تغذية العقل من تغذية الجسم
تبدأ تغذية العقل من خلال الاهتمام بعدة جوانب من حياة الفرد، ولعل أهمها الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية عن طريق الحرص على تناول الطعام الصحي، واتباع عادات سليمة، وممارسة الرياضة، وغيرها من الأساليب التي تساعد في تغذية العقل والوقاية من الأمراض المختلفة.
ما هو تأثير الغذاء الصحي على تغذية العقل؟
الغذاء الصحي له تأثير مباشر وقوي على تغذية العقل وتحسين الصحة النفسية، وقد أثبتت دراسات علمية عديدة هذا الارتباط من خلال ما يُعرف بـ”محور الأمعاء–الدماغ”، وبطرق أخرى سوف نتعرف عليها، مثل:
تحسين المزاج وتقليل الاكتئاب
الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة، مثل الفواكه الطازجة والخضروات، تعمل على تقوية مناعة الجسم وتقليل الالتهابات التي تؤثر على صحة الجسم وتؤثر على صحة الدماغ، وبالتالي الحفاظ على الحالة المزاجية بصورة سليمة وتقليل التعرض للقلق والتوتر.
تناول الكربوهيدرات المعقدة (مثل الشوفان والبطاطا) بكميات مناسبة يساعد في تنظيم إنتاج هرمون السيروتونين، وهو ناقل عصبي يعرف بهرمون السعادة، الذي يساعد في تحسين الحالة المزاجية.
الفيتامينات مثل فيتامين B12 وحمض الفوليك يساعد في التخفيف والوقاية من حدة الأمراض النفسية مثل الاكتئاب.
تناول الأطعمة التي تحتوي على أوميغا-3 (مثل السمك والمكسرات)، وهو عنصر مهم يتم إهماله عادة، ولكنه يساهم في العديد من الوظائف، ويساعد في تغذية العقل وإتمام الكثير من العمليات الحيوية داخل الجسم، والمساهمة في تنظيم النواقل العصبية التي تساعد في تقليل التوتر والقلق.
المغنيسيوم الموجود في السبانخ والبقوليات يساعد في تهدئة الجهاز العصبي، واسترخاء العضلات، وبالتالي التحسين من الحالة المزاجية وتنظيم عملية النوم.
كما أن التعرض المستمر لأشعة الشمس بكميات مناسبة يساعد في تحفيز تكوين فيتامين دال داخل الجسم، بالإضافة لتناول الأطعمة مثل الأسماك، يساعد أيضًا في تكوين فيتامين دال، وهو أحد أهم الفيتامينات داخل الجسم التي تساعد في الوقاية من الأمراض، وكذلك التخفيف من أعراض القلق والاكتئاب.
دعم البكتيريا النافعة في الأمعاء
تناول الأطعمة التي تحتوي على البكتيريا النافعة، مثل منتجات الألبان، يساعد في تنظيم عمليات الهضم وحركة الجهاز الهضمي والأمعاء، ويساعد في تقليل الأعراض الجسدية المصاحبة لحالات التوتر والقلق.
وتناول الأطعمة الغنية بالألياف (مثل الخضروات والحبوب الكاملة) يعزز نمو البكتيريا النافعة أيضًا، والحصول على المزيد من الفوائد المرتبطة بها.
صحة الجهاز الهضمي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحالة النفسية، إذ تنتج الأمعاء أكثر من 90% من السيروتونين، هرمون السعادة المسؤول عن تحسين المزاج.
تحسين جودة النوم والتركيز
تجنب المنبهات في فترة الليل وتناول المأكولات السكرية والدسمة يساعد على تنظيم النوم والتخلص من الأرق، واستعادة التوازن الداخلي للجسم.
الأطعمة التي تحتوي على التربتوفان (مثل الحليب والموز) تعزز إنتاج الميلاتونين، هرمون النوم الذي يساعد في تنظيم دورات النوم، والحصول على نوم مريح.
توازن السكر في الدم
تغذية العقل، ووصول كميات مناسبة من سكر الدم للعقل، يساعد في الوقاية من العديد من الاضطرابات النفسية والجسدية، لذلك تناول وجبات صحية منتظمة يقلل من تقلبات سكر الدم، التي يمكن أن تؤدي إلى تقلبات المزاج والقلق والانفعالات الزائدة.
لذلك، الغذاء الصحي لا ينعكس فقط على الجسد، بل أيضًا على العقل والمشاعر. باتباع نظام غذائي متوازن، يمكن تحسين الحالة النفسية، وتغذية العقل بشكل سليم، وزيادة التركيز، وتقليل الاكتئاب والقلق، والشعور بالاستقرار والرضا العام.
كيف يمكن بناء عادات سليمة للمساعدة في تغذية العقل؟
ليس تناول الطعام الصحي فقط هو الذي يعمل على تغذية العقل لتجنب المشاكل النفسية، لكن الاستمرارية، ووضع النظام الغذائي الصحيح، يعزز من فوائد الغذاء الصحي في تغذية العقل، وزيادة مناعة الجسم ضد الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية، ويمكن اتباع بعض الإرشادات التالية للاستفادة من الطعام الصحي:
تناول وجبات منتظمة ومتوازنة:
يجب أن يحافظ الفرد على نظام غذائي متوازن يعتمد على ثلاث وجبات رئيسية، يفصل بينها وجبات صغيرة، ولكن تشمل جميع العناصر الأساسية اللازمة في تغذية العقل، وذلك يساعد أيضًا في الحفاظ على مستويات السكر في الدم ثابتة، وبالتالي نتجنب مشاكل عديدة من تغيرات مزاجية، ومشاكل في الجهاز الهضمي تؤثر أيضًا على الحالة المزاجية.
