كيف يحطم الإيذاء النفسي كرامة المرأة وسبل التعافي؟
في مجتمعاتنا الحديثة، لم يعد العنف ضد المرأة مقصورًا على الأذى الجسدي أو التحرش المباشر، بل تعداه إلى أشكال أكثر شدة وقوة في تأثيرها على نفسية المرأة مثل الإيذاء النفسي. هذا النوع من العنف لا يُترك على الجسد آثارًا تُرى، فلا يستطيع المحيطين توقع ما تعانيه المرأة من عنف وتدمير نفسي وزعزعة للثقة بالنفس.
الإيذاء النفسي هو الوجه الصامت للعنف، حيث تُسلب المرأة حريتها وكيانها وقدرتها على التعبير عن حريتها حتى يصل بها الأمر لحياة لا يوجد مفر منها ولا يوجد سيطرة للمرأة فيها على حيرتها ورأيها.
ما هو الإيذاء النفسي؟
الإيذاء النفسي هو مجموعة من السلوكيات اللفظية أو العاطفية العنيفة التي تهدف للتقليل والتحقير من دور المرأة في المجتمع.
ويؤثر ذلك على الحالة النفسية للمرأة. وقد نجد ذلك في عدة ممارسات لا تحمل في طياتها أذى جسدي أو تعدي جسديا ولكن في عدة صور مثل : الإهانة، التهديد، التجاهل، الانتقاد المستمر، السيطرة الاقتصادية، الحرمان العاطفي،التحكم المالي، أو إشعار المرأة بالذنب الدائم. وهو يعد أحد صور العنف الصامت الذي يمارس على فئة كبيرة من السيدات في مختلف المجتمعات وقد يتم ذلك تحت ستار العادات والتقاليد المجتمعية.
ويكمن الخطر الأكبر في الإيذاء النفسي في عدم قدرة الكثيرين على تمييز أن ذلك عنف وأنهم يعاملون بصور تفتقد للإنسانية والرحمة ولا تجد المرأة ملجأ للنجاة من ذلك العنف.
كيف يحطم الإيذاء النفسي كرامة المرأة؟
إن الإيذاء النفسي من الوسائل النفسية التي تهدد كرامة المرأة وتكسر ثقة المرأة بنفسها وقدرتها على تحمل الصعاب في الحياة وتصبح شخصية غير متزنة نفسيا بصورة كبيرة. يحدث ذلك لعدة أسباب منها:
1- تدمير احترام الذات:
عندما تتعرض المرأة للإهانة أو التحقير أو التقليل من إنجازاتها يولد ذلك شعورا داخليا لديها بالنقص وعدم القدرة على النجاح وتبدأ تدريجيا في فقدان الثقة بالنفس والتقليل من احترامها لذاتها وتصبح نظرتها إلى ذاتها سلبية، وتتحول إلى شخصية منكسرة، تخاف من التجربة حتى لا تتعرض للفشل أو الرفض وتصل في النهاية إلم شخصية مترددة لا تعرف ما تريد في الحياة.
2- التحكم في المشاعر والقرارات:
إن الشخص الذي يتعمد تقديم للأذى للمرأة يعمل على إضعاف استقلالية المرأة من خلال السيطرة على قراراتها وتوجيه سلوكها وعدم منحها أي حرية سواء في الرأي أو حرية مادية أو حتى حرية في اتخاذ القرارات في الحياة ويُشعرها بالذنب إن رفضت أو اعترضت، بحجة أنها غير قادرة على معرفة الصواب أو اتخاذ قرار صحيح في الحياة بهذا، يتحول الإيذاء النفسي إلى قيد يحطم قدرة المرأة على التعبير عن ذاتها و اتخاذ أي قرار يخص حياتها.
3- إشعارها بالدونية والعجز:
من أكثر نتائج الإيذاء النفسي قسوةً هو شعور المرأة بأنها غير كافية وغير قادرة على القيام حتى بأبسط الأمور التي يستطيع أي فرد أن يقوم بها عن طريق التقليل منها ومقارنتها مع غيرها والاحتقار من نجاحها وما تقوم به في الحياة وهكذا تفقد المرأة الشعور بالكرامة الداخلية، وتبدأ في تكييف سلوكها بما يُرضي الطرف المؤذي ولا يتناسب مع شخصيتها أو طموحها في الحياة بل رغبة في إيقاف الإيذاء النفسي الذي تتعرض له باستمرار.
4- العزلة والانسحاب الاجتماعي:
كثير من النساء اللاتي يتعرضن إلى الإيذاء النفسي يرغبن في الانعزال والبعد عن الأخرين خوفا من المقارنات وخوفا من ازدياد الإيذاء الواقع عليهن وهذا الانعزال يجعلها فريسة سهلة، تفتقر إلى الدعم العاطفي والاجتماعي، ويزيد من قدرة المعتدى على تقديم المزيد من الإيذاء النفسي حتى تفقد المرأة كامل قدرتها في الدفاع عن نفسها أو السعي لتجنب الأذى.
5- التحكم الاقتصادي:
من أشكال الإيذاء النفسي المتكررة، أن يتحكم المعتدي في الموارد المالية، فيحرم المرأة من حقها في الإنفاق أو التملك، أو حتى إبداء الرأي في المسار المادي لها حتى تظل داخل دائرة التحكم ولا تفكر في إيجاد وسائل للتخلص من ذلك أو حتى المطالبة بحقوقها المادية وتصبح مجرد تابعة لقرارات الشخص المعتدي على حقوقها.
