احذر الفرق بين الإيجابية السامة والتعاطف الصحي
في عالمنا المعاصر، لا شك أن الحديث عن الصحة النفسية قد اكتسب أهمية كبيرة في الآونة الأخيرة، وازداد الوعي لدى الكثيرين عن مفاهيم كثيرة كانت تبدو مبهمة في الماضي، ولكنها ساعدت في تفهم العديد من الطباع البشرية والتصرفات المؤدية للآخرين.
ومن أحد أهم هذه المفاهيم هو “الإيجابية السامة”، التي تعود بالكثير من الضرر على الآخرين. وهي تبدو في ظاهرها دافعًا وعاملًا للتشجيع. ولكن تحمل في طياتها السوء للفرد. ومن هنا، ظهر مبدأ “التعاطف الصحي” كمحاولة للتفرقة بين التشجيع الحقيقي والإيجابية السامة، لحماية الفرد من الآخرين.
ما الفرق بين الإيجابية السامة والتعاطف الصحي؟
الإيجابية السامة هي نوع من التصرفات أو الأفكار التي تظهر على بعض الأشخاص، ويتسمون دائمًا بالتفاؤل والإيجابية في كل مواقف الحياة المختلفة، وتجاهل الواقع وصعوباته، وعدم الاهتمام بالمشاعر السلبية، ومحاولة طمسها خلف قناع التفاؤل والإيجابية.
وقد تنطوي الإيجابية السامة على فرض فكرة أن الفرد يجب أن يشعر بالسعادة وينظر للجانب الإيجابي فقط، بغض النظر عن الموقف وما يترتب عليه، وأن الأشخاص الذين يُظهرون مشاعر الحزن واليأس هم أشخاص ضعاف لا يقدرون على مواجهة المشاكل ولا يستطيعون التأقلم مع الظروف المختلفة للحياة.
وفي معظم الوقت، نجد أن هؤلاء الأشخاص يكررون الكثير من العبارات التشجيعية والمحفزة، حتى في أصعب الظروف التي تتطلب المواساة، ما يجعل هذه الإيجابية السامة أداة للتقليل من مشاعر الآخرين، ومحاولة لكبت جميع المشاعر السلبية بدلًا من التعبير عنها. وهو ما يؤدي لأضرار جسيمة نتيجة عدم الاعتراف بالمشاعر السلبية والتعامل معها.
ولكن يمكن مواجهة الإيجابية السامة بالعديد من الآليات، والتي يعتبر أهمها هو التعاطف الصحي. وهو القدرة على الاستماع والمشاركة في مشاعر الآخرين بطرق مدروسة وآمنة.
ويشمل ذلك تفهم مشاعر الآخرين وتقديم التشجيع في وقت النجاح والفرح، والمواساة في وقت الحزن، وإعطاء الحرية للتعبير عن مختلف المشاعر السلبية. فهي جزء لا يتجزأ من حياة الفرد، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله لفترة كبيرة. وأنه لا بأس من التعرض لبعض المشاعر السلبية من قلق وحزن وتوتر، واتخاذ الآليات اللازمة للتعامل معها بدلًا من الإنكار.
ويعد الاختلاف الرئيسي بين التعاطف الصحي والإيجابية السامة هو أن التعاطف الصحي يعترف بأن المشاعر السلبية هي جزء من عملية الشفاء والتكيف مع الحياة. وأنه يجب تفهم المشاعر السلبية وكيفية التعامل معها بشكل متوازن، لضمان استقرار نفسي دائم.
ما هي علامات الإيجابية السامة وآثارها على الفرد؟
يمكن تمييزها من خلال بعض السلوكيات والعبارات التي يتم تكرارها في الحياة اليومية من نفس الأشخاص وفي مختلف المواقف، وخصوصًا المواقف العصيبة. وهناك بعض العلامات التي تشير إلى وجود الإيجابية السامة:
تجاهل وقمع المشاعر السلبية
دائمًا ما يُفرض على الشخص تجاهل المشاعر السلبية وعدم الحديث عنها، حتى في أصعب المواقف. ويكون التبرير لذلك أن التفكير الإيجابي والتفاؤل هو الحل. ويؤدي ذلك لتراكم المشاعر السلبية وأثرها السيء على الفرد.
التقليل من المعاناة
يلجأ البعض لاتباع استراتيجية أن الكثيرين يعانون نفس المعاناة، وأنها ليست نهاية العالم، ولست وحدك من تعاني. ويؤدي ذلك للتقليل من مشاعر الحزن والاستخفاف بها، وانعدام الأحقية في التعبير عن المشاعر السلبية.
الشعور بالذنب لعدم الشعور بالسعادة
عندما يشعر الشخص باللوم الدائم كونه حزينًا من بعض المواقف، يتخلل الشعور بالذنب والنقص واللوم المتكرر، والإحساس بتهويل الأمور، كون الشخص لا يستطيع التفكير بتفاؤل، ويشعر أنه فقط من يعاني ولا يستطيع التعامل مع مشاعره.
الإصرار على التفاؤل
يتمثل ذلك في محاولة تحويل كل موقف مؤلم إلى شيء إيجابي قسرًا، حتى لو كان غير واقعي، وتجاهل كل المواقف الصعبة، وأنه لا يوجد سبب للشعور بالحزن.
رفض الاستماع للمشاكل والتحديات
أحيانًا تُستخدم الإيجابية السامة كوسيلة للهروب من المواجهة، وعدم الرغبة في الحديث عن أي مشاكل، بل يلجأ هؤلاء الأفراد لإخفاء كل المشاعر السلبية وراء ستار التفاؤل والسعادة والإيجابية.
