخرين، وبالتالي تزداد الأعراض لديهم مع الوقت، وتتدهور علاقاتهم مع الآخرين أيضًا.
ما هي أسباب اضطرابات الشخصية الحدية؟
اضطراب الشخصية الحدية ليس له سبب واحد واضح، لكنه ينتج عن تفاعل بين العوامل الوراثية، والبيولوجية، والبيئية التي تؤثر على شخصية الفرد وسلوكه. فيما يلي أبرز الأسباب المحتملة:
1- العوامل الوراثية:
تشير الأبحاث إلى أن اضطراب الشخصية الحدية قد يكون وراثيًا لدى العديد من الأشخاص، حيث يوجد تاريخ عائلي للإصابة بالاضطراب، كما أن بعض الجينات والعوامل الوراثية تلعب دورًا هامًا في عدم استقرار الفرد النفسي والعاطفي والقابلية لتدهور الاضطراب.
2- العوامل البيولوجية:
تظهر الدراسات، بعد إجراء العديد من الفحوصات والأشعات لأشخاص مصابين بالاضطراب، إلى وجود العديد من الاختلافات في المناطق المختلفة من الدماغ، والتي تكون مسؤولة عن التحكم في مختلف المشاعر، مثل:
اللوزة الدماغية:
تصبح أكثر نشاطًا، مما يظهر ذلك بردود أفعال قوية و اندفاعية من الأشخاص، وفرط في ردة الفعل.
القشرة الجبهية:
قد تكون أقل نشاطًا، فنجد ضعفًا في قدرة الفرد على التحكم في المشاعر ونوبات الغضب والسلوك الاندفاعي.
الحُصين:
قد يكون أصغر حجمًا، مما يؤثر على تنظيم المشاعر والتحكم بها، كما يؤثر على ذاكرة الفرد.
اختلال التوازن الكيميائي في الدماغ:
فنجد اختلالًا في النواقل العصبية وكيمياء الدماغ، مثل نقص السيروتونين، ويظهر ذلك في تقلبات الفرد المزاجية، والتصرفات العدوانية، والشعور بالحزن المستمر.
3- العوامل البيئية والنفسية:
تُعد التجارب الحياتية الصعبة، خاصة في الطفولة، أحد أبرز العوامل التي تساهم في تطور اضطراب الشخصية الحدية، ومنها:
الإهمال العاطفي أو التجاهل:
وجود المشاكل الأسرية وعدم تلقي الدعم العاطفي من الأهل يساعد في تطور الاضطراب.
التعرض لسوء المعاملة:
ويرجع ذلك إلى التعرض للتعنيف، سواء الجسدي أو اللفظي، والتعرض لمختلف أساليب التنمر التي تؤثر على نفسية الطفل، ويتطور الوضع في المستقبل لاضطراب الشخصية الحدية.
البيئة الأسرية غير المستقرة:
مثل العيش في بيئة مليئة بالصراعات الأسرية، والدخول في مشاكل بين الأب والأم، كل ذلك يؤثر على نفسية الفرد.
الفقدان المبكر:
وفاة أحد الوالدين أو الانفصال المفاجئ عن أي شخص مهم في حياة الطفل، يظل أثره ممتدًا للمستقبل.
4- العوامل النفسية والشخصية:
بعض الأشخاص يكون لديهم حساسية عاطفية مفرطة منذ الصغر، وعدم التعامل معهم بشكل سليم منذ الصغر يؤثر بالسلب عليهم، ويجعلهم أكثر عرضة للتقلبات المزاجية.
عدم تعلم مهارات التأقلم مع الضغوطات النفسية في الطفولة قد يؤدي إلى تطوير أساليب واستراتيجيات غير صحية للتأقلم، مثل الهروب أو الانعزال أو حتى مقابلة ذلك بالعنف.
لذلك نجد أن اضطراب الشخصية الحدية ينشأ نتيجة مزيج من هذه العوامل، بالإضافة إلى تغييرات في فسيولوجية الدماغ. يؤدي هذا إلى عدم استقرار المشاعر والعلاقات والسلوكيات. ومع ذلك، لا يمكننا أن نتخلى عن من يعانون من هذا الاضطراب، بل يجب على المجتمع مساعدتهم لتخطي هذا الاضطراب.
