تسعة جزيئات مسؤولة عن اكتئاب المراهقين
تمكّن باحثو جامعة ماكجيل من تحديد تسع جزيئات حيوية في الدم ترتفع عند المراهقين المصابين بالاكتئاب، وهي من المؤشرات البيولوجية الواعدة لتشخيص اكتئاب المراهقين مبكرًا ومتابعة الخطط العلاجية.
ما هي أسباب اكتئاب المراهقين في هذا العصر؟
تعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية، ويمر بها الأفراد بالعديد من التغيرات الجسدية والنفسية التي تساهم في بناء حياتهم المستقبلية. ومع تسارع نمط الحياة في هذا العصر، أصبحت أسباب اكتئاب المراهقين متعددة وتجمع بين عدة عوامل داخلية وخارجية، ومنها ما يلي:
التغيرات الهرمونية والعصبية
خلال سن البلوغ، تحدث تغيرات هرمونية تؤثر على الجهاز العصبي، ونجد الأفراد في سن البلوغ أكثر عرضة للتقلبات المزاجية وسرعة التأثير على الحالة النفسية، بسبب التغيرات الحادثة، مما يجعلهم أكثر عرضة للاكتئاب.
انخفاض تقدير الذات
المراهقون يتأثرون بشدة بنظرة الآخرين لهم، ويتأثرون بالآراء المختلفة، و ينجرفون وراء المقارنات وما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعلهم يشعرون بالنقص أو عدم الكفاءة.
الشعور بالعزلة أو الرفض
سواء في الأسرة أو المدرسة أو بين الأصدقاء، فالإحساس بالتجاهل والرفض يدفع المراهقين في هذا السن للانعزال، وسيطرة التفكير السلبي على أفكارهم، وعلى تقبل المجتمع لهم، مما يزيد من اكتئاب المراهقين.
وسائل التواصل الاجتماعي
الاستخدام المفرط للإنترنت و”السوشيال ميديا” في هذا العصر أدّى لظهور وانتشار المقارنات، والتنمر، والانعزال بالساعات خلف الشاشات، وانتشار الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية المختلفة بين الأجيال الصغيرة.
الخوف من الفشل
المراهقون غالبًا ما يتعرضون لضغط من الأهل، خصوصًا في مراحل الدراسة المختلفة، والتوقعات العالية من الأهل، التي تولد شعورًا مستمرًا بالخوف من الفشل أو عدم إنجاز ما يتوقعه الآخرون.
الأزمات الأسرية
مثل الطلاق، أو العنف الأسري، أو الإهمال العاطفي، أو الخلافات المستمرة داخل المنزل، كل ذلك يسلب المراهقين الشعور بالأمان، مما يدفعهم إلى تصرفات عنيفة، وأفكار سلبية تسيطر على حياتهم.
الفقر والضغوط الاقتصادية
شعور المراهق بالعبء المادي، وخصوصًا عندما يُجبر على الالتزام بعمل من سن صغير، يضيف إليه الكثير من الأعباء والضغوطات النفسية التي تصل لحد الاكتئاب في مرحلة المراهقة.
التعرض لصدمة
التجارب المؤلمة، خصوصًا في المراحل العمرية الصغيرة، مثل الحوادث أو الموت، قد تترك آثارًا عميقة لا يمكن التخلص منها بسهولة، وقد تكون من أحد الأسباب الرئيسية المؤدية إلى اكتئاب المراهقين.
الاستعداد الوراثي
وجود تاريخ عائلي من أحد الاضطرابات النفسية، يزيد من احتمالية إصابة الأجيال الجديدة بتلك الاضطرابات.
اضطرابات في كيمياء الدماغ
مثل حدوث نقص في النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، وهي النواقل المسؤولة عن هرمونات الشعور بالسعادة، والتي تسبب الإصابة بالاكتئاب عند حدوث أي خلل.
