تعريف الاكتئاب المرتبط بالعام الجديد
من المفارقات أن يأتي العام الجديد حاملاً معه أملاً جديداً وبداية جديدة وفي الوقت ذاته يشعر خلاله البعض بحزن شديد وكآبة عميقة تطرح علينا العديد من التساؤلات حول طبيعة وتعريف الاكتئاب وهل من الممكن أن يعصف بالإنسان بسبب بداية عام جديد؟
هذه الظاهرة التي باتت تعرف بالاكتئاب المرتبط بالعام الجديد تستحق التوقف عندها طويلاً لفهم أسبابها لتأثيرها على حياة الكثيرين من حولنا وقد نكون منهم أيضاً.
ظاهرة الكآبة في بداية العام الجديد: أسبابها وأبعادها
من المفترض أن يكون العام الجديد بمثابة صفحة بيضاء جديدة نكتب عليها أحلامنا وأمالنا المستقبلية وخططنا التي نأمل أن نحققها خلال العام الجديد، إلا أن الواقع يختلف أحيانًا بدرجة كبيرة، حيث يجد الكثيرون أنفسهم غارقين في بحر من الحزن والكآبة مع حلول العام الجديد.
ومع هذه الظاهرة التي باتت تعرف بالاكتئاب الموسمي أو ما يسمى بـ”كآبة يناير” وهي شكل آخر لتعريف الاكتئاب تستحق التوقف بصددها.
أسباب ظاهرة الاكتئاب المرتبط بالعام الجديد
وهنا يجدر بنا أن نسأل ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا التناقض بين تفاؤل بداية العام والشعور باليأس؟؛ وتتعدد الأسباب التي تساهم في ظهور هذه الظاهرة الغريبة فمنها:
1- الضغوطات النفسية والاجتماعية المرتبطة بوضع أهداف جديدة وتغيير نمط الحياة في العام الجديد والذي سيبدأ.
2- الشعور بالوحدة والعزلة الذي قد يزداد خلال الأعياد والعطلات إذا كان المرء بعيداََ عن الأهل والأصدقاء وهو ما يجعل الأعياد بمثابة التذكير المؤلم بوحدته وعزلته تلك.
3- يلعب تغير الفصول وقلّة التعرض لأشعة الشمس دورًا هامًا في التأثير على الحالة المزاجية خاصة في المناطق التي تشهد شتاءً قارسًا في الشمال.
4- المقارنة المستمرة بين الذات والآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الخاصة بالصور على وجه التحديد ورؤية حياة الآخرين المثالية أو التي يرغبون في إقناع الغير أنها مثالية قد تزيد من الشعور بالنقص وعدم الرضا عن الحالة النفسية مما يساهم في تفاقم الاكتئاب والشعور بالوحدة والانعزال عن العالم الخارجي.
وأبعاد هذه الظاهرة تتعدى مجرد الشعور بالحزن فهي تؤثر على كافة جوانب الحياة العملية من العلاقات الاجتماعية إلى الأداء الوظيفي والمهني أيضاً.
فالأشخاص الذين يعانون من هذا الشكل من أشكال الاكتئاب قد يشعرون بفقدان الاهتمام والشغف بالأشياء التي كانوا يستمتعون بها في وقت سابق مع صعوبة في التركيز وتغيرات في الشهية وعدد ساعات النوم بالنقص الشديد أو الزيادة.
علاوة على ذلك قد يعانون من مشاعر القلق النفسي والتوتر المستمرة مما يؤثر على صحتهم النفسية والبدنية على حد سواء.
لذلك فإن فهم أسباب هذه الظاهرة أو ما يعرف (باكتئاب بداية العام) والتعرف على أبعادها هو الخطوة الأولى نحو التغلب عليها والبحث عن طرق فعالة للتعامل معها والوقاية منها بشكل مناسب.
لماذا نشعر بالوحدة حتى في الأعياد؟
غالبًا ما نربط الأعياد بالفرح والتجمعات العائلية والجمع مع الأصدقاء إلا أننا نجد الكثيرين يشعرون بالوحدة والعزلة الشديدة حتى في هذه المناسبات أو لنصدق القول في هذه الأوقات دون غيرها.
فقد يبدو هذا الأمر متناقضًا تماماََ مع التصور العام الذي نرسمه في الأذهان حول هذا الأمر كونه سبب للسعادة والفرح لأنه عيد ، لكنها في الواقع حقيقة يعيشها الكثيرون من حولنا؛ فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الشعور، وما هو تعريف الاكتئاب المرتبط بالعام الجديد ؟
إن أحد الأسباب الرئيسية في ظهور أعراض اكتئاب بداية العام هو التباين بين الصورة المثالية للأعياد التي نراها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والأفلام و بين الحقيقة والصورة الواقعية التي نعيشها.
فغالبًا ما تُصور الأعياد على أنها فترة من السعادة والكمال التام مما يخلق توقعات عالية وغير واقعية لدى الكثيرين من بيننا.
فعندما لا يتطابق واقعهم مع هذه الصورة المثالية التي يشاهدونها في وسائل التواصل الاجتماعي على وجه التحديد والوسائل الإعلامية الأخرى يشعرون بخيبة أمل وحزن.
