تربية الابناء

لماذا تفقد الأسرة سلطتها على الأبناء؟

 

في اللحظة الأولى التي يوضع فيها المولود بين يدي أبيه وأمه يبدو كلُّ شيء جميلاً، فتعلو الوجوه الفرحة، وتتناثر التعليقات المرحة والتهاني المباركة هنا وهناك.

ولكن نظرة واحدة إلى هذا المخلوق الصغير الذي لا يستطيع أن يلتقم ثدي أمّه بعد تجعلنا ندرك حجم المسؤولية التي تقع على الأسرة في تشكيل وتربية وتهيئة هذا الكائن للحياة.

عملية التربية ليست فقط توفير وسائل الحياة كالطعام والمأوى والملبس للأبناء ولكنها تعني أيضا الحفاظ على سلامة صحتهم النفسيّة من الضرر، وقواهم العقلية من الانحراف، و إمدادهم بالمهارات اللازمة للحياة.

من أجل أن يتمكن الوالدان من غرس المفاهيم وتزويد الأبناء بالقيم والمهارات الضرورية لابد أن يكون لهما ’سلطة روحية‘ تجعل الولد يتقبل ما يقرره والده، ويعتنق ما تزوده به والدته من أفكار وقناعات بل إن هذه السلطة الروحية تضمن أن يتلقى العقاب على سوء سلوكه بنفس مطمئنة إلى عدالة الإجراءات وإنصاف الوالدين.

إذاً كلّ تصرف من أحد الوالدين يؤدي إلى التفريط في هذه السلطة الروحية جريمة في حق الأبناء وتربيتهم، وعلى العكس كل مهارة يكتسبها الوالدين تعزز هذه السلطة وترتقي بعملية التربية.

وهنا يأتي لبُّ هذا المقال: لماذا تفقد بعض الأسر سلطتها على أبنائها؟ لماذا تتحول تعليمات الوالدين إلى مجرد كلمات غير قابلة للتنفيذ؟ لماذا يهدر الأبناء تهديدات الوالدين وينظرون إليها باستخفاف وتجاهل؟.

لا شك أن هناك مجموعة من التصرفات الخاطئة والانحرافات التربوية قام بها الوالدان بشكل متكرر أثناء تنشئة أبنائهم مما أدى إلى الوصول إلى هذه الحالة من رفض السلطة الأسرية وعدم الخضوع لها.

من أهم الأخطاء التربوية التي تؤدي إلى هذه الحالة من فقد السلطة على الأبناء تكرار الكذب عليهم.

عندما يكتشف الطفل أن الوالدين اللذين يفترض بهما أن يكونا المصدر الموثوق لمعلوماته يقومان بخداعه فإنه بشكل لا إرادي يفقد الثقة فيهما وفيما يصدر عنهما من توجيهات.

ومن اللافت أن تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب جاء في حادثة بين أمّ وابنها فعن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: دعتني أمي يوما “ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا “، فقالت: ها , تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما أردت أن تعطيه “، قالت: أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة “.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قال لصبي: تعال هاك , ثم لم يعطه، فهي كذبة”.

وبهذا يصبح مدخل الأسرة الأول للحفاظ على سلطتهما على أبنائها صدق الحديث معهم، وتقديم إجابات حقيقية أسئلتهم حتى وإن كانت حقائق مبسطة وموجزة لا تناسب أعمارهم وقدراتهم العقلية.

من أكثر الانحرافات التربوية التي يقوم بها الوالدان تؤدي إلى خلخلة جدار السلطة مع أبنائهم إفشاء أسرارهم والتندر بها في المجالس العائلية أو نقلها إلى المدرسة والمعلمين.

عندما يلجأ الطفل إلى والديه ليضع بين أيديهما أسراره ومخاوفه، وآماله وأحلامه، ورغباته وخيالاته فذلك لأنه يثق فيهما ويعتقد أنهما أحق الناس بمشاركته هذه اللحظات الخاصة.

وعندما يكشف الوالدان سرّ طفلهما للغير فإنهما يسببان بمحض إرادتهما تفويض الثقة، ويهدمون عن عمد جدار السلطة، ويعلنون صراحة أنهم يفرطون في هذه المنحة.