التركيز على الأطعمة الطبيعية الكاملة:
يجب التنويع في الوجبات بين الأطعمة الصحية المفيدة، والاختيار بين الفواكه، الخضروات، الحبوب الكاملة، البروتينات الخالية من الدهون، والمكسرات، لإمداد الجسم بكل ما يحتاجه من عناصر ومعادن ضرورية لبناء الجسم، والوقاية من الأمراض المختلفة، والاستغناء عن الأطعمة المصنعة والغنية بالسكر، التي تؤثر على مناعة الجسم وتحدث خلل في مستويات سكر الدم، تؤدي لكثير من الاضطرابات النفسية وزيادة مشاعر القلق والتوتر.
شرب كميات كافية من الماء:
ليس فقط الغذاء الصحي هو مفتاح تغذية العقل، ولكن غالبًا ما يتم إهمال شرب الماء، ولا يدرك البعض أن الجفاف يؤثر سلبًا على التركيز والحالة المزاجية، ويعرض الجسم لكثير من المشاكل الصحية، ومشاكل عقلية على المدى البعيد. أهمية الماء بالنسبة لتكوين الجسم لا تقل عن أهمية تناول الطعام، فلذلك ينصح دائمًا بشرب كميات كبيرة من الماء، خصوصًا خلال فترات الصيف وارتفاع درجات الحرارة، لتجنب التأثيرات النفسية الضارة الناتجة من عدم شرب الماء.
إدخال الأطعمة الغنية بالبروبيوتيك:
كما ذكرنا، علاقة البكتيريا النافعة بتحسين صحة الأمعاء، وكذلك تأثيرها على الحالة النفسية، لذلك ينصح من جميع أطباء التغذية بضرورة إدخال الأطعمة التي تحتوي على البروبيوتيك في النظام اليومي، مثل الزبادي، والكيمتشي، ومخلل الملفوف، لدعم صحة الأمعاء المرتبطة مباشرة بالصحة النفسية.
الاعتدال في تناول الكافيين:
الإفراط في الكافيين، اعتقادًا من الكثيرين أنه يساعد في زيادة التركيز والبقاء في حالة استيقاظ لمدة أطول، قد يسبب أضرارًا تفوق فوائده، مثل زيادة مشاعر القلق والتوتر، وما يصاحبها من أعراض جسدية مثل تسارع ضربات القلب، والتعرق، واضطراب النوم.
التخطيط المسبق للوجبات:
يساعد وضع جدول أسبوعي للوجبات على التخطيط مسبقًا، والتنوع في أنواع الطعام الصحي، لتجنب الملل من تكرار الوجبات، وكذلك تجنب اللجوء للأطعمة السريعة والضارة في أوقات الانشغال، وإضافة كافة العناصر اللازمة في اليوم للحصول على تغذية العقل السليمة والمطلوبة.
ممارسة الأكل الواعي:
وهي عبارة عن مجموعة من الممارسات البسيطة، الهدف منها تحسين العلاقة مع الغذاء الصحي، وعدم النظر إليه على أنه وسيلة فقط من أجل تحسين الصحة العقلية والجسدية، مثل: تناول الطعام بسرعة بطيئة للاستمتاع به، والانتباه لاختلاف الأطعمة عند وجود تنوع في الوجبات، والاستمتاع بالروائح التي تجذب الفرد في الطعام الصحي. كل ذلك يُعزز من العلاقة الإيجابية مع الطعام، ويساعد الفرد على تقبل الطعام الصحي، وعدم اللجوء للوجبات السريعة والضارة.
الحرص على احتواء الطعام على العناصر الداعمة للمزاج:
ذكرنا العديد من العناصر اللازمة للحفاظ على الحالة المزاجية، مثل الأوميغا-3 (في الأسماك)، فيتامين D (من الشمس والمأكولات البحرية)، الزنك، والمغنيسيوم. كل تلك العناصر أساسية بشكل رئيسي لدعم الحالة النفسية، وتغذية العقل، والوقاية أيضًا من الأمراض الجسدية، نتيجة الحفاظ على مناعة الجسم. لذلك، يجب الحرص على الحصول على الكميات اللازمة من تلك العناصر يوميًا، أو الحصول عليها من المكملات الغذائية في حالة عدم القدرة على الحصول على الكمية اللازمة.
الابتعاد عن الأنظمة الغذائية القاسية:
الحميات المتطرفة قد تؤثر سلبًا على المزاج، وتؤدي بالشخص للإصابة بنهم الطعام وشره الطعام، وتؤدي إلى مشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب. لذلك، يجب الحرص على وضع أنظمة غذائية لا يوجد بها حرمان من أنواع الطعام المختلفة، ولكن الحصول عليها بالكميات المناسبة للجسم.
وختامًا:
العقل السليم في الجسم السليم، وتغذية العقل تحتاج للاهتمام بوضع نظام صحي متوازن يشمل العديد من العناصر اللازمة من فيتامينات ومعادن وبروتينات، حتى يستطيع الجسد محاربة ومقاومة كافة المشاكل الصحية والاضطرابات النفسية، والعيش في حياة متوازنة.





