الآثار النفسية طويلة المدى للإيذاء النفسي
الإيذاء النفسي ليس مجرد بضعة مواقف تترك أصر لحظي وتمر ولكن هي تراكمات من مواقف وأساليب حياة تؤدي في النهاية آثار نفسية سيئة على حياة المرأة وتلك الآثار تتضمن ما يلي:
الاكتئاب والقلق المزمن:
المرأة التي تعيش في بيئة من النقد المستمر والرفض تفقد الشعور بالأمان النفسي. ومع الوقت تصبح في حالة توتر مستمرة تؤدي بها مع الوقت لتطور العديد من الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب.
اضطراب ما بعد الصدمة:
الإيذاء المتكرر يخلق حالة من الصدمة النفسية، وقد لا تستطيع كثير من النساء التعامل معها بصورة صحيحة وتبقى في حالة من الصدمة لا تستطيع تخطيها أو استرجاع الصورة الطبيعية للحياة.
العزلة الاجتماعية:
تخشى المرأة التعامل مع الآخرين أو الاندماج في علاقات اجتماعية أخرى تجنبا للأذى فتفضل الانعزال الاجتماعي.
تدهور الأداء المهني أو الأكاديمي:
يتسبب الإيذاء في فقدان التركيز والدافعية، وتصبح المرأة في حالة من فقدان الرغبة وفقدان الثقة في التجارب والاستمرار في أي مجال حياتي جديد.
تأثيرات جسدية مرتبطة بالاضطراب النفسي:
مثل الصداع المستمر، اضطرابات المعدة، ضعف المناعة، وآلام الظهر والرقبة الناتجة عن التوتر الدائم.
سبل التعافي من الإيذاء النفسي
رغم صعوبة التجربة، فإن الشفاء حل أكيد يبدأ بالوعي الكافي للمرأة عن حقوقها وواجباتها داخل المجتمع وتلقى الدعم الكافي. ويتم ذلك عن طريق عدة خطوات:
1- الاعتراف وزيادة الوعي:
أول خطوة في طريق الشفاء هي الوعي الكافي والاعتراف الصريح أن ما تلقاه المرأة هو عنف وإيذاء يتطلب التدخل اللازم للحماية بتسمية الألم تمنحه شكلاً، وتجعل مواجهته ممكنة.
2- طلب الدعم النفسي المتخصص:
الاستعانة بمعالج نفسي أو مستشار متخصص في قضايا العنف النفسي والإيذاء واستعادة ثقتها بنفسها وتحديد إلى أي مدى وصلت المرأة من تدهور في الحالة النفسية السيئة والعلاج السلوكي والعلاج الجماعي يساعد المرأة على استعادة الثقة بنفسها وحفظ كرامتها من تلقي الإيذاء.
3- بناء حدود جديدة للعلاقات:
يجب على المرأة أن تتعلم وضع حدود واضحة لأي علاقة يتم فيها الاستهانة بمشاعرها والاستقلال من دورها داخل المجتمع وتلك الحدود تخفظ للمرأة سلامها النفسي و حياتها من التدهور.
4- بناء شبكة دعم اجتماعي:
الحديث مع أصدقاء داعمين، أو الانضمام إلى مجموعات نسائية، تساعد المرأة على تخطي الإيذاء واستعادة الثقة بنفسها.
5- استعادة الاستقلال المالي والمعنوي:
التمكين الاقتصادي هو خطوة أساسية لمساعدة المرأة على مقاومة الإيذاء والبعد عن الإيذاء المادي. يساعدها ذلك على اتخاذ قرارات حياتية ووضع الحدود اللازمة في العلاقات.
6- ممارسة الرعاية الذاتية:
الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية واتباع نظام حياة صحي ووسائل للتخلص من الضغوطات والتوتر المستمر الذي يعيد التوازن الجسدي للمرأة.
7- استغلال الأيام العالمية:
الأيام العالمية مثل اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة (25 نوفمبر) أو اليوم العالمي للصحة النفسية (10 أكتوبر) تعد فرصة عظيمة لتسليط الضوء على هذا النوع من الإيذاء الذي تتعرض له النساء باستمرار ومناقشة تلك القضايا التي تتم في الخفاء ولا تشعر معظم النساء أنهن يتعرض للعنف والإيذاء.
الإيذاء النفسي لا يترك أثرا جسديا ملحوظة ولكنه يترك تشوهات في شخصية المرأة ويفقدها ثقتها. ومع ذلك، يمكن لكل امرأة أن تستعيد احترامها لذاتها و تسترد كرامتها حين تدرك الوسيلة الصحيحة للتعافي وتكتسب الوعي الكافي لمقاومة التعرض للإيذاء.
حماية كرامة المرأة ليست مسؤوليتها وحدها، بل هي واجب المجتمع بأكمله فبقدر ما نحمي النساء من الإيذاء، نحمي تماسك الأسرة والمجتمع واستقراره.




