إن الأسر التي تشكو اليوم من أنها بمعزل عن حياة أبنائها المراهقين، أو تلك التي تفاجئ يوماً بأن أحد أطفالهم قد سقط ضحية للإدمان أو في عالم الجريمة هي نفس الأسر التي تعاملت مع أسرار الطفل في الماضي بشيء من الاستهزاء وحولتها إلى قصص تدور في الهواتف بين الجارات أو  حكايات لطيفة تروى في مجالس العائلات.

بالعودة مرة أخرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم نجده قد حذرنا من مغبّة هذا الخلق الذميم فعن جابر رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة))  أي لا يجوز أخبار الآخرين عنها دون إذن صاحبها. فإذا كان هذا هو الحال مع الغرباء فكيف به مع الأبناء؟!

ومن الانحرافات التربوية الخطيرة التي تقوض سلطة الأسرة على الأبناء مخالفة القول الفعل والعكس.

بعض الأسر تطالب الأبناء بسلوكيات نموذجية ومثالية دون أن يقدم الوالدان مثالاً مُعلِّماً، أو قدوةً محفزةً تشجع الطفل على السلوك بهذه الطريقة بل على النقيض نجد الوالدين يقدمان صورة مغايرة مما يضع الطفل في حالة من الاضطراب وعدم التوازن.

عندما يطلب الأب من ابنه ألّا يكذب في حين أنّه كوالد لا يكف عن الكذب فذلك يفقد الأب صورته المثالية ويسقطه من عين طفله، وعندما تشدد الأم على ابنتها في إتباع قواعد النظافة الشخصية وتعنيفها عليها في الوقت الذي تبدي فيه إهمالا شخصياً لذلك الأمر فإنها تخلق شخصية غير متزنة.

مخالفة قول الإنسان فعله ذنب عظيم في كل الأحوال بل إن الله سبحانه وتعالى جعله من صفات المنافقين وحذر منه المؤمنين في كتابه الكريم فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

إذا أردنا أن نختم هذا الموضوع عن أسباب فقد الأسر لسلطتها على أبنائها فلا بد من الحديث عن الإيذاء البدني أهم هذه الأسباب.

الوالدان الناجحان يملكان من أساليب العقاب قائمة طويلة لكنّهما تحت ضغط ظروف الحياة القاسية، وموروثات التربية الخاطئة يلجأن إلى العقاب البدني اعتقاداً منهما أنه وسيلة ناجحة.

لكن في الحقيقة العقاب البدني دليل على الإفلاس التربوي من ناحية وعلى انتصار الطفل بعقله الصغير على عقول الآباء والأمهات والمعلمين من ناحية أخرى.

إن الإيذاء النفسي الذي يقع على الطفل من تعنيفه جسدياً له تأثير مدمّر على العلاقة مع الوالدين، وقد يقطع في مرحلة ما أواصر العلاقة برمّتها ويدفع الطفل إلى اتخاذ قرار الانفصال النفسي عن الأسرة.

لا ينكر أحد الحاجة إلى عقاب (ما) عند سلوك الطفل بطريقة خاطئة ولكن على الوالدين أن يبتعدا عن التعدي على جسده أقدس الملكيات الشخصية للطفل حتى لا يعتاد التفريط فيه لاحقاً لكل من يرعبه.

لقد علمنا النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم درساً عظيماً في التربية نقله عنه طفل تربى في بيته، ونشأ في كنفه وهو سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه حين قال : خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِنِينَ “فَمَا سَبَّنِي سُبَّةً قَطُّ ، وَلا ضَرَبَنِي ضَرْبَةً ، وَلا انْتَهَرَنِي ، وَلا عَبَسَ فِي وَجْهِي ، وَلا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَتَوَانَيْتُ فِيهِ فَعَاتَبَنِي عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَاتَبَنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ ، قَالَ : دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ شَيْءٌ لَكَانَ ” .

تحتاج الأسرة إلى الحفاظ على سلطتها على أبنائها، وإعادة ترميم ما أنهدم منها لأنها ضامن أساسي استجابة الطفل لعملية غرس القيم وتنمية المهارات وتقويم المفاهيم.

RSS
Follow by Email
Twitter
Visit Us
Follow Me
YOUTUBE
LINKEDIN
Share