بحث جديد يحذر من: التأثير السلبي مع نصائح الصحة النفسية
تُعد الصحة النفسية أحد الركائز الأساسية لجودة حياة الإنسان، فهي تؤثر في تفكيره وعلاقاته الاجتماعية وأدائه العملي. ومع تزايد كم الضغوطات التي يتعرض لها الفرد في الحياة اليومية، ازداد انتشار الاضطرابات النفسية بين الفئات العمرية المختلفة، وخصوصًا صغار السن.
لذلك أصبحت نصائح الصحة النفسية أكثر تداولًا وانتشارًا في مختلف المجتمعات و بيئات العمل المختلفة. لكن السؤال الأهم: هل تُقدَّم نصائح الصحة النفسية دائمًا بالشكل الصحيح؟ وهل يقوم الأفراد والمؤسسات بدورهم كما ينبغي؟ سوف نتعرف على ذلك من خلال المقال.
لماذا تحتاج نصائح الصحة النفسية إلى مرجعية صحيحة؟
رغم النوايا الحسنة، فإن كثيرًا من نصائح الصحة النفسية المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أو في المحيط الاجتماعي قد تكون غير دقيقة أو حتى ضارة، وبدلًا من مساعدة الأفراد على تحسين الحالة النفسية السيئة، تساعد في تدهور الاضطراب والاحتياج لمزيد من التدخل والمساعدة، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها:
التعميم المفرط:
ما يناسب شخصًا قد لا يناسب آخر، وبسبب اختلاف الظروف المحيطة والمؤدية للاضطراب النفسي، لا ينبغي تعميم طرق العلاج أو حتى الأساليب العلمية المساعدة في تهدئة الحالة النفسية، بل يجب أن تصاغ الخطة العلاجية بناء على كل حالة منفردة بما يناسبها.
نقص التخصص:
يقدّم البعض نصائح نفسية دون أي تدريب أكاديمي، تحت مسمى اللايف كوتش، وما هي إلا مجرد نصائح من دورها المساعدة بصورة بسيطة في تقبل وتخطي الحالة النفسية السيئة، ولكنها عامل مساعد لا ينبغي الاعتماد عليها بشكل كلي، ويجب التأكد من مصدر الشخص ومدى إدراكه للأمراض النفسية وتطوراتها حتى لا نتتبع إرشادات وتعليمات خاطئة، من دورها تساعد في تدهور الوضع النفسي.
تجاهل الحالات الحرجة:
الاكتفاء بعبارات تحفيزية قد يضر من يعاني اضطرابات نفسية عميقة تحتاج إلى تدخل دوائي، ويؤدي ذلك لتأخر طلب المساعدة والحصول على العلاج اللازم، بسبب محاولة اتباع النصائح والخوف من وصمة المرض النفسي و الإشاعات المغلوطة عن العلاج النفسي.
إغفال السياق الثقافي والاجتماعي:
النصائح المستوردة من ثقافات أخرى قد لا تناسب جميع البيئات، وما يمكن أداؤه في مجتمعات لا يمكن في مجتمعات أخرى، وما يخالف المعتقدات التربوية والدينية للمجتمع لا يمكن الاعتماد عليه في تحسين الحالة النفسية.
زيادة العبء على الفرد:
تم الكشف أن من أحد الأساليب المتبعة في نصائح الصحة النفسية غالبًا ما يركز على إضافة أنشطة جديدة، دون أن يُوصى أبدًا بالتخلي عن العادات الضارة، رغم أن التوازن بين الاثنين يمكن أن يكون أكثر فعالية. وحتى عند اللجوء للذكاء الاصطناعي، يميل لهذا النوع من النصيحة، ما يبرز الحاجة إلى برامج دعم أكثر توازنًا وفهمًا، يعود بالنفع الحقيقي دون زيادة العبء النفسي، ودون الحاجة لبدء الكثير من العادات الصحية الجديدة في نفس الوقت، والاعتقاد أن تحسن الصحة النفسية لا يأتي إلا بإتباع كافة نصائح الصحة النفسية في ذات الوقت، والتغيير الجذري في أقصر فترة ممكنة.
أفضل الطرق لتقديم نصائح الصحة النفسية
الاعتماد على أسس علمية واضحة
ينبغي أن تستند نصائح الصحة النفسية إلى تجارب فعلية وأسس علمية وطبية صحيحة، ويتم التوصية بها من قبل المختصين في الصحة النفسية لضمان صحة المعلومات ومنع التضليل والترويج للإشاعات المختلفة تحت مظلة النصائح.
التخصيص قدر الإمكان
تقديم النصائح ينبغي أن يوضع في الاعتبار الفئة العمرية، والحالة الصحية، والبيئات المختلفة، ومستوى المعيشة، حتى لا يتم تقديم نصائح تضع المزيد من الأعباء على المريض.
التركيز على الوقاية قبل العلاج
يجب ألا تكون النصائح مقتصرة على علاج الأزمات بعد وقوعها، بل يمكن توجيه العديد من النصائح حتى للأفراد الذين لا يعانون من أي اضطرابات، لمنع الوقوع في الاضطرابات والحث على بناء عادات صحية تساعد في تحسين الصحة النفسية والجسدية معًا، مثل النوم الجيد، النشاط البدني، إدارة الوقت، والتواصل الاجتماعي الفعّال، والالتزام بالطعام الصحي، والبعد عن مسببات القلق والتوتر.
