دراسة توضح: دور علم الأعصاب في مجال الصحة النفسية
عند التوسع في دراسة الصحة النفسية والاكتشافات حول المؤثرات التي تحسن من الصحة النفسية، ظهرت العديد من الجوانب التي تؤثر على الصحة النفسية، وبرز علم الأعصاب كأحد أهم العلوم الجسدية التي تؤثر على الصحة النفسية، وكيف يمكن للتغيرات التي تحدث في الدماغ أن تؤثر على الحالة النفسية للفرد.
وتساعد دراسة علم الأعصاب في فهم المزيد من التأثيرات الخارجية التي من شأنها تحسين حالة الفرد النفسية.
دور علم الأعصاب والموسيقى في تحسين الحالة النفسية
في عام ٢٠٢٥ ظهرت دراسة مهمة للعالمة كيمايا ليكامواسوم، وهي عالمة أعصاب وموسيقية في نفس الوقت، وتوضح تلك الدراسة أساسًا انطلقت منه العالمة لتكتشف دور علم الأعصاب في تحسين الحالة النفسية. ولاحظت التأثير القوي للموسيقى على الحالة النفسية للأفراد، وهو ما دفعها لدمج تلك التأثيرات واستنتاج تأثير الموسيقى على الأعصاب وعلى الحالة النفسية. وقد استنتجت عدة محاور رئيسية، وهي:
الموسيقى ليست فقط “فنًا” أو “متعة صوتية”، بل لها تأثير قوي على الدماغ؛ فبداية من سماع الموسيقى يبدأ الفرد في الاندماج معها بتأثير من المشاعر التي تطغى عليه في ذلك الوقت من السعادة والنشاط والاندفاع، ويتم تنبيه الدماغ ليكون في حالة انتباه زائد، ومن ثم يؤثر ذلك على الحالة العاطفية للفرد ويشعر بالسعادة والفرح.
ومن هنا انطلقت كيمايا تحاول استغلال تأثير الموسيقى على الجسم في التحسين من حالة الفرد، ولكن بطريقة صحيحة ومدروسة.
الموسيقى يمكن أن تكون بمثابة “علاج” أو تدخل لدعم الصحة النفسية من خلال الاستماع أو التأليف أو حتى الأداء، بل يجب دمج الموسيقى كأحد وسائل العلاج المعرفي، وليس من أجل الترفيه أو التحسين من الحالة النفسية بشكل مؤقت.
وقد بدأت في الجمع بين دراسة علم الأعصاب وفهم كيف يتفاعل الدماغ مع الصوت والموسيقى، واكتشفت كيف يمكن أن تكون الموسيقى حافزًا لنشر السعادة أو عاملًا للتهدئة من الضغوط النفسية والتحكم في غيرهم من المشاعر.
ولهذا، عند الرجوع لكثير من الثقافات على مر العصور، كان يشيع العلاج بالموسيقى بصورة كبيرة، ولكن لم يحاول الكثيرون فهم ما وراء ذلك، وكيف يمكن أن تكون الموسيقى أحد طرق العلاج المهمة.
كيف يمكن استغلال علم الأعصاب في تحسين الصحة النفسية؟
بعد انتشار تلك النظرية والفرضية ومعرفة المزيد عن علم الأعصاب وتأثيره على صحة الأفراد النفسية، تم استغلال الموسيقى كأحد وسائل العلاج والتحفيز في المواقف المختلفة. فالآن لا توجد مناسبة اجتماعية أو ثقافية أو أي نشاط يخلو من الاستماع للموسيقى بهدف الترفيه، ويمكن استغلال ذلك في:
١- تطوير أساليب علاجية غير دوائية:
بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية أو العلاج النفسي، والتأثيرات الجانبية التي تحدث من تناول العلاج النفسي، يمكن استغلال الموسيقى كوسيلة علاج معرفي. فالموسيقى تجذب الكثيرين لممارستها أو الاستماع إليها؛ وقد يكون من النادر أن تجد فردًا لا يهتم بالموسيقى أو لا ينجذب إليها، لذلك يمكن دمج الموسيقى كجزء من برامج دعم الصحة النفسية، لتخفيف القلق والتوتر أو الاكتئاب.
٢- استخدام الموسيقى في البيئات الجماعية:
تعتبر الموسيقى من المحفزات الرئيسية لنشر الطاقة والنشاط عند القيام بعمل جماعي،و لتقوية الشعور الجماعي وزيادة الشعور بالانتماء، ولمساعدة على دمج المزيد من الأفراد داخل العمل. وبيّنت دراسة كيمايا آثار “الموسيقى الحية أو الجماعية” على رفاهية الجمهور والمؤديين معًا، وهذا يساعدنا على دمج الموسيقى بالاستماع والأداء داخل الأنشطة الجماعية.
