كيف تمثل ميكروبات الأمعاء علاج الاكتئاب و القلق ؟ دراسة تكشف
خلال العقود الماضية، كان يُنظر إلى القلق والاكتئاب على أنهما اضطرابات تنشأ فقط في الدماغ نتيجة اختلال كيميائي في النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين.
ولكن ما سعت للوصول إليه الأبحاث الحديثة هو وجود أسباب أخرى للإصابة بالاضطرابات النفسية، وابتكار طرق جديدة في علاج الاكتئاب و القلق باعتبارهما الأكثر شيوعًا بين الاضطرابات النفسية.
وما تم اكتشافه بصورة أكثر وضوحًا هو علاقة وثيقة بين الدماغ والجهاز الهضمي، تعرف باسم محور الأمعاء–الدماغ. ومن أهم ما يتحكم في هذا المحور هو الميكروبيوم المعوي — وهو مجتمع ضخم يضم الملايين من البكتيريا والفطريات النافعة التي تساعد في الحفاظ على صحة الأمعاء، وبالتالي ينعكس ذلك على الحالة النفسية.
ومن هنا جاءت الدراسات الحديثة لتكشف عن طرق فعالة في علاج الاكتئاب والقلق عن طريق الميكروبيوم، وحدوث طفرة في علاج الاضطرابات النفسية بعد هذه الاكتشافات.
ما هو ميكروبيوم الأمعاء؟ ولماذا هو مهم في علاج الاكتئاب و القلق ؟
الميكروبيوم: هو مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي، وخصوصًا في الأمعاء، وتشمل البكتيريا النافعة والخمائر والفيروسات غير الضارة التي تساعد الجهاز الهضمي على القيام بوظائفه بصورة طبيعية، والتي تنقسم إلى:
المساعدة في هضم الطعام وامتصاص المغذيات، والتخلص من بقايا الطعام الضارة على الجسم.
إنتاج فيتامينات مهمة مثل B12 والبوتاسيوم الأساسي في العديد من العمليات الحيوية داخل الجسم.
تقوية جهاز المناعة عن طريق محاربة الكائنات الضارة داخل الجهاز الهضمي، والتخلص من الفضلات التي تضر بصحة الجسم.
التأثير في تصنيع النواقل العصبية، حيث وُجد أن السيروتونين (70% من مخزون الجسم يُصنع في الأمعاء!) وليس داخل المخ كما كان يُعتقد قديمًا، وهو الهرمون الرئيسي المسؤول عن السعادة، وعلاج الاكتئاب والقلق ينبني على استعادة تركيز هذا الهرمون داخل الجسم.
والدراسات السريرية والتجارب أظهرت أن خلل توازن البكتيريا المعوية يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وهو ما سعت الأبحاث لاكتشاف آلية تأثير الجهاز الهضمي على الصحة
النفسية، ومن هذه النظريات:
المواد الكيميائية العصبية: بعض البكتيريا النافعة داخل الجهاز الهضمي تنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة، والتي تحافظ على صحة الخلايا العصبية وتساعد في علاج الاكتئاب و القلق عن طريق تحفيز إنتاج هرمون السيروتونين.
الالتهاب المزمن: عند حدوث التهابات مزمنة على طول الجهاز الهضمي يؤدي ذلك لزيادة نفاذية الأمعاء للمواد الضارة والسموم وبقايا الطعام إلى الدم مرة أخرى، فيما يعرف بـ(“الأمعاء المتسربة”)، وهذا يحفز الالتهابات البسيطة، ولكن يمكن أن يمتد تأثيرها المزمن في التأثير سلبًا على الدماغ والحالة النفسية.
التواصل عبر العصب الحائر: وهو خط اتصال مباشر بين الأمعاء والدماغ، عندما ترسل البكتيريا إشارات عصبية لمناطق مختلفة في الدماغ، يحفز ذلك المراكز المسؤولة عن الحالة المزاجية ويؤدي لحدوث اضطرابات في المزاج.
تعديل استجابة الإجهاد: الميكروبات الصحية عندما تعمل بصورة صحيحة تساعد على تهدئة إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، وتساهم بشكل مباشر في علاج الاكتئاب والقلق.
كيف يمكن استغلال هذه العلاقة في علاج الاكتئاب والقلق؟
بعد اكتشاف العلماء لآليات تأثير الميكروبيوم المعوي على الحالة النفسية، اتجه العلماء لاستغلال محور الأمعاء والدماغ في ابتكار طرق بسيطة تساعد في علاج الاكتئاب والقلق دون وجود تأثيرات صحية أخرى، منها، ويمكن أن تكون عوامل مساعدة بجانب العلاج المعرفي في الحالات البسيطة التي لا تتطلب تدخلًا دوائيًا كبيرًا، ومن هذه الطرق:
العلاج بالبروبيوتيك (Probiotics):
وهي مكملات غذائية تحتوي على البكتيريا النافعة للأمعاء. وأثبتت الدراسات الحديثة أن تناول البروبيوتيك -بعد استشارة الطبيب- يساعد في علاج الاكتئاب والقلق بصورة واضحة، كما أنه يساعد في تحسين صحة الأمعاء وبالتالي يؤثر إيجابًا على حالة الاكتئاب والقلق.