استخدام لغة بسيطة وغير مُعقدة
عند توصيل النصائح لمختلف الفئات، يجب تجنّب المصطلحات النفسية الصعبة والمصطلحات الطبية المبهمة للكثيرين، والتركيز على التحدث بلغة يفهمها الجميع، والتركيز على أمثلة واقعية تساعد في الفهم والتطبيق.
مراعاة الجانب الإنساني
النصائح يجب أن تتسم بالتعاطف بدلًا من إصدار الأحكام أو عدم الشعور بمعاناة الآخرين، والبعد عن إلقاء اللوم على الفرد وزيادة الشعور بالعجز لديه، والمساعدة في تقديم حلول واقعية ونصائح واقعية بدلًا من إلقاء اللوم.
الإشارة بوضوح إلى الحالات التي تحتاج تدخّل مختص
من المهم دائمًا التأكيد على أنّ النصائح العامة لا تغني عن العلاج النفسي المتخصص في حال وجود أعراض شديدة مثل:
الأفكار الانتحارية أو إيذاء النفس.
الاكتئاب المزمن أو نوبات الهلع المتكررة.
اضطرابات الأكل أو الإدمان.
دور الجهات المختصة في تقديم نصائح الصحة النفسية
لا يقع عاتق تقديم نصائح الصحة النفسية على المعالج أو الطبيب فقط، بل على كافة المحيطين بالأفراد، داخل جميع المؤسسات التعليمية والمهنية يجب أن تحظى الصحة النفسية بمزيد من الاهتمام والتقدير لضمان سلامة الأفراد، ويتضح دور الجهات المختلفة فيما يلي:
١-الأخصائي النفسي والمعالج النفسي
التشخيص الدقيق: يحدد المختص سبب المشكلة بدقة من خلال طرق التشخيص المختلفة وعدة مقابلات يستمع فيها لشكوى الفرد حتى يصل للتشخيص السليم، ويأتي دور نصائح الصحة النفسية البسيطة لمساعدة الفرد في التأقلم.
العلاج العلمي: يقدم برامج علاج معرفي-سلوكي أو علاجات دوائية داعمة حسب الحالة وحسب الوضع ودرجة التدهور التي وصل لها الفرد.
التثقيف النفسي: يزود المريض وعائلته بكافة المعلومات حول المرض وطريقة التعامل معه وأعراض الانتكاسة وتدهور الحالة، وهذا أيضًا يندرج تحت مفهوم نصائح الصحة النفسية.
٢-المؤسسات الصحية والمستشفيات
توفير حملات توعية دورية: عبر وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية، ومن خلال الأيام العالمية للصحة النفسية، وإقامة الندوات وورش العمل المختلفة لمناقشة كافة الموضوعات المتعلقة بالصحة النفسية.
إتاحة خطوط مساعدة نفسية: للرد السريع على الحالات الطارئة، ومن خلال جلسات الإنترنت لمن يصعب عليهم الوصول لأماكن الخدمات النفسية، لضمان وصول المساعدة لأكبر عدد من الأفراد.
إدماج خدمات الدعم النفسي في الرعاية الصحية: ودمجها ضمن التأمينات الصحية، وتثقيف الأطباء في مختلف التخصصات عن علامات الأمراض النفسية التي تظهر في هيئة أعراض جسدية، بحيث يمكن للطبيب العام اكتشاف الحالات مبكرًا وتوجيهها لتلقي العلاج والخدمة المناسبة.
٣-المدارس والجامعات
برامج للصحة النفسية للطلاب: منذ الصغر تعليم الأطفال مهارات حل المشكلات والتعامل مع الضغوطات، وتوضيح أثر السلوكيات العنيفة والتنمر والتمييز في تدهور الحالة النفسية للواقع عليهم.
تدريب المعلمين والمرشدين: على كيفية اكتشاف علامات الاكتئاب أو القلق بين الطلاب، ومساعدة من يقومون بسلوكيات عدوانية على معرفة السبب والتعامل معه بصورة صحيحة.
٤-الإعلام والرقابة المجتمعية
مسؤولية الإعلام: السعي لنشر مفهوم الصحة النفسية وأهميتها في مختلف المجتمعات، والتأكد من صحة المعلومات المختلفة التي تنشر في الوسائل الإعلامية حول الصحة النفسية.
تعزيز ثقافة طلب المساعدة: لمحاربة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بزيارة الطبيب النفسي، والمفاهيم الخاطئة حول العلاج النفسي، وتشجيع الأفراد على ضرورة طلب المساعدة.
تقديم نصائح الصحة النفسية مسؤولية كبيرة تتطلب وعيًا ودقة. النصيحة يمكن أن تحدث تغييرًا كبيرًا في حياة الفرد عندما يتم توجيهها بالطريقة الصحيحة والمناسبة لكل فرد، بينما النصيحة الخاطئة قد تزيد الوضع سوءًا.
ويجب أن تتعاون جهود الأفراد والمؤسسات والجهات المختصة لضمان أن تصل نصائح الصحة النفسية إلى الناس بشكل علمي وإنساني صحيح، مع ضرورة الاهتمام بحالة كل فرد وما يتطلبه، بجانب تلك النصائح من علاج معرفي أو علاج دوائي، لمساعدة كل فرد في استعادة توازنه النفسي من جديد.





