٣- توظيف الذكاء الاصطناعي لصناعة موسيقى:
أوضحت كيمايا أنها تعمل مع مختبر الذكاء الاصطناعي لإنشاء موسيقى “مُصمّمة بالذكاء الاصطناعي” تستجيب لحالة الشخص النفسية أو العاطفية، مما يفتح الباب لوجود مقطوعات موسيقية تستهدف تحسين أعراض نفسية معينة. ودراسة علم الأعصاب ساعدت على فتح الآفاق لمثل هذه التجربة، واستغلال الذكاء الاصطناعي في تحديد ما تُحدثه الموسيقى المختلفة من تأثيرات على الأعصاب وصناعة مقطوعات تناسب ذلك.
ولهذا أصبح من المهم دمج العلاج بالموسيقى مع العلاج النفسي والدوائي، وهذا ما حاولت كيمايا ترسيخه في العقول، بأن الموسيقى وتأثيرها على الأعصاب يساعدان في التحسين من الحالة النفسية.
ولكن حتى لا يختلط الأمر على البعض فهو علاج مكمل، ولا يمكن اعتماده كعلاج أساسي عند وجود تدهور كبير في الصحة النفسية.
وهذا يعني أنه في حياتنا اليومية توجد بدائل يمكنها تحسين الحالة النفسية بطريقة سهلة؛ فيمكن عزف الموسيقى أو الاستماع لها أو تأليف مقطوعات موسيقية. فكل ما هو مرتبط بالموسيقى من شأنه دعم نفسية الفرد.
ما هي مشاكل الدراسة المحتملة؟تلك الدراسة وبعض الدراسات عن علم الأعصاب قد تواجه بعض العقبات في محاولة استغلال الموسيقى من أجل تحسين الحالة النفسية، ومن أهم تلك التحديات:
عند استغلال الذكاء الاصطناعي لتوليد الموسيقى، وجدت دراسة أخرى أنه عند مقارنة التأثير النفسي الظاهر على فئات مختلفة من الأفراد نتيجة استماع مجموعة منهم لموسيقى من صنع البشر، وفئة أخرى لموسيقى من صنع الذكاء الاصطناعي لم يكن هناك من ناحية قياس العاطفة المتولدة اختلاف كبير، ولكن المشاركون أعطوا تفضيلًا أكبر للموسيقى البشرية الأصيلة من حيث ملامستها للروح. وهذا يعني أن “الموسيقى كآلة” قد لا تحقق نفس العمق العاطفي دائمًا، لذلك لا يمكن وضع نظرية تامة تؤكد أن الموسيقى كلها تعطي نفس التأثير على الحالة النفسية.
الاعتماد الكامل على الموسيقى لسهولة انتشارها والحصول عليها بأبسط الطرق قد يستغله البعض كبديل للكثير من العلاج المعرفي، والاعتماد على الموسيقى كمصدر دعم عوضًا عن الأفراد ،ولكن بجانب ما يوضحه علم الأعصاب من ضرر نتيجة للاستماع المفرط للموسيقى، قد تحل الموسيقى محل البشر، وهي في الأصل مجرد علاج إضافي للمساعدة في استقرار الأفراد.
ليس كل الحالات النفسية “تُعالَج” بالموسيقى؛ الموسيقى قد تساعد في القلق والتوتر ودعم المزاج في مجرد الحالات البسيطة التي تحتاج للسيطرة على التقلبات المزاجية ولكنها لا تستطيع أن تساعد في علاج الأمراض النفسية المستعصية دون وجود دعم متخصص وخطط علاجية مناسبة. لذا من المهم أن تُستخدم كجزء من خطة علاج شاملة تشكل علاجًا دوائيًا وعلاجًا معرفيًا وسلوكيًا.
الأبحاث في علم الأعصاب تأثير الموسيقى على الأعصاب وما يتبعه من تحسين في الصحة النفسية لا تزال في بداية الاستكشاف، وتحتاج لبذل المزيد من الجهود لدمج علم الأعصاب ودراسته ضمن الخطط الرئيسية لتحديد الاضطرابات النفسية. وربما تكون الاستجابة للموسيقى في حالات فردية، وربما توجد أنواع من الموسيقى يمكن أن تزيد من سوء الحالة النفسية وليس التحسين؛ كل ذلك يجعل هناك حاجة لمزيد من الأبحاث وللبحث عن المزيد من تأثيرات الموسيقى في علم الأعصاب.
بحث كيمايا يفتح أفقًا واعدًا جدًا أمام متخصصي العلاج النفسي، لاستغلالهم الموسيقى باعتبارها ليس فقط فنًا، بل “دواءً نفسيًا” يمكن الاعتماد على تأثيره كعامل مساعد قوي في خطط العلاج المعرفي.
وقد استطاعت كيمايا الجمع بين علم الأعصاب والموسيقى، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، من أجل تصميم حلول موسيقية منفردة تساعد في التحسين من الحالات النفسية المختلفة، باعتبار الموسيقى حلًا يسهل على الجميع الوصول إليه من أجل تخفيف التوتر، ودعم الصحة النفسية، وتحسين الرفاهية. لكن الأمر يتطلب التعامل السليم مع الموسيقى، والتعامل معها كعلاج إضافي وليس أسلوب علاج أساسي.




