قلة النوم
وجود اضطرابات في دورات النوم، السهر لساعات طويلة، يؤثر سلبًا على الحالة المزاجية، ومع انتشاره في السن الصغير، وعدم انتظام دورة الحياة اليومية، نجد اكتئاب المراهقين أكثر انتشارًا في تلك الآونة.
سوء التغذية
تناول أطعمة غير صحية، والإكثار من تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات، وعدم الاهتمام بالحصول على العناصر الغذائية الأساسية، ونقص بعض العناصر المهمة للمزاج، مثل أوميغا-3 والمغنيسيوم.
قلة النشاط البدني
ممارسة الرياضة تساعد الجسم على استعادة التوازن، كما أنها تحسن من إفراز هرمونات السعادة، مثل الإندورفين، وتساعد في مقاومة الأمراض الجسدية أيضًا.
غياب الدعم العاطفي
عدم وجود علاقات قوية، وذلك بسبب صغر السن وقلة الخبرات في الحياة، فيعتمد الفرد في سن المراهقة على دعم الأهل والمقربين، وعند غياب ذلك الدعم، يؤدي إلى اكتئاب المراهقين مع وصول سن البلوغ.
لذلك نجد أن اكتئاب المراهقين اليوم ليس نتيجة سبب واحد فقط، بل هو تفاعل عدة عوامل مختلفة، تبدأ منذ الصغر، والبيئة المحيطة، والتفكير، والثقافات المختلفة.
أساليب مواجهة اكتئاب المراهقين
لمواجهة أسباب اكتئاب المراهقين ومقاومتها بفعالية، يجب أن تشكل استراتيجيات التعامل العديد من الجوانب المحيطة بالفرد، مثل (الأسرة، المدرسة، المجتمع)، بجانب التعامل السليم مع المراهق نفسه، وأهم الطرق العملية التي يمكن من خلالها مقاومة اكتئاب المراهقين ما يلي:
تعزيز الوعي الذاتي
يجب تشجيع الأطفال منذ الصغر، وخلال مراحل المراهقة، على تدوين المشاعر، ومحاولة فهم التغييرات النفسية التي تحدث لهم، والتحدث عنها بكل وضوح، ومحاولة الوصول لوعي ذاتي كافٍ عمّا يرغب به في الحياة.
تعليم مهارات التعامل مع الضغوطات
ربما لا يفهم الأفراد في سن المراهقة مفهوم الضغوطات بالشكل الصحيح، ولكن قد يصفون أنهم في حالة ضيق، وأنهم غير قادرين على استكمال العمل والدراسة. وذلك دور المحيطين بتعليمهم أبسط أساليب التعامل مع المواقف السيئة والضغوطات، مثل: التنفس العميق، التأمل، التوقف عن التفكير السلبي، والتدريب على المرونة النفسية، وحسن التصرف في المواقف الصعبة.
التوعية بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا
بسبب انتشار الاضطرابات النفسية بسبب التكنولوجيا، وتسارع وتيرة الحياة، يجب وضع حدود للمراهقين في التعامل مع وسائل التواصل المختلفة، والتوعية بالآثار السلبية العائدة من التعامل مع تكنولوجيا العصر.
الاستماع دون إصدار الأحكام
لا تقلل من مشاعر المراهقين، أو الاستهانة بالتجارب المختلفة في الحياة، بل يجب منحهم الشعور بالأمان، والتصديق، والدعم اللازم، وعدم إصدار الأحكام المختلفة عليهم، وعلى نمط الحياة، بل التوعية بطريقة سليمة.
تشجيع الروتين الصحي
يبدأ من تنظيم وقت النوم والاستيقاظ، وتحضير وجبات الطعام التي تحتوي على العناصر الأساسية والمفيدة، خصوصًا الفيتامينات المسؤولة عن التوازن داخل المخ، مثل (أوميغا 3، فيتامين D، الماغنيسيوم)، وتشجيع النشاط الرياضي، حتى المشي لمدة بسيطة، والابتعاد عن الضوضاء والتكنولوجيا الضارة المحيطة بنا.
