الاختلاف بين الجنسين وطرق إيذاء النفس
يعد إيذاء النفس غير الانتحاري (NSSI) أحد أكثر الظواهر النفسية تعقيداً وإثارة للقلق في الطب النفسي الحديث. هو صرخة صامتة للتعبير عن ألم عاطفي لا يمكن وصفه بالكلمات، ومحاولة بائسة لتنظيم مشاعر غامرة. ومع ذلك، تشير الدراسات السريرية والوبائية إلى وجود تباين ملحوظ ومثير للاهتمام بين الذكور والإناث، ليس فقط في معدلات الانتشار، بل في طرق إيذاء النفس المختارة، والدوافع الكامنة وراءها، وحتى الأماكن الجسدية المستهدفة.
إن فهم هذه الاختلافات ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو ضرورة حتمية لتصميم استراتيجيات وقائية وعلاجية فعالة تراعي الخصوصية النفسية والاجتماعية لكل جنس.
الدوافع النفسية: لماذا يختلف المقصد؟
بشكل عام، يُستخدم إيذاء النفس كآلية للتكيف، لكن “الوظيفة” النفسية لهذا السلوك قد تختلف بين الجنسين:
الإناث:
غالباً ما ترتبط طرق إيذاء النفس لديهن بالرغبة في تخفيف الضيق العاطفي الشديد، أو معاقبة الذات نتيجة لتدني تقدير الذات، أو التخلص من الشعور بالفراغ. تميل الإناث إلى استدراج الألم الجسدي ليحل محل الألم النفسي الذي لا يُطاق.
الذكور:
يميل الذكور أحياناً إلى استخدام إيذاء النفس كوسيلة للتعبير عن الغضب المكبوت، أو لإثبات “القدرة على التحمل”، أو كطريقة للشعور “بشيء ما” في حالات التبلد العاطفي. كما أن الضغوط المجتمعية التي تمنع الرجل من البكاء قد تدفعه لتحويل هذا الضغط إلى فعل جسدي عنيف.
الاختلاف في “طرق إيذاء النفس”: الأسلوب والأدوات
تظهر الأبحاث تفضيلاً مختلفاً في الوسائل المستخدمة بين الجنسين، وهو ما يعكس جزئياً القوالب النمطية والنشأة الاجتماعية:
أ. عند الإناث:
تعتبر “الخدش” أو “القطع” (Cutting) باستخدام أدوات حادة هي أكثر طرق إيذاء النفس شيوعاً. غالباً ما تتركز هذه الأفعال في مناطق يسهل إخفاؤها بملابس عادية مثل الفخذين، المعصمين، أو البطن. تميل الإناث أيضاً إلى تكرار الفعل بوتيرة أعلى ولكن بحدّة جسدية قد تكون أقل مقارنة ببعض الأساليب الذكورية.
ب. عند الذكور:
يميل الذكور إلى استخدام طرق أكثر “عنفاً” أو صداماً، مثل “الضرب” (لكم الجدران أو الأجسام الصلبة حتى كسر العظام)، أو “الحرق” (بواسطة السجائر أو الولاعات). من المثير للاهتمام أن طرق إيذاء النفس لدى الذكور قد تُشخص خاطئاً على أنها “سلوك عدواني” أو “مشاجرات”، بينما هي في جوهرها محاولات لإيذاء الذات. كما يميل الذكور لاستهداف مناطق أكثر بروزاً مثل اليدين أو الصدر.
الوصمة الاجتماعية وصعوبة طلب المساعدة
تلعب الوصمة دوراً مزدوجاً في تشكيل هذه الظاهرة:
لدى الإناث: رغم أن المجتمع قد يربط إيذاء النفس بالنساء بشكل أكبر، إلا أن هذا الارتباط يوصمهن أحياناً بـ “الرغبة في جذب الانتباه”، مما يقلل من شأن معاناتهن الحقيقية ويمنعهن من طلب الدعم المتخصص.
لدى الذكور: يواجه الذكور وصمة مضاعفة؛ فإيذاء النفس يُنظر إليه أحياناً على أنه سلوك “غير رجولي”. هذا يجعل الرجال أقل عرضة للإفصاح عن معاناتهم، مما يؤدي إلى بقائهم تحت الرادار العلاجي حتى تتفاقم حالتهم أو تتحول إلى محاولات انتحارية حقيقية.
كيف نكتشف العلامات التحذيرية؟
بسبب الاختلاف في طرق إيذاء النفس، يجب على الأهل والمختصين الانتباه لعلامات مختلفة:
الملابس غير المناسبة للمناخ: ارتداء أكمام طويلة في الصيف الحار لإخفاء الندوب.
الإصابات المتكررة وغير المبررة: وجود كدمات على المفاصل (عند الذكور) أو خدوش طولية (عند الإناث).
العزلة الاجتماعية: الانسحاب المفاجئ وقضاء ساعات طويلة في الحمام أو غرف مغلقة.
أدوات حادة مخفية: العثور على شفرات أو دبابيس في أماكن غير منطقية.
الطريق نحو التعافي: استراتيجيات البدائل
التعافي يبدأ بالاعتراف بأن طرق إيذاء النفس ليست المشكلة الأساسية، بل هي “عرض” لألم أعمق. العلاج السلوكي الجدلي (DBT) أثبت نجاحاً كبيراً في تعليم المرضى “مهارات التحمل” بدلاً من الإيذاء، مثل:
بدائل حسية: إمساك قطعة ثلج بقوة أو وضع شريط مطاطي على المعصم وشده (كوسائل انتقالية أقل ضرراً).
التعبير الإبداعي: الكتابة أو الرسم للتنفيس عن المشاعر الغامرة.
التواصل الفوري: الاتصال بخطوط الدعم عند الشعور بالرغبة في إيذاء النفس.
إن فهم الاختلاف بين الجنسين في طرق إيذاء النفس يمنحنا مفتاحاً للرحمة والاحتواء. سواء كان الألم يظهر في صورة خدوش صامتة أو لكمات غاضبة، فإن الجوهر واحد: إنسان يتألم ويحتاج للمساعدة. يجب أن نكسر جدار الصمت ونوفر بيئة آمنة للذكور والإناث على حد سواء للإفصاح عن وجعهم دون خوف من حكم أو تقليل.
إذا كنت تشعر أن الضغوط أصبحت فوق طاقتك، أو وجدت نفسك تلجأ إلى طرق إيذاء النفس لتخفيف عبء مشاعرك، تذكر أنك لست وحدك وأن هناك دائماً طريقاً آخر.
حمل الآن للوصول إلى دردشة فورية وآمنة وسرية تماماً. نوفر لك أدوات عملية و استشارات نفسية لمواجهة لحظاتك الصعبة، ونساعدك على استبدال الألم بالتعافي.




