بالإضافة إلى ذلك قد يعزز الشعور بالوحدة خلال الأعياد بسبب التركيز على العلاقات الاجتماعية ومدى اتساعها عند شخص دون الآخر .
فقد يشعر الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في علاقاتهم الشخصية أو الذين لا يمتلكون شبكة اجتماعية قوية بالوحدة الشديدة خلال هذه الفترة خاصة عندما يرون الآخرين يستمتعون بصحبة أحبائهم وذويهم.
كما أن الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالأعياد تلعب دورًا هامًا كذلك، فقد يشعر البعض بضغط لتقديم صورة مثالية عن حياتهم أو لإرضاء توقعات الآخرين مما يزيد من شعورهم بالضغط النفسي والتوتر وقد يدفعهم للوحدة والعزلة الاجتماعية.
وأخيرًا قد يكون الشعور بالوحدة خلال الأعياد ناتجًا عن فقدان أحباء أو تجارب سعيدة أصبحت ذكراها مؤلمة في الماضي، فقد تستعيد هذه المناسبات ذكريات مؤلمة وتزيد من الشعور بالحزن والأسف على الذات أو على اليأس من تكرار هذه التجارب الجيدة التي كانوا يعيشونها.
باختصار الشعور بالوحدة خلال الأعياد هو ظاهرة معقدة تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية وثقافية متنوعة ولفهم هذا الشعور والتغلب عليه يجب علينا أن نكون أكثر وعياً بهذه العوامل وأن نسعى إلى بناء علاقات اجتماعية و صحية وقوية وأن نتعلم كيف نتقبل أنفسنا كما نحن دون تعديل لإرضاء توقعات الغير فينا.
كيف نتغلب على الاكتئاب في بداية العام الجديد؟
قد يبدو التخلص من الاكتئاب في بداية العام الجديد مهمة شاقة لدى من يعاني من اكتئاب بداية العام إلا أنه ليس مستحيلاً عند التعرف على تعريف الاكتئاب الموسمي بشكل واضح ستتمكن من وضع خطة عمل للتخلص منه. وهناك العديد من الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد في تحسين الحالة المزاجية والتغلب على المشاعر السلبية التي تعصف بحياة الإنسان مع بداية العام أو مع كل عيد يمر عليه:
أولاً :من المهم الاعتراف بوجود المشكلة وعدم تجاهلها ومن هنا تكون البداية للسيطرة على الأمر بصورة جيدة ووضع خطة للتخطي؛ فقد يبدو التحدث عن المشاعر أمراً صعباً للبعض ولكن مشاركة ما نشعر به مع شخص موثوق به، كصديق مقرب أو معالج نفسي يمكن أن يكون مفيداً للغاية. ثانياً: يمكن للنشاط الجسدي أو الرياضي المنتظم أن يلعب دوراً كبيراً في تحسين الحالة المزاجية وتقليل التوتر والقلق النفسي، حتى ممارسة تمارين بسيطة مثل المشي لمدة 30 دقيقة يومياً يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.
ثالثاً: يجب الحرص على اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن حيث أن الغذاء يلعب دوراً هاماً في تنظيم المزاج؛ مع تجنب الأطعمة المصنعة والسكريات المضافة الغير صحية والتركيز على الأطعمة الغنية بالألياف والبروتين.
عام جديد وحياة جديدة: هل هذا ممكن؟
إن العام الجديد لا يأتي حاملاً معه عصاً سحرية لتغير حياتنا تلقائيًا دون عناء، فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل ويتطلب منا الجهد والعمل المستمر حتى يتحقق. فالفكرة أننا سنستيقظ في أول يوم من العام الجديد ونكون أشخاصًا مختلفين تمامًا هي مجرد وهم لا يمكن تحقيقه بهذا الشكل، فالتغيير الحقيقي هو عملية تدريجية تتطلب الصبر والمثابرة حتى تتحقق.
ويمكننا استغلال بداية العام الجديد كفرصة ذهبية للتفكير في حياتنا العملية وتحديد الأهداف التي نريد تحقيقها خلال هذا العام.
وفي سبيل تحقيق هذا يمكننا وضع خطة عمل واقعية للوصول إلى هذه الأهداف والبدء في تنفيذها خطوة بخطوة وبشكل هادئ.
باختصار فإن فكرة أن العام الجديد هو بداية حياة جديدة هي فكرة جذابة ومحفزة ولكنها تحتاج إلى أن تكون مصحوبة بعمل حقيقي وتغيير في السلوك حتى لا تكون بداية يتعرف بها الفرد على تعريف الاكتئاب عن قُرب، فيمكننا أن نستغل بداية العام الجديد كدافع لبذل المزيد من الجهد لتحقيق أحلامنا ولكن يجب أن نكون واقعيين بشأن التحديات التي قد تواجهنا حتى لا يصيبنا اليأس وفقدان الأمل.
إذا شعرت بأي من هذه الأعراض أو تظن أنك يمكن أن تواجهها عليك بإستشارة الطبيب المختص من خلال تطبيق لبيه وتجربه مقياس الاكتئاب.




