البريبايوتيك (Prebiotics):
وهي ألياف غذائية تغذي البكتيريا النافعة، وتساعد في تعزيز نمو الميكروبات المفيدة وتحسين توازنها داخل الأمعاء، وبالتالي الحفاظ على صحة الأمعاء بصورة متوازنة.
النظام الغذائي المتوازن:
الأغذية الغنية بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات تدعم ميكروبات الأمعاء، لذلك دائمًا ما نجد روتين الطعام المحتوي على هذه المكونات أساسيًا في علاج الاكتئاب والقلق بجانب العلاج الدوائي، ويجب أيضًا تجنب الإفراط في السكر والدهون المشبعة والوجبات السريعة للمحافظة على صحة الأمعاء والتوازن الميكروبيوم المعوي بداخلها.
زراعة الميكروبيوم (FMT):
إجراء طبي تجريبي يتم فيه نقل بكتيريا أمعاء صحية إلى شخص يعاني من خلل ميكروبي شديد، وهو اكتشاف طبي حديث في عام 2023، حيث تم إجراء بعض التجارب على حالات تعاني من الاكتئاب بشكل حاد ولم تجدِ الأدوية النفسية نفعًا بالصورة المطلوبة، فتم زراعة بعض الميكروبيوم المعوي من شخص سليم لدى الشخص المريض، ولوحظ تطور واضح في حالة الفرد المريض، مما يتيح المجال للمزيد من التجارب للوصول إلى طريقة أساسية لزراعة الميكروبيوم في علاج الاكتئاب والقلق.
الأدوية النفسية الموجهة للميكروبيوم:
أبحاث حالية تعمل على تطوير مضادات اكتئاب جديدة تعتمد على تعديل الميكروبات بدلًا من العمل مباشرة على النواقل العصبية. إنتاج النواقل العصبية في الجهاز الهضمي يقوي الإنتاج من المخ، فعند التأثير بصورة إيجابية على صحة الأمعاء والجهاز الهضمي يحسن ذلك من إنتاج هرمونات السعادة المسؤولة عن تحسين الحالة المزاجية.
لذلك، من ضمن الخطط المتبعة في علاج الاكتئاب والقلق حديثًا هي التأثير على النظام الغذائي ومساعدة الجسم على إنتاج النواقل العصبية بصورة سليمة دون التأثير على المخ، لتلاشي الأضرار الجانبية الناتجة من التدخل الدوائي، لذلك هناك بعض النصائح المتعلقة بالنظام الغذائي من شأنها التحسين من علاج الاكتئاب والقلق:
التنوع الغذائي: كلما كان النظام الغذائي متنوعًا، ومليئًا بالعناصر الغذائية التي تحتوي على البكتيريا النافعة مثل منتجات الألبان والغنية بالألياف النافعة، زاد ذلك من تحسين صحة الأمعاء والجهاز الهضمي.
النشاط البدني المنتظم:
ممارسة الرياضة بانتظام، بجانب تأثيرها الجسدي في تحسين الحالات المرضية وتحسين الصحة النفسية، إلا أنها تؤثر بشكل كبير على تحسين صحة الأمعاء، ويحفز نمو البكتيريا النافعة، وبالتالي تحسن من استجابة الجسم للضغوطات النفسية.
النوم الجيد:
اضطرابات النوم تؤثر بشكل مباشر على حالة الجهاز الهضمي وتؤثر على نمو الميكروبيوم المعوي، والعكس أيضًا، لذلك يجب دائمًا الحفاظ على حالة النوم بصورة جيدة.
تجنب المضادات الحيوية إلا عند الضرورة: لعل من أحد الأسباب المباشرة في التأثير على نمو البكتيريا النافعة في الأمعاء هو التعامل الخاطئ مع المضادات الحيوية وتناولها بدون الحاجة، وبالتالي يؤدي ذلك لقتل البكتيريا النافعة داخل الجسم، والتعرض للعديد من المشاكل الجسدية والنفسية الناتجة من ذلك.
التعرض للطبيعة:
التفاعل مع بيئات طبيعية غنية بالبكتيريا المفيدة (مثل الحدائق والتربة) يعزز جهاز المناعة والميكروبيوم، ويساعد الجسم على مقاومة الأمراض.
إدارة التوتر:
ممارسة تمارين التأمل واليوغا وتمارين التنفس تقلل إفراز الكورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن التوتر داخل الجسم، وبالتالي يساعد ذلك في تحسين نمو الميكروبيوم المعوي.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أننا على أعتاب ثورة في فهم أسباب الاضطرابات النفسية. لم يعد الاكتئاب والقلق مجرد نتيجة “خلل كيميائي في الدماغ”، بل هما انعكاس لصحة الجسم بأكمله، وخصوصًا ميكروبات الأمعاء. والعمل على ابتكار طرق جديدة في علاج الاكتئاب والقلق يعد جزءًا أساسيًا الآن من أجل تجنب المخاطر الناتجة من العلاج الدوائي.





