اعتبار المشاعر السلبية “ضعفًا”
غالبًا ما يُنظر إلى الحزن أو البكاء أو الخوف على أنه علامة ضعف. وأنها مشاعر لا يجب إظهارها أو التعامل معها، بل إخفاؤها وقمعها بأي وسيلة. وأن يكون المحيط مليئًا بالسعادة والتفاؤل فقط.
توقع السعادة المستمرة
دائمًا ما تدور توقعات هؤلاء الأفراد حول الحياة السعيدة فقط، بدون الحزن، والتقليل من مشاعر الآخرين. وأنه لا يوجد ما يسمى بالتقلبات المزاجية والعاطفية، بل كل ذلك يرجع لضعف الأشخاص وعدم قدرتهم على مواجهة مختلف المواقف بسعادة.
كل تلك العلامات تؤدي للعديد من الآثار النفسية والبدنية على الفرد. من أبرز هذه الآثار:
القمع العاطفي:
الأشخاص الذين يواجهون الإيجابية السامة يتعلمون قمع مشاعرهم الحقيقية بدلًا من التعبير عنها، ويؤدي قمع تلك المشاعر وعدم التعامل معها بشكل صحيح إلى تدهور الحالة النفسية، والمعاناة من مختلف الاضطرابات النفسية.
الشعور بالعزلة:
عندما يشعر الشخص بتجاهل المشاعر، والشعور بالذنب الدائم لعدم قدرته على التحكم في مشاعره، يؤدي به ذلك إلى العزلة الاجتماعية، وانخفاض الرغبة في التعامل مع العالم الخارجي.
الضغط النفسي:
محاولة أن تكون دائمًا في حالة من السعادة أو التفاؤل الزائد، يسبب حالة من الضغط النفسي والصراعات الداخلية، تؤدي للعديد من المشاكل النفسية والجسدية التي تؤثر على حياة الفرد.
انعدام المواجهة:
مواجهة المشاكل بتفاؤل مفرط، دون إعطاء الاعتبار للحلول الواقعية، قد يؤدي إلى شعور بالعجز. فليست كل المشاكل ينبغي التعامل معها بنفس الطريقة، بل يجب الوصول لحلول واقعية وملموسة تساعد الفرد، وليس بالضرورة أن تكون حلولًا سعيدة.
طرق وآليات التعامل مع الإيجابية السامة
إذا كنت تشعر بأنك محاصر في بيئة تتميز بالإيجابية السامة، أو أنك شخص تعرض لهذه الأفكار السلبية بشكل متكرر. هناك بعض الطرق التي يمكن أن تساعدك في التعامل مع هذه الظاهرة:
الاعتراف بالمشاعر الحقيقية:
من المهم أن تسمح لنفسك بالشعور بكل ما تمر به، والتعبير عن مختلف المشاعر التي تشعر بها، وأنه لا يوجد ما يدعو للقلق بشأن المشاعر الحزينة. فالحياة ليست مستقيمة، بل التعامل السليم مع الحزن يؤدي لتحسين الحياة.
كن صريحًا مع الآخرين:
إذا شعرت أن الأشخاص من حولك يحاولون فرض تفاؤل غير واقعي، كن صريحًا معهم، وتعامل بشكل سليم مع فرضهم الإيجابية السلبية عليك، فلكل فرد مشاعره وطرقه الخاصة للتعامل مع المواقف المختلفة، وأننا فقط بحاجة للاستماع الفعال والدعم العاطفي.
البحث عن بيئة داعمة:
محاولة التواجد في بيئة تشجع على التعبير الصادق عن المشاعر، وتقدر الضعف البشري، مثل مجموعات الدعم أو الأصدقاء الذين يقدرون حقيقة مشاعرك.
ممارسة التعاطف الصحي كوسيلة لمواجهة الآخرين:
يعد التعاطف الصحي من أهم وسائل قمع الإيجابية السلبية. فهو يساعد الأفراد على التعامل مع المواقف المختلفة بحكمة. ويمكن ممارسة ذلك من خلال:
الاستماع الفعّال:
الاستماع بانتباه دون الحكم على مشاعر الآخرين هو أساس التعاطف الصحي. فيجب أن نحرص على تفهم وتقبل مختلف المشاعر التي يشعر بها الآخرون، وتقديم الدعم اللازم لهم.
التعاطف مع نفسك:
لا تنسَ أن تتعاطف مع نفسك أيضًا. فيجب منح الفرد فترات راحة لنفسه، والاعتراف بالضعف، والحاجة للمساعدة من الآخرين. فلا يجب أن يكون الفرد دائمًا في حالة قوة وسعادة.
استخدام كلمات داعمة:
في التعامل مع الآخرين، حاول استخدام كلمات تشجعهم على التعبير عن مشاعرهم، دون فرض الإيجابية السامة عليهم.
البحث عن حلول واقعية:
بدلًا من تقديم حلول غير واقعية، وفرض الشعور بالسعادة والتفاؤل، المساعدة في البحث عن حلول منطقية وواقعية يمكنها التعامل مع المشاكل بشكل سليم.
الإيجابية السامة قد تبدو في البداية كطريقة لتحفيز النفس أو تحفيز الآخرين. لكنها في النهاية تؤدي إلى تجاهل وقمع المشاعر السلبية. يزيد هذا من الشعور بالضغط والعزلة خوفًا من التعبير عن المشاعر والنظرة السيئة من الآخرين.
وفي المقابل، يشجع التعاطف الصحي على التعبير عن المشاعر الحقيقية، والاستماع إلى الآخرين بتفهم دون محاكمة أو فرض نمط حياة غير واقعي، وتركهم للتعبير عن كل ما يجول بخاطرهم من مشاعر سلبية، وتعزيز التفاهم والتصالح مع المشاعر السلبية، واتباع الطرق الصحية للتغلب عليها.




