كيف يمكننا مساعدة من يعانون من اضطرابات الشخصية الحدية؟
التعامل مع الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الحدية قد يكون تحديًا بسبب التقلبات المزاجية الحادة، التي يعانون منها، وخوفهم المتكرر والمستمر من الهجر والفقدان، والأساليب الاندفاعية المؤذية. ولكن ببعض الاستراتيجيات الآمنة، يمكن التعامل مع الأشخاص ودمجهم داخل المجتمع. ومن هذه الطرق ما يلي:
1- فهم طبيعة الاضطراب:
إدراك أن الشخص المصاب باضطراب الشخصية الحدية لا يتصرف بهذه الطريقة عمدًا، ولا يشعر بأنه مخطئ في كثير من الأوقات، بل يعاني من عدم استقرار عاطفي يتطلب المزيد من الدعم بدلاً من تبادل العنف بالعنف. تفهم أن الخوف من الهجر هو أحد المحركات الأساسية لسلوكهم، وعند التعرض لأي موقف يستثير هذا الإحساس، يتزايد العنف الصادر منهم، لذلك يجب دائمًا أن تمنحهم الشعور بالطمأنينة والتواجد الدائم معهم.
2- التواصل بطريقة هادئة وداعمة:
تجنب التصعيد والعنف المتبادل عند دخول الشخص في نوبة غضب، يجب تفهم مشاعره وعدم الإساءة إليه. استخدام لغة واضحة ومباشرة عند الحديث معهم. فلا يجب أن نتعامل مع شخص يعاني من الاضطراب بلغة غير مفهومة، قد تثير الشكوك لديه. هذا يسوء من حالته ويزيد من دخوله في نوبات الغضب.
الاستماع إليهم دون الحكم عليهم أو التقليل من مشاعرهم، والتأكيد الدائم على دعمك لهم وتفهم طبيعة ما يعانون منه بسبب الاضطراب.
3- وضع حدود صحية:
من المهم وضع حدود شخصية للحفاظ على العلاقة بشكل صحي، فلا يجب التفهم المفرط لهم، الذي يضر بحالتك النفسية. في الأوقات العادية، وعدم وجود نوبات، يجب التحدث عن ذلك لمساعدتهم في السيطرة على نوبات الغضب.
يجب أن تحدد أوقاتًا مناسبة للنقاش، وتوضيح ضرر ما حدث من النوبات، وعدم المحاولة للسيطرة على هذه المشاعر السلبية. عدم تحمل مسؤولية حالتهم النفسية بالكامل، لأن التغيير يجب أن يكون من داخلهم.
التأكيد على أنه لا يمكن للآخرين تلبية جميع احتياجاتهم العاطفية، والتأكيد على ضرورة العلاج وتعلم السيطرة على المشاعر. فيجب أن يكون الفرد هو المتحكم في مشاعره، وليست هي المتحكمة به.
4- تشجيعهم على العلاج:
العلاج النفسي، خاصة العلاج السلوكي الجدلي، أثبت فعاليته في مساعدة الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الحدية، وتعليمهم كيفية التحكم في المشاعر السلبية ونوبات الغضب، وعدم إيذاء أنفسهم أو إيذاء الآخرين. يمكن دعمهم من خلال مساعدتهم على البحث عن معالج نفسي متخصص، وتشجيعهم على الالتزام بجلسات العلاج، وأيضًا التشجيع على العلاج الجماعي، وكسر وصمة الاضطراب، والحديث بكامل الحرية عن الاضطراب لمعرفة كيفية التحكم به.
5- العناية بالنفس:
العيش مع شخص مصاب باضطراب الشخصية الحدية قد يكون مرهقًا، لذلك من المهم الاعتناء بصحتك النفسية، ووضع حدود عاطفية للحفاظ على توازنك، والتشجيع على العلاج النفسي، فليس الدعم المقدم من طرفك فقط هو الوسيلة الوحيدة للعلاج.
إن التعايش مع شخص مصاب بالاضطراب ليس بهذه السهولة، ولكن لابد من التعامل بشكل سليم يضمن سلامة الطرفين من الأذية النفسية، وضرورة طلب المساعدة من المختصين، وحتى اللجوء للعلاج الدوائي عند فشل العلاج السلوكي فقط.
التعامل مع شخص مصاب باضطراب الشخصية الحدية يحتاج إلى الصبر، والتفهم، والتواصل الواضح. يجب دعمهم وتوفير كافة السبل اللازمة لمساعدتهم في تخطي الوضع، ووضع خطط علاجية مناسبة للتعامل مع الحالة. كما يجب تشجيعهم على طلب المساعدة والعمل على توفير بيئة داعمة لهم دون التضحية بصحتك النفسية.




