برامج الدعم النفسي في المدارس
وجود أخصائي نفسي مدرسي يستطيع اكتشاف الأعراض مبكرًا، وخصوصًا مع انتشارها في مراحل المراهقة، وإعطاء المساحة الآمنة للطلاب للتحدث حول ما يشعرون به من ضغوطات نفسية، وتقديم ورش توعية حول الصحة النفسية، وكيفية طلب المساعدة من المختصين.
مكافحة التنمّر
لقد أصبح التنمر من الآفات الخطيرة في هذا العصر، والذي قد يؤدي إلى الانتحار، والذي أصبح ظاهرة منتشرة في هذا العصر، ويجب فرض قوانين وعقوبات واضحة ضد التنمّر، وتدريب وتوعية المراهقين والأطفال على احترام الاختلاف، والتعاطف مع الآخرين.
تنمية المهارات الاجتماعية
تشجيع المراهقين على المشاركة في الأنشطة الجماعية، والتطوعية، وتعلم العمل الجماعي، وبناء الثقة بالنفس من خلال الإنجازات الصغيرة، ومشاركتها مع الآخرين.
المتابعة مع متخصص نفسي عند ظهور علامات الاكتئاب
لا يجب ترك المراهق عند ملاحظة تغييرات كبيرة في نمط الحياة، بل يجب مساعدته، وطلب المساعدة من مختص، سواء بالتدخل العلاجي المعرفي أو التدخل الدوائي اللازم، لإنقاذ الحياة المستقبلية للمراهقين.
الفحص البيولوجي من المختص
مثل فحص اضطرابات النوم، أو نقص بعض الفيتامينات والعناصر، والحالة الجسدية المرتبطة بالاكتئاب. ومع التقدم الآن، تم اكتشاف جزيئات microRNAs صغرى الحجم، وتنظم التعبير الجيني في الخلايا. وعند إجراء تحليل الدم للمصابين باكتئاب المراهقين، وُجد انتشار لهذه الجزيئات في الدم، ولم يتم رصدها في كبار السن، بل المراهقين فقط. وهي تشخيص مبكر ودقيق، حيث يمكن اكتشاف اكتئاب المراهقين قبل تدهور الحالة أو مقاومة العلاج. وتم اكتشاف تسع microRNAs في دم المراهقين المرتبطين بالاكتئاب، وهي مؤشرات حيوية واعدة للتشخيص المبكر. ثلاثة منها ترتبط بشدة الأعراض، وأحدها يرتبط بتغييرات هيكلية في الدماغ.
دعم الهوايات والاهتمامات الشخصية
يجب مساعدة المراهقين في اكتشاف نقاط القوة لديهم، وما يهتمون به من أنشطة في الحياة، حتى الأنشطة الترفيهية، وإعطاء المساحة الكافية للتعبير عمّا بداخلهم من هوايات وطموحات.
تعليمه ثقافة طلب المساعدة
التخلي عن فكرة الوصمة، وأن طلب المساعدة يعتبر ضعفًا، بل إن التوعية بضرورة الاهتمام بالصحة النفسية، وطلب المساعدة من المختصين، هو أهم أساليب مقاومة اكتئاب المراهقين، والخطوة الأولى نحو رحلة التعافي.
مقاومة أسباب اكتئاب المراهقين تبدأ من الاعتراف بوجودها، وتجاهل وصمة العار المرتبطة بالإصابة بالمرض النفسي، خصوصًا لدى الأعمار الصغيرة في السن. بل يجب منح المراهق الفرصة والأساليب اللازمة لمواجهة الصعوبات والتحديات المؤدية إلى اكتئاب المراهقين، وتقديم الدعم الكافي لمساعدته في تجاوز تلك العقبة، والسعي مجددًا لبناء مستقبل أفضل.




































